احمد باشا العابد

أحمد عزت باشا العابد

أحمد عزت باشا العابد

من تاريخ الصحافة العربية

الكاتب الثاني للسلطان عبد الحميد ومنشئ جريدة «دمشق»، وأحد المحررين في جريدة «سورية» الرسمية سابقًا.

***

نشأته

هو ابن محيي الدين أبي الهول (المشهور باسم هولو باشا) ابن عمر آغا ابن عبد القادر آغا ابن محمد آغا ابن الأمير قانص العابد من أمراء المشارفة، ينتمي إلى عشيرة عربية تُعرف بقبيلة «الموالي» وتسكن الخيام في بادية الشام بين الزور وتدمر، وهي تنتسب إلى قبيلة «بكر بن وائل» الحجازية القرشية كما ذكر الشيخ أبو الهدى الصيادي في كتابه المسمى «الروض البسام في أشهر البطون القرشية في الشام».

وُلد أحمد عزت باشا سنة ١٨٧٢ هجرية/١٨٥٥ ميلادية في دمشق وقرأ مبادئ العلوم في حداثته على أشهر جهابذة ذلك العصر كالشيخ عبد الرحمن الإسنوي، والشيخ أحمد الشطي، والشيخ أحمد عابدين؛ فأخذ عنهم الصرف والنحو والفقه الحنفي وأصول الحديث وقسمًا من الرياضيات، وتعلم مبادئ اللغات التركية والفرنسية والإنكليزية في مدرسة الآباء اللعازريين وعلى أساتذةٍ مخصوصين في بيت أبيه، ثم انتقل إلى المدرسة البطريركية في بيروت فأتقن بها اللغة الفرنسية وأخذ العلوم العربية العالية على الشيخ ناصيف اليازجي كالمنطق والبديع والمعاني والبيان.

وكان والده هولو باشا من المتقدمين في وظائف الحكومة العثمانية لذلك العهد، فإنه أحرز رتبة «بيلر بك» وتوصل إلى أن يكون متصرفًا على بعض الألوية مع أنه عربي الأصل، فسعى لبكر أنجاله صاحب الترجمة في وظيفة بمركز ولاية سوريا لما كان يتوسمه فيه من الذكاء والاستعداد لأرفع المناصب. وما كاد أحمد عزت يزايل المدرسة حتى تعيَّن كويتبًا في قلم المخابرات التركية، حيث أخذ يترقى رويدًا رويدًا حتى صار في سنة ١٨٧٣ رئيسًا لذلك القلم ولقلم المخابرات العربية أيضًا، وقد عهدت إليه الحكومة وقتئذٍ تحرير القسمَين العربي والتركي في جريدة «سورية» الرسمية لبراعته في فنون الإنشاء، فنزعت به نفسه إلى خدمة المعارف بطريق الصحافة، وأصدر باسمه عام ١٨٧٨ جريدة «دمشق» التي دافع بها عن الدولة والوطن، وقد نشر على صفحاتها فصولًا كثيرة أشار فيها إلى مآثر العرب ومفاخرهم وعلومهم وفضائلهم لا يبغي من ذلك كله ربحًا ماديًّا، ولبث على ذلك أعوامًا شتى حتى تكاثرت أشغاله وتعين لبعض الوظائف خارجًا عن مدينة دمشق فترك الجريدة.

وفي سنة ١٨٧٦ تعين كاتبًا لمجلس إدارة ولاية سوريا، وبعد ثلاثة أعوام من التاريخ المذكور صار رئيسًا لمحكمة الحقوق ثم مسيطرًا عامًّا على جميع المحاكم في ولايتي سوريا وبيروت ولواء القدس. ومما يثبت اقتداره في ضبط المحاكم ومعرفة القوانين أن رستم باشا وواصا باشا كانا يعتمدان عليه ويستدعيانه لإصلاح شئون محاكم جبل لبنان؛ فذاعت شهرته في البلاد وقام لفيف من العلماء والأشراف والتجار والشعراء فقدموا له مجموعة تتضمن ما خطَّه كلٌّ منهم نظمًا ونثرًا من آيات الثناء عليه، وجعلوا ضفتي المجموعة من الذهب الإبريز ونقشوا اسمه على ظاهرها مرصعًا بالحجارة الكريمة. وفي سنة ١٨٨٤ تعين لمثل وظيفته في ولاية قونية فاعتذر عن قبولها وحينئذٍ أرسلته الحكومة مفتشًا عامًّا لمحاكم ولاية سلانيك.

وبعد سنة صار رئيسًا لمحكمة الجزاء البدائية في العاصمة ثم رئيسًا لمحكمتها الاستئنافية، غير أنه لم يمضِ شهران على ذلك حتى أقيم رئيسًا عامًّا على محاكم التجارة الأهلية والمختلطة مدة ستة أعوام، وفي خلال ذلك أظهر اقتدارًا في كثير من معضلات الدعاوى مع الأجانب بكشف الباطل ونصب ميزان العدالة. وفي سنة ١٨٩١ صار عضوًا لدائرة التنظيمات في مجلس شورى الدولة، وفي عام ١٨٩٥ انتدبه السلطان عبد الحميد الثاني فجعله كاتبًا وقرينًا له، ثم عهد إليه عضويات جميع اللجان المالية وسماه رئيسًا على لجنة المهاجرين إلى الدولة العثمانية؛ فكان أحمد عزت مشمولًا بعناية السلطان الخاصة وأحرز من المجد وعلو المنزلة ما لم يحرزه أحد أبناء العرب المسلمين وغيرهم قبل هذا العهد في دولة الأتراك منذ تأسيسها.

ولبث في وظيفته الأخيرة ثلاث عشرة سنة يخدم دولته وسلطانه حتى طرأ الانقلاب العثماني في ٢٣ تموز ١٩٠٨ وجرى ما جرى مما هو مشهور ومعلوم، فخرج حينئذٍ من العاصمة على سفينةٍ أجنبية مودعًا وطنه الذي أخذت تتلاعب فيه عواصف السياسة وتنتابه المصائب الجسيمة من كل جهة، فذهب إلى لندن أولًا ولم يتخذ مركزًا مخصوصًا للإقامة فيه، بل هو يتنقل من بلد إلى آخر كمصر وسويسرا وفرنسا وإنكلترا بحسب اختلاف فصول السنة؛ لأن الأطباء أشاروا عليه باعتزال الأشغال مراعاةً لأحوال صحته التي أثرت عليها العوامل السياسية.

آثاره العلمية

سبق القول إن المترجم تعلم اللغات العربية والتركية والفرنسية والإنكليزية وأحكم أصولها تكلُّمًا وكتابةً، وله أيضًا إلمام بغيرها من الألسنة القديمة والحديثة التي لم يتمكن من درسها درسًا كافيًا لانصرافه إلى خدمة الدولة بطريق السياسة، ومع ذلك فإنه نقل من اللغة التركية إلى العربية كتاب «حقوق الدول» لمؤلِّفه حسن فهمي باشا والمجلد الأول من «تاريخ جودت باشا» لاحتوائه على فلسفة التاريخ، وترجم كتاب «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» من اللسان العربي إلى التركي، وأنشأ جريدة «دمشق» المار ذكرها، وحرر جريدة «سورية» في قسميها التركي والعربي مدةً من الزمان، وشيد في المدينة المنورة مدرسة لمائتين من الأطفال وأنشأ لها أوقافًا تضمن بقاءها ونجاحها في المستقبل.

آثاره الوطنية

للمترجم أعمالٌ جديرة بالذكر في جانب الوطن والأمة العربية؛ فإنه لزم طريق الاقتصاد حتى كادت السلطنة العثمانية تستغني عن استقراض الأموال الأجنبية. ولما كان المقام يضيق دون نشر كل مساعيه النافعة نجتزئ منها بالقليل ونبسطه للقراء، فمن ذلك أن نظارة التلغراف كانت طلبت ١٣٠ ألف ليرة عثمانية لتنشئ خطًّا برقيًّا بين فزان وطرابلس الغرب، ولدى مراجعته استكثر هذا المبلغ فأخذ على عاتقه إنشاء الخط المذكور مع خطٍّ آخر يمتد من بنغازي إلى طرابلس الغرب بأقل من نصف المبلغ المشار إليه، ثم أحدث بين «كله مش» من أعمال ولاية أزمير وبين «بنغازي» في طرابلس الغرب خطًّا برقيًّا بلا سلك، فسهَّل للدولة العثمانية حرية المخابرة بينها وبين أملاكها في شمال أفريقيا ولم يكلف الخزينة أكثر من عشرة آلاف ليرة مرةً واحدة، وبهذا العمل أنقذها من استبداد شركة «أسترن» التي كانت تقبض من الدولة في كل سنة ثمانين ألف ليرة ما عدا أجور المخابرات غير الرسمية؛ فعادت هذه الأرباح لخزينة السلطنة، ثم مد خطًّا تلغرافيًّا بين دمشق والمدينة المنورة ولم يكلف الدولة أكثر من خمسة آلاف ليرة؛ لأنه تبرع بأكثر أعمدة الخط من أخشاب أحراشه الخاصة، واستعان بالبعض الآخر مما تبرع به أهل الخير في دمشق.

وفي ذلك الحين طلبت الشركة التلغرافية الهندية رخصةً بمد خطٍّ مستقل للمخابرات التلغرافية بين أوروبا والشرق الأقصى مع حق السيطرة عليه، فأبت أريحية صاحب الترجمة إجابة هذا الطلب وعهد إلى نفسه مدَّ الخط المذكور على نفقة الخزينة تخلُّصًا من سيطرةٍ أجنبية، فأنجز العمل في أقل من شهر ولم يكلف الخزينة بأكثر من ستة آلاف ليرة، مع أن نظارة التلغراف كانت قدرت احتياج عمل هذا الخط بمائة وثلاثين ألف ليرة، وعند إتمامه تمثل أوقونور سفير بريطانيا العظمى في القسطنطينية لدى السلطان عبد الحميد شاكرًا ومستغربًا قصر مدة العمل وقلة أكلافه.

ولما كانت المياه الواردة إلى المدينة المنورة تأتيها بمجرى تتخلَّله جراثيم الأوبئة القتالة أراد أن يضع حدًّا لهذا الخلل الذي طالما ذهب بأرواح الكثيرين من السكان والحجاج، فافتتح اكتتابًا حبيًّا جمع فيه نحوًا من خمسة آلاف ليرة وابتاع بها قساطلَ حديدية وآلاتٍ بخاريةً رافعة وأنابيب على الطراز الصحي، ثم بعث بها لحصر مياه الينابيع في القساطل وجرها إلى المدينة المنورة سالمة من الأقذار التي تُلقى في مجاريها ليستقيها الناس ماءً قراحًا خاليًا من تلك السموم، وما كاد يشرع بالعمل حتى اضطر أن يفارق الوطن فتوقف الشغل ولم تزل القساطل والآلات البخارية وفروعها ملقاةً في محطة حيفا وسائر محطات السكة الحجازية.

ومن مآثره الوطنية أنه تولى رئاسة لجنة المهاجرين مدة لا تتجاوز ثمانية عشر شهرًا، فأنشأ في خلالها نيفًا وأربعين قرية وأسكن فيها نحوًا من خمسين ألف مهاجر أكثرهم في ولايتي سوريا وحلب، ثم شيد من ماله الخاص في المدينة المنورة مستشفًى لخمسين مريضًا ورباطًا لخمسين عائلةً ومدرسة لمائتين من الأطفال، وجعل لهذه المباني أوقافًا مسجلة في الآستانة وفي المحكمة الشرعية بالقاهرة، وعلى ما اتصل بنا الآن أن المباني المذكورة استعملتها الحكومة لغير ما وُضعت له.

السكة الحديدية الحجازية

وكان المترجم منذ حداثة سنه يستعظم الأتعاب التي تلمُّ بالمسلمين في ذهابهم إلى الحج وإيابهم منه، وكان يستهجن الأموال الطائلة التي تبذلها السلطنة في هذا السبيل وفي نقل الجنود ومهماتها، فأخذ يتتبع ما فعلته حكومة روسيا بإنشاء السكة الحديدية لسيبريا، وبعد أن أتم أبحاثه عرض على السلطان وجوب إنشاء السكة الحديدية الحجارية بأيدي العساكر، ثم أوضح له الأخطار التي تتولد عن بقاء الحالة على ما هي عليه وما يلحق بالدولة من الأضرار السياسية والاقتصادية، وأخذ على عاتقه القيام بهذا المشروع الخطير الذي لم يقم في الدولة العثمانية مشروعٌ آخر يضاهيه أهميةً ونفعًا حتى الآن، فاستحسن السلطان رأي كاتبه وأذن له بمباشرة العمل بينا لم يكن في يده دانقٌ واحد ولا آلة ولا مورد يستند إليه، فافتتح أحمد عزت باشا لوائح الاكتتاب مقترحًا على الشعوب الإسلامية وملوكها وأمرائها وأغنيائها وعلمائها أن يشتركوا في المساعدة، فلبَّى جميعهم نداءه من مشارق الأرض ومغاربها وتبرعوا بالأموال الوافرة التي بلغ مجموعها نحوًا من ثلاثة ملايين ونصف مليون جنيه، فأنشأ بهذا المبلغ خطًّا طوله ألف وخمسمائة كيلومتر يمتد من حيفا إلى دمشق فالمدينة المنورة بمدة وجيزة لا يتصور العقل الإتيان بمثلها، وقد تحدث الاختصاصيون بذلك وقدروا صاحب الترجمة حق قدره لما أتى به من المدهش بهمته الشماء حتى أدرك البغية المنشودة. ولا ريب في أنه خدم المسلمين بهذا المشروع الجليل خدمةً عظيمة بحيث سهل لهم وسائل الاقتصاد والراحة بتقريب المسافات وتقليل النفقات وتوفير الأتعاب، وكان يؤمل أن يمد خطَّين من المدينة المنورة: أحدهما إلى مكة وجدة وصنعاء اليمن والآخر إلى البصرة، وأن تكون أكلاف إتمامهما من ريع خط الحجاز ومن الرسوم الطفيفة التي أحدثتها السلطنة لهذه الغاية، ولكن أبت الظروف إلا أن يضطر للخروج من وطنه فذهبت تلك الآمال أدراج الرياح، ولما تم خط «المدينة المنورة» أدخل إليها النور الكهربائي ولم يكن حينذاك له أثر في البلاد العثمانية، وقد عهد بإنشائه إلى ضباط الجيش البحري ولم يصرف في سبيله دانقًا واحدًا من خزينة السلطنة.

الرتب وأوسمة الشرف

أخذ صاحب الترجمة يترقى في مدارج المراتب منذ كان في السنة الخامسة عشرة من عمره، فأحرز أولًا الرتبة الرابعة في عهد راشد باشا والي سوريا الذي توسم فيه الذكاء والنجابة، ثم صارت تتوالى عليه الإنعامات مرةً بعد المرة حتى منحه السلطان عام ١٨٩٤ رتبة «بالا» مع «الوسام المجيدي الأول» عندما كان بين المتمثلين لديه للتبريك في عيد الأضحى، ثم نال «الوسام العثماني المرصع» مكافأة له على إنشاء الخطوط البرقية في طرابلس الغرب، وحاز على «الوسام المجيدي المرصع» عند إتمامه خطوط الكويت فأوروبا ودمشق فالمدينة المنورة، وأنعم عليه بوسام «الافتخار المرصع» لما أبرز من السرعة بعمار القرى لإسكان المهاجرين. وفي سنة ١٩٠٠ طلب بعض وزراء الدولة عقد قرض لأداء جانب من الديون، فاعترضهم أحمد عزت باشا واتخذ وسائل أوجد بها ما يفي تلك الديون بغير قرض، فرقَّاه السلطان إلى رتبة الوزارة تقديرًا لمساعيه في هذا العمل الجليل، ولما انتهت السكة الحديدية الحجازية إلى معان أنعم عليه بوسام «الامتياز المرصع» مع المداليتين الذهبية والفضية، وهو حائز أيضًا على جميع المداليات الافتخارية العثمانية بلا استثناء. أما سائر الوسامات التي أهدتها إليه الدول الأجنبية فعديدة وجميعها من أعلى طبقة كما هو ظاهر من رسمه، وكثير منها مرصع بالحجارة الكريمة وقد خلا رسمه من بعضها لوفرة عددها.

صفاته

هو رجل إقدام، لطيف المعاشرة، معتدل القامة، حسن الأخلاق، شديد الإكرام للضيف، محبٌّ لبني جنسه. وعندما كان في أوج مجده لدى السلطان عبد الحميد الثاني نفع كثيرًا من أبناء العرب طلاب الوظائف في الحكومة وما ردَّ أحدًا منهم خائبًا، فسعى لكل من لجأ إليه في تعيينه بوظيفة أو ترقيته إلى منصب أعلى بحسب كفاءته ولياقته؛ فاكتسب بذلك ثناء الخاص والعام وفاز بمحبة مواطنيه على اختلاف النحل والملل، وتواردت عليه مدائح الشعراء والبلغاء من داني البلاد وقاصيها. وبعد اعتزاله الحياة السياسية صار يقضي جانبًا كبيرًا من أوقاته في مطالعة الصحف ودرس أحوال الأمم والعناية بأملاكه الواسعة في سوريا ومصر. وكان للسلطان ثقة فيه يعول عليه في الأمور العظيمة؛ لأنه رأى فيه وزيرًا عالي الهمة قوي الحافظة واسع الاطلاع في أهم مناهج الحكومة قضائيًّا وسياسيًّا وماليًّا. وكنا نود بسط الكلام في سائر ما يتعلق بشئون هذا الوزير العربي الذي أحرز شهرةً في صحائف التاريخ الحديث قبل الانقلاب المشهور سنة ١٩٠٨ في السلطنة العثمانية، ولكن نترك للمستقبل الحكم له أو عليه بعد خروج هذه الدولة من المأزق الحرج الذي أوصلتها إليه السياسة الحاضرة فتقطع جهينة قول كل خطيب.

مؤسسة هنداوي

 

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *