صورة الرب يسوع على قطعة النقد المكتشفة في آثار زقاق المحكمةزقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي

زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي

زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي

لا يجد الباحث عن “زقاق المحكمة” بدمشق كثير عناء حتى يتعرف إلى هذا الشارع الذي تبدلت أحواله ومقاصده مع مرور الزمن، فهو الشارع الذي لا يزال بعض كبار السن يتذكرونه جيداً، فقد كان المكان شاهداً على تسجيل وقائع الزواج قبل عقود مضت، أيام كان الزقاق يضم بناء المحكمة الشرعية بدمشق.
وقد نُسب إلى محكمة الباب الشرعية في وسطه التي كانت ثاني أكبر محكمة في مدينة دمشق في زمن الدولة العثمانية، بعد محكمة سوق البزورية.
وقد سمّيت بالباب نسبة إلى سلطة الدولة العثمانية، الممثلة بالباب العالي، أو السلطان.
كان الزقاق يُعرف بحارة بلاطة وقد تحول اليوم إلى منطقة مخصصة لصناعة وبيع الجوارب.
مخطط دمشق القديمة وموقع زقاق المحكمة
مخطط دمشق القديمة وموقع زقاق المحكمة
.
يقع “زقاق المحكمة” في الجهة الغربية من مدينة دمشق القديمة وضمن سورها، وهو الشارع الذي يمتد من سوق الخياطين قبالة مسجد الخياطين إلى غرب منطقة الحريقة، . جنوبي المدرسة النورية الكبرى.
وبالرغم من تغير كثير من ملامحه، ظل الاسم ملازماً له حتى اليوم، ولا يزال التّجار وأصحاب المحلات في الشارع يذكرون قوس المحكمة، وسمعوا من آبائهم عن المحكمة الشرعية التي انتقلت أعمالها في عام 1948 إلى “القصر العدلي” الجديد في وسط دمشق، وشُيّد مكانها خان “نور الدين الشهيد” والذي بات الآن سوقاً تجارياً،

يحد “زقاق المحكمة”

• من الجنوب بعضُ العقارات السّكنية وعدد كبير من المحلات التّجارية،
• وخلفها يقع سوق مدحت باشا،
• وفي الشّمال قصر العظم،
• أما من الشرق يحده سوق الخياطين،
• ومن الغرب منطقة الحريقة التي يتقدمها شارع نزلة القاضي، والتي تضم بعضاً من بقايا حمام القاضي على الطرف الجنوبي، وجامع “أبي بكر” على الطرف الشمالي.
التاجر عبد القادر الحلاق

يذكر أن تسمية “زقاق المحكمة”:

زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي
زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي
• نسبة إلى محكمة الباب الشّرعيّة التي تقابله باتجاه القبلة، ويفصل بينها وبين المدرسة النورية، وهي من أشهر محاكم “دمشق” أيام الاحتلال العثماني،
• وتُعرف أيضاً بالباب، إما نسبة إلى سلطة الدولة ممثلة بالباب العالي، أو لوقوعها قرب باب القلعة الشرقي،
• كما سميت بالنورية لأنها كانت تواجه المدرسة النورية الكبرى،
• وأطلق عليها أيضاً، محكمة الباب العليا ومحكمة باب الأفندي،
أما اليوم فقد زالت المحكمة وبقي الزّقاق يحمل اسمها، وتحول إلى سوق لصنع الجوارب وبيعها، وهناك اسم آخر يعرف به الزّقاق وهو “حارة بلاطة”.
ويشار الى الأهمية الأثرية والتاريخية لموقع الزقاق وما كان يحيط به من أبنية أثرية في ذلك الزمان،
ففي غرب “زقاق المحكمة” وشمال تربة “أم الصّالح” كانت “المدرسة الجوهرية( 380 هجري) وتنسب إلى الصدر نجم الدين بن محمد بن عباس التميمي الجوهري، وقد ارتأى المسؤولون عن “دمشق” في سنة ١٣٧٤ هجري أن يهدموا المنطقة فهدمت الجوهرية، وقامت دائرة الآثار بحفظ الرخامة المدّون عليها تاريخ الوقف في المتحف، وأقيمت العمارات التّجاريّة على حطام المدرسة،
أما “المدرسة الريحانية” القريبة من “المدرسة الجوهرية” والمبنية عام 575 هجرية، كانت إلى الغرب من “المدرسة النورية” وعلى يسار الدّاخل من “زقاق المحكمة” باتجاه “المدرسة الجوهرية”، وعند هدم المدرسة والمنطقة كلها سنة ١٣٧٥هجرية، قامت مديرية الآثار بحفظ اللوحة الرّخامية لديها كما فعلت في الجوهرية من قبل”.

كما يلفت إلى “المدرسة الشّبلية الجوانية” (620هجرية)، والواقعة على رأس “زقاق المحكمة” والمتقدم بنيانها مقابل “الأكزية الشافعية” (587 هجرية)، والتي ضاع أثرها بعد هدم كامل المنطقة،

زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي الآثار الرومية المكتشفة
زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي الآثار الرومية المكتشفة
وفي بيت بُدير الدين وتقي الدين بعض بقايا “المدرسة الشامية” الجوانية الواقعة إلى الجنوب من “بيمارستان النوري” في المدخل الغربي لـ”زقاق المحكمة”، مع بعض الآثار الهامة لتلك المنطقة،
و في الزاوية الشمالية الغربية لـ”زقاق المحكمة” وعلى يسار الداخل وغرب مدرسة “أم الصالح” كانت تقع “المدرسة الظبيانية” ( 751هجري) التي زالت بعد ما تعرضت له من قنابل المستعمر الفرنسي ومعاول نفر من الناس،
أما في المدخل الشرقي لـ”زقاق المحكمة”، جنوب “المدرسة النورية” وشرق تربة “روحة تنكز” هناك “المدرسة الشومانية” أو “الطيبة” (660 هجري) وقد تحولت اليوم إلى محلات تجارية.
يقع العقار ٥٩٦ داخل سور دمشق في زقاق المحكمة والشاغور الجوّاني. يحدّه جنوباً سوق مدحت باشا وشرقاً سوق الخيّاطين (الخارطة الملحقة).

الآثار الرومية المكتشفة

اكتشفت بقايا جدران وعناصر عماريّة في زاوية الموقع الشماليّة الغربيّة خلال عمليّة ترحيل أنقاض عام ٢٠٠٥ تمثّلت ببوّابة ثلاثيّة لها فتحة كبيرة في الوسط وفتحتان جانبيّتان أصغر عرضاً.
الخطوة التالية كانت عندما شكّلت المديريّة العامّة للآثار والمتاحف فريقاً للتنقيب في المنطقة
حيث أجرت البعثة عام ٢٠٠٦ عدّة أسبار في الموقع تبيّن بنتيجتها أنّ المنشآت المكتشفة مبنيّة بحجارة كبيرة كلاسيكيّة (أي يونانيّة-رومانيّة) أعيد استعمالها في المكان قيد الدراسة في العهود الإسلاميّة.
واجه فريق العمل صعوبات ناجمة عن تداخل العناصر العماريّة بعضها مع البعض الآخر وغياب تسلسل طبقي واضح المعالم وانتهى المنقبون إلى طرح فرضيّة مفادها أنّ الأحجار نقلت من المسرح الروماني المجاور (بيت العقّاد وبيت حورانيّة حاليّاً) وأنّ جزأً أو أجزاءً من البوّابة قد تعود للعهد النوري.
عثر على كسر فخّاريّة متنوّعة خلال الحفريّات بعضها أيّوبي والبعض الآخر عثماني وجلّها مملوكي كما عثر على كسر من الفخّار المستورد من الصين والمصنوع بين القرن الحادي عشر إلى الرابع عشر للميلاد.
إذاً المنشآت إسلاميّة استعملت فيها مواد بناء تعود للعهد الكلاسيكي الرومي اصلاً وبنيت مكان العمائر التي تعود للعصر الرومي وكان سكانها الدمشقيون المسيحيون أمّا عن مآل المكتشفات الحجريّة فلم يتعرّض له المؤلّفان ولا علم لنا به.

نقد ذهبيّ رومي في زقاق المحكمة‎

نقش الملك الرومي وبيده الصليب على قطعة نقد رومية من المكتشفات في زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي
نقش الملك الرومي وبيده الصليب على قطعة نقد رومية من المكتشفات في زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي
عثر الفريق الذي أوكلته المديريّة العامّة للآثار والمتاحف بالتنقيب في زقاق المحكمة عام ٢٠٠٦ على قطعة نقديّة ذهبيّة من العهد الرومي في حالة جيّدة جدّاً
وصفها من الناحيتين الفنّيّة والتاريخيّة كما يلي
الوزن حوالي أربع غرامات ونصف الغرام والسماكة أقلّ من معشار المتر أمّا عن القطر فبلغ ٢٨ من معاشير المتر.
عيار الذهب مرتفع وقريب من الصافي بدلالة غياب علامات الأكسدة التي تشير عادة لوجود شوائب.

عرف هذا النوع من النقد باسم solidus وأيضاً bezant نسبة للقسطنطينية وقلّده العرب في العهد الإسلامي لاحقاً عندما اعتمدوا الدينار الذهبي (تحريفاً للكلمة اللاتينيّة الأصليّة denarius وهي نقد روماني فضّي).

زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي الآثار الرومية المكتشفة
زقاق المحكمة بجذره الرومي المسيحي الدمشقي الآثار الرومية المكتشفة
بالنسبة للقطعة قيد الدراسة أمكن تأريخها (القرن التاسع للميلاد) استناداً إلى الكتابة وأسلوب النقش وتحديد مصدرها (القسطنطينيّة حيث ضربت).
يبدو رأس الإمبراطور الملتحي على أحد وجهيّ القطعة ونرى شعره منساباً في جديلتين والصليب على كتفه الأيمن. يؤطّر نقش كتابيّ يونانيّ النصف العلوي للدائرة ويذكر هذا النقش اسم باصيل الأوّل Basil I (ملك من ٨٦٧ إلى ٨٨٦ للميلاد وهو مؤسّس السلالة المقدونيّة لأباطرة روما الشرقية أو الرومية التي دامت حتّى ١٤٥٣ حتى استشهاد القسطنطينية بيد الغزاة الاتراك العثمانيين والقضاء على الامبراطورية الرومية ( الرومانية الشرقية بعاصمتها القسطنطينية).
الوجه الثاني يحمل صورة السيد المسيح وحول رأسه هالة تمثّل الشمس والقمر ويحيط بالقسم العلوي من الدائرة نقش كتابيّ باليونانية يذكر اسم الرب يسوع المسيح.

دمشق الشام هي الحاضرة دوما في كل مراحل التاريخ وعبقه والامه…

 

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *