تابع الهرطقات…ج3 النسطورية
تابع الهرطقات…ج3
– النسطورية
مذهب هرطوقي يقول بأن يسوع مكون من شخصين إلهي هو الكلمة، وإنساني أو بشري هو يسوع.
فبحسب النسطورية لا يوجد إتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص يسوع المسيح. بل مجرد صلة بين الإنسان والألوهة، وبالتالي لا يجوز إطلاق اسم “والدة الاله” على “السيدة العذراء” كما تعتقد وتفعل الكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية.
فمريم لم تلد إلهاً، بل إنساناً فقط /وفق النسطورية/ حلّت عليه كلمةُ الله اثناء العماد، وفارقته عند الصلب!!!
فتكون النسطورية مذهباً مخالفاً، للمسيحية التقليدية، القائلة، بوجود اقنوم الكلمة المتجسد الواحد ذي الطبيعتين الإلهية والبشرية.

المؤسس
بطريرك القسطنطينية نسطوريوس 428-431م، الذي قال بوجود طبيعتين منفصلتين للسيد المسيح، انطلاقاً من تعاليم مدرسة أنطاكية اللاهوتية التي ينتمي إليها، وفحواها أن الطبيعتين الإلهية والبشرية لم تتحّدا إتحاداً كاملاً في المسيح.
وتطور هذا المذهب- البدعة الهرطوقية- إلى القول أن للمسيح طبيعة بشرية مكتملةْ، وأن أُلوهيته لا تنسحب على أمِهْ، ومن هنا لا يجوز تسميتها “والدة الإله” بل “والدة المسيح” !!!، لأنها لم تلد إلهاً بل إنساناً وهو الذي تألمَ وماتَ على الصليب.
تصدى لهذه البدعة بطريرك الإسكندرية كيرّلس، وقاد حملة شعواء ضد نسطوريوس، تكللت بقرار المجمع المسكوني الثالث في أفسس عام 431م التي سَّفهَّت آراءه، وحكَمت عليه بالنفي، حيث ماتَ منفياً في صحراء مصر عام 451م.
للنساطرة “كنيسة بابل للنساطرة”، وقد غيروا تسميتها إلى “كنيسة المشرق”. ولها بطريركية في بابل بالعراق، وأخرى حديثة في شيكاغو في الولايات المتحدة الاميركية، ضمت المهاجرين الآشوريين العراقييّن بعد نكبة 1934 في العراق، ولجوء بعضُهم إلى سورية، والبقية إلى لبنان والتيه العالمي. ولكن انشّقَ منهم ماسُمّي ب”الكنيسة الكلدانية” التي عادت بانتمائها الكاثوليكي إلى المذهب الخلقيدوني بخضوعها للكرسي البابوي الكاثوليكي، والأرثوذكسية والكاثوليكية، شريكان في العقيدة الخلقيدونية.
– هرطقة مضادي الثالوث
عندما ظهرتْ النزعة العلمية في الثقافة الكنسية، نظرت الكنيسة إليها بارتياح، لقد انتشرت العلاقة العقلية بتعليم الإيمان، وبنتائجٍ حسنة للكنيسة الكائنة في شرق الامبراطورية الرومانية، والمؤلفة من شعوب ورثت الثقافة اليونانية، وبمؤازرة العقل ظهر تعليم الإيمان بطريقة علمية، وامتد وتفسر أكثر بدقة وبتجديد في إدراك المؤمنين وحفظه سالماً من الإختلاط بالخرافات والأوهام التي لا مفر منها عند فقدان إدراك الإيمان.
– إن التعليم عن الله الواحد الذي كان العقيدة الرئيسة في الديانة اليهودية، صار عقيدة رئيسة في المسيحية، وحيث أنها هي الديّانة الأكمل فقد أُوضِحَتْ هذه العقيدةْ بطريقة أدّق مما في اليهودية.
فالمسيحية تعّلم “عقيدة الثالوث الأقدس”، فالله واحد في ثلاثة أقانيم. ومنذ البدء تمسّكت الكنيسة بهذا التعليم، لأنه مُوحى به من الله، لكن وُجِدَ أناسٌ رأوا إن الإيمان البسيط في تعليم الوحي عن الثالوث الأقدسْ غير كافٍ، وبعضُ المسيحّيين الذين حصلوا على ثقافة عليا، واعتادوا على حل كل المسائل، وظواهر الحياة بحسب مبادىء العقل، والعلم، بوضوح وسهولة، قرروا أن يطرحوا “عقيدةَ الثالوث الأقدس” بتفسير عقلي خافضين تعليم الوحي إلى درجة موضوع عادي واضعين السؤال التالي وهو

– كيف يمكن أن يكون الله الواحد في ثلاثة اشخاص، فوجدوا أن القول بالوحدة والتثليث في الله في وقت واحد، مناقض لذاته ولايقبل به العقل، لذلك بلغوا إلى القول بالوحدة فقط في الله ورفضوا التثليث فيه.
اعتبرت الكنيسة الجامعة المتمسكين بهذا التعليم المغلوط عن الثاوث الأقدس هراطقة واسمتهم “مضادي الثالوث”.
يقسمون إلى شعبتين بموجب اختلافِ نظرياتهم عن الأقانيم في الله أو عن قواته، او عن أشكال ظهوراته فينقسمون إلى دينامستيين، وموداليستيين.
– تعليم الديناميستيين
الله بالمعنى الصارم كائن واحد، ليس فيه وجوه (أقانيم)، أما بشأن الأقنوم الثاني إبن الله والثالث الروح القدس، فهذان ليسا اقنوميَّن إلهيين، لهما كيان شخصي منفصل بل قوات إلهية، قوات الله وحده. وهكذا فالأقنوم الثاني هو قوة إلهية وسيطة بين الله والعالم، او آلات يظهر الله ذاته بواسطتها للعالم.
هذه قوة موجودة في الله منذ البدء، ظهرت على الأرض بشخص يسوع المسيح، منذ ولادته الخارقة الطبيعة من العذراء مريم، بحلول الروح القدس، وفعلت فيه حتى نهاية حياته. الروح القدس هو قوة إلهية لها أفعال خاصة – التقديس – النعم…الخ
ومضادي الثالوث الديناميين يذكروننا بالايبونيين بتعليمهم عن الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس.
ومضادي الثالوث “مودالستيين” يقولون ان الله كائن واحد، ورأوا في أقانيم الثالوث أشكالاً وصوراً يظهر فيها للعالم كائن واحد، وهكذا ظهر الله في العهد القديم بشكل (كشف ذاته) أو صورة الله الآب، وفي العهد الجديد لأجل فداء الجنس البشري، ظهر بشكل أو بهيئة الإبن بشخص يسوع المسيح، تألم ومات. ولهذا دُعيَّ هذا النوع من الهراطقة “القائلين بتألم الآب”. وأخيراً يظهر الله بمظهر الروح القدس في التقديس، بالنعمة، واعادة ميلاد الناس. وهكذا فإن هذا النوع من مضادي الثالوث رفض الكيان الشخصي لأقانيم الثالوث الأقدس، وتعليمهم عن التجسد يذكرنا بتعليم الغنوصيّين.
في صف مضادي الثالوث يشغل بولس السميساطي مكاناً أكثر ظهوراً (من سميساط المدينة السورية)، وشغل في النصف الثاني من القرن الثالث المسيحي كرسي أسقفية انطاكية.
أدخَلَ في تعليمه التوحيد اليهودي الصرف، وعلّم ان يسوع ليس إلهاً بالمعنى الصحيح، سكنتْ فيه منذُ الولادة، “الحكمة الالهية”، أو “العقل الإلهي” بدرجة عالية أكثر مما في أنبياء العهد القديم، ويمكن أن يُدعى ابن الله بالمعنى الأدبي.
وقد لَحَظَ هرطقَته جميعُ أساقفة المناطق المحيطة بأنطاكية، وجمعوا عدّة مجامع لدرس قضيته، لكنه استطاع أن يخفي تعليمه الحقيقي…
وفي المجمع الأخير فقط السنة 269م استطاع الكاهن ملخيون بواسطة محاورة علنية جدلية، أن يثبت هرطقة بولس، بعد ذلك حُكم عليه وقُطعَ من درجته الأسقفية.
لكن زنوبيا حمته وبقيَ على السدة الأنطاكية حتى السنة 274م، عندما تغلب أورليان على زنوبيا فطَرَدَ بولسَ من أنطاكية…
نلاحظ ان “عقيدة مضادي الثالوث” كهرطقة، لم يكن لها بالإجمال تأثيرٌ مضّر على مجرى الحياة الكنسية.


