القديس يوحنا الدمشقي

القديس يوحنا الدمشقي

القديس يوحنا الدمشقي

القديس يوحنا الدمشقي

بطل الكنيسة، وعلم من أعلام مشرقنا المسيحي عموماً وسورية الواحدة خصوصاً ودمشق بالأخص…

هو أحد آباء الكنيسة العظام في مشارق المسكونة ومغاربها… وقد وصفه المؤرخ فيليب حتي:”إنه مفخرة من مفاخر الكنيسة التي ازدهرت في ظل الخلافة الأموية وذلك لما اتصف به من النضوج والمقدرة كمنشد ولاهوتي وخطيب وكاتب بارع في فن الجدل.”

ووصفه مثلث الرحمات البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني في رده على إشادة مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع بقديسنا بقوله:”هو المناضل عن الايمان الأرثوذكسي”

ويحلو لي هنا في معرض سيرته العاطرة أنا الدمشقي المتشامخ بدمشقيتي، لأشير بسرور عن تاثير هذه المدينة الرائعة في هذا القطب الكنسي الأنطاكي المنشأ

ا

والقداسة، المسكوني الانتشار والحضور…

القديس يوحنا الدمشقي في دير القديس سابا
القديس يوحنا الدمشقي في دير القديس سابا

دمشق ذات تأثير فواح كياسمينها الشامي في حياة وشخصية وابداع قديسنا “دفاق الذهب” كنهر بردى ملهم الشعراء…

دمشق ايضاً حاضرة دائماً حية وجميلة، يضاف إلى سحرها الطبيعي كبقعة من الجنة ذكرى الأمويين، فلا يزال حكمهم (الى منتصف عهد الخليفة هشام) حلماًمستعذباً وعطراً نادراً فواحاً، مُجَّلبباً بالفن والأناقة…

ارتبط سر خلود هذه الشامة الخضراء، ببقائها وبقاء برداها يخترقها ( كمجرى ذهب لماع)…

كما ارتبط في مسيحيتنا بعبارة “طريق دمشق” أي ظهور الرب يسوع لشاول المضطهد على طريق دمشق، فقفز هذا الاسم دمشق وطريق دمشق الى عالم الروح وصار رمزاً للهداية ونوراً مسكونياً غمر الدنيا ببولس رسول الأمم ومشرع المسيحية…

وكأني بهذا الطريق وترابه أضاف الى بياض نور المشرق الوهاج شيئاً من استمرار الطريق وألقه وأبديته…

اسم دمشق لا يرتبط بمشهد فقط، هو المشهد الذي جَّنْدَّلَ فيه الروح الالهي شاول

المضطهد، والقاتل لأول شهيد في المسيح “استفانوس كبير الشمامسة”، والراغب بقتل اتباع الطريقة الدينية الجديدة في دمشق، وهم الأخطر، بقيادة إمامهم حنانيا الدمشقي، بل بتحول هائل جراء تلك المقابلة الرهيبة مع الرب يسوع الى بولس بمشهد تم السنة 34 مسيحية، فغيَّر وجه البشرية، وبه صرنا من أتباع الرب يسوع…

في عصرنا الضارب في الهمجية والدم… والعائد الى الجذور ماقبل التاريخ…

دمشق وبردى نهر الذهب
دمشق وبردى نهر الذهب

في عصرنا الحالي، عصر سيادة إله الإلحاد المعاصر، وعبادة المال، والجبانة والخيانة…

يحلو لنا ان نحكي عن الدمشقي بعدما غيبت ذكراه شعبياً احتفالات القديسة المعادة للرسل بربارة الشهيدة وقد رتبت الكنيسة عيديهما في يوم واحد في أجندتها الكنسية في كانون الثاني من كل عام…

نصب القديس بولس في كوكب في دير الرؤية
نصب القديس بولس في كوكب في دير الرؤية

ومهما حكينا عن غيره، يبقى هو المثال المحتذى به، والشاهد لمقياس القيم الحقيقي…

يوحنا الدمشق نكرمه راهباً افتقر كمعلمه السماوي، ربنا يسوع المسيح له المجد، هو رجل الغنى والمجد العالميين، وانصرف عن الدنيا تاركاً اضطراب هذه الحياة وشواشها، وجاداً في طلب هدوء، وسكون المسيح.

أخضع جسده باعراق النسك الكثيرة، وطهر مشاعره بمخافة الله، فأضحى مواطِّنَ الصحراءْ، وقاهرَ الشريرْ. وارتقى الى المعالي السماوية، مستغنياً كل الغنى، بالعمل والثاوريا (المعاينة الإلهية)، وقد جارى بأناشيده الأجواق السماوية، ووضع نظام أنغام الموسيقى ورتب ألحانها، ومقاماتها، فاستحقَ اسمَ “داود المرنم”، صاحبَ المزامير. كما نقض البدع، ودافع عن الايمان القويمْ، وسلم الكنيسة المعتقد الأرثوذكسي المستقيم الرأي، وبسط التعليم الصحيح بشأن الأيقونات المقدسة فاستحق، كلاهوتي، أن يدعى رسولاً حبيباً. ولقوة مؤلفاته فاقَ كل الحكماء الذين سبقوه. وهو كموسى ولج غيمة الروح القدس، واخترق الأسرار الالهية، ومدَّها لنا بلغة متناغمة.

لذا أضحى مُستَحقَ التعجب، لأننا به عرفنا أن نمجد الإله الكلي الصلاح.

واضع سيرته

وضع سيرته باللغة العربية، وبحسب مقدمتها

الراهب الكاهن ميخائيل الأنطاكي السمعاني من رهبان دير القديس سمعان العمودي، وقد كتبها في السنة 6594 (لآدم او لخلق العالم)، الموافق لسنة 1085مسيحية…

اما سيرته باللغة اليونانية فعلى الأرجح، وبعد جدالٍ وآراءٍ عديدة من المؤرخين المعاصرين والحاليين، والناقدين الحاليين، وكتَّاب التأريخ، اتفقنا معهم برأينا المتواضع، التوصل الى انه كان البطريرك الأنطاكي يوحنا السابع المعاصر لحملات الفرنج (1088-1106)

في اصله

لا نعرف بالتأكيد أصل عائلة القديس يوحنا الدمشقي. بعض المصادر يقول انه رومي، والبعض الآخر يقول انه سرياني، فيما تُبرز أهم الدراسات أنه عربي من بني تغلب على الأرجح…ولكنه خلقيدوني ارثوذكسي المعتقد… بدليل نتاجه الرفيع في العقيدة الخلقيدونية، وقبل اي شيء ترهبه في دير القديس سابا الأرثوذكسي، الحافظ للإيمان الأرثوذكسي وقتئذ…

معبد جوبيتر قبل تحويله الى كاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان 378
معبد جوبيتر قبل تحويله الى كاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان 378

دُعي في الأساس على اسم جده منصور، واسم والده سرجون بن منصور، عائلته، كما قلنا على الأرجح، من قبيلة اياد من بني تغلب، حيث انتشر اسم يوحنا فيها، وفي بني قضاعة، وهم جالوا في بادية الشام، واستوطن منهم فريقٌ هو أصلُ القديس يوحنا الدمشقي في مدينة دمشق، لذا فان اسم “منصور” غريب عن الاسماء اليونانية، وشائع بين مسيحيي سورية…

اما اسم “سرجيوس” فكان شائعاً بين المسيحيين الناطقين بالضاد، إبان الحكم الرومي، واستخدموه، بصيغة “سرجيُس” ونادراً، “سركيس” واحياناً، بصيغة التصغير “سرجون” أو “سرجة”، وقد خصت القبائل المسيحية السورية كلها القديس سرجيوس بتقديسرفيع، وشيدت على اسمه كنائس كثيرة اشهرها كنيسة الرصافة، وأديرة عديدة على مشارف الصحراء، فكان شفيع التغلبيين، لذا يجزم معظم المؤرخين الى اعتبار اسرة القديس يوحنا الدمشقي من بني تغلب.

لقد اعتنقت قبائل عربية وسورية تعاليم اوطيخا القائل بطبيعة واحدة في السيد المسيح، إنما لايستنتج من هذا ان أفراد عائلة منصور، ولا سيما يوحنا الدمشقي، كانوا على مذهب اليعاقبة، أجل لقد كانت اليعقوبية منتشرة بين القبائل العربية،على أن بعض الفئات العربية، لابل بعض أفراد العائلة الملكية الغسانية، الحامية الرسمية لليعقوبية، كانوا على المذهب الخلقيدوني، ورغم ذلك يؤكد الكثير من اخوتنا السريان، ومنهم الأب اسحق ارملة السرياني انتساب أسرة منصور الى اليعقوبية، داعماً رأيه باستشهادات من إبن البطريق منها، أن منصوراً عندما فاوض خالد بن الوليد في امر تسليم دمشق السنة 635 م طلب اليه ان” يعطي الأمان له ولأهله ولمن معه، ولأهل دمشق، سوى الروم” ويستدل من هذا المقطع أمر واحد ان المنصور واسرته لم يكونوا بيزنطيين عرقاً وعنصراً بل مذهباً… بينما الواقع وبناء على فتح دمشق لابن عسكر ان متصور فاوض ابي عبيدة بينما القس السرياني اليعقوبي يونان او يويونس هو من فاوض خالد واتفق معه على ادخال المسلمين من نافذة بيته بجانب الباب الشرقي مقابل وعد من خالد بحماية الرعية اليعقوبية وعائلة الكاهن وعددهم وفق الاب ايوب سميا 70 فردا.

بدورنا نجزم انه لو كان الدمشقي وأسرته على مذهب اليعاقبة (الطبيعة الواحدة في المسيح) لما كان قد ذهب هو وبعض أقربائه (ابن اخيه وابن اخته) لينسك في دير القديس سابا الارثوذكسي الرومي  القريب من القدس معقل الخلقيدونية الأرثوذكسية كما أسلفنا.

عائلة القديس يوحنا في دمشق

استوطنت عائلته دمشق قبل القرن السادس المسيحي، وكانت على رفعة في المقام والمنصب. كانت عائلة منصور من الوجاهة وبيتها كبير من القصور الدمشقية الواقع في منطقة باب الفراديس شمال دمشق يعني باب الجنان لجمال الموقع وهو حصين بالمانع المائي فرع نهر بردى الذي كانت مياهه هادرة… وثمة رواية ثانية غير مدعمة تقول ان بيت العائلة كان في جنوب دمشق بمنطقة مانسميه اليوم شارع اليهود او شارع الامين ويحددون الموقع في مقر مدرسة الاليانس اليهودية حالياً.

شغل جده منصور مركز مدير المالية العام وتبؤا حاكمية دمشق في عهد الأمبراطور الرومي موريس (582-602م) وحتى عهد هرقل (610-641 م) وهو اي سرجون  الذي فاوض العرب على تسليم دمشق صلحاً حقناً لدماء الدمشقيين، بعدما هجرت الحامية العسكرية الرومية مواقعها  بدمشق وتركت الدمشقيين لمصيرهم.

المسلمون ودمشق

حصار دمشق من قبل العرب المسلمين 634
حصار دمشق من قبل العرب المسلمين 634

حاصرت الجيوش الإسلامية دمشق ستة أشهر غير متواصلة، أوقفته من حين إلى آخر المناوشات، وهجمات المدافعين عن المدينة، فقد كان العرب قليلي الخبرة بفن الحصار، وكانت المدينة شديدة التحصين ووافرة المؤن والمدافعين، بينما اضطر المهاجمون باستمرار الى سحب فصائل من جيشهم، وارسالها لجلب المؤن والعلف. كما كان عليهم أن يصدوا من حين الى آخر الهجمات الخارجية.لذا صمدت المدينة طويلاً بنجاح. واضطر المسلمون على ما يبدو الى الاستنجاد بعمرو بن العاص ليأتي من فلسطين ويؤازرهم.

فاوض منصور جد القديس يوحنا أبا عبيده بن الجراح على تسليم دمشق صلحاً حقناً لدماء الدمشقيين مقابل دفع الجزية، وكان ابو عبيدة يرابط مع عساكره عند الباب الغربي (باب الجابية)، بينما كان خالد بن الوليد يرابط مع عسكره عند الباب الشرقي، وكان يرابط عند كل باب من ابواب سور دمشق السبعة، واحد من الصحابة او القادة العسكريين.

وقد تحدث الواقدي عن فتح دمشق صلحاً بيد ابي عبيدة بتفاوض مع منصور على غيرعلم من توماس حاكم المدينة وصهر هرقل الأمبراطور، وخيانة ارتكبها كاهن الطائفة اليعقوبية ويدعى يونان او يونس او يوشي بن مرقس، وكان بيته ملاصقاً لباب الشرقي في حرم كنيسة القديس سرجيوس اليعقوبية (هي الآن كنيسة مارسركيس للأرمن الأرثوذكس)، هذا لما شعر ان المسلمين لابد من ان يقتحموا المدينة، بادر الى توسيع النافذة في بيته في سور دمشق، وجاء الى معسكر خالد وفاوضه على فتح الباب الشرقي ليلاً مقابل وعد من خالد بأن لايصاب احد من عائلته وطائفته بأذى، وهو ماتم فعلاً، وقد فعل ذلك للبغضاء الشديدة التي كان يكنها اليعاقبة للروم عقيدة وجنساً…

وكان ذلك بان تم ادخال شراذم من عسكر خالد من نافذة بيت الخوري يونس قبيل موعد تبديل الحراس على الأبواب عند منتصف الليل، حيث تم اغتيال الحرس وفتح الباب من رجال خالد…

الباب الشرقي
الباب الشرقي

وتدفقت قوات خالد حرباً من الباب الشرقي واعملت السيف في رقاب اهلها كون الجيش الرومي كان قد اخلاها عند بدء حصار المسلمين لها وبقيت شرذمة مع مايمكن ان نسميهم قوات دفاع محلي لتتولى الدفاع عن المدينة ويروي المؤرخون وخاصة الكنسيون ان عدد شهداء دمشق ليلتئذ حين الاقتحام والاجتياح 40 الف شهيد مدني من رجال ونساء واطفال حاولوا الفرار فوقعوا شهداء بحد السيف، عدا عن سبي النساء، وتقدم المقاتلون المسلمون في الشارع المستقيم بقيادة خالد،، كما وبالمصادفة، دخلت في الوقت عينه قوات ابي عبيدة من باب الجابية صلحاً في منتصف الليل، والتقى جناحا جيش المسلمين بجانب كنيسة مريم في الشارع المستقيم (الكاتدرائية المريمية حالياً) وهو مبرر وجود المئذنة (تسمى اليوم المئذنة البيضاء) بجانب دار البطريركية وهي تابعة لمسجد  صغير اقامه المسلمون في نقطة التقاء جناحي جيش المسلمين عند بيت دمشقي حوله خالد الى مسجد شكراً لل على ماتم من نصره. وقد عدت كنيسة مريم ودارها من املاك الدولة لوقوعها على الخط الفاصل بين دخول جناحي جيش المسلمين صلحاً وحرباً…

وقد ازيل هذا الجامع عندما قامت محافظة دمشق بتوسيع الساحة في عام 1943 واخرجت قوس النصر من تحت الأرض واقامته في مكانه الحالي. وبقيت المئذنة بمفردها.

وبموجب شريعة الفتح فقد تحولت كنائس القسم الشرقي (المفتوح حرباً) الى مساجد، بينما بقيت كنائس القسم الغربي من دمشق (المفتوح صلحاً) كنائس، من أهمها كانت كاتدرائية دمشق، او كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان الى ان اغتصبها الوليد بن عبد الملك عام 705مسيحية، وحولها الى جامع بني امية الكبير، ولكنه قد أعاد كنيسة مريم الى الأرثوذكسيين بعد ان بقيت مغلقة منذ الفتح السنة 635 الى 705 م بقوله: “اننا نعوض النصارى بكنيسة مريم بدلاً من كنيسة يحي” بعد ان اشتكى اليه المسيحيون من انه لم يبق لديهم في دمشق بقسميها سوى كنيسة القديس يوحنا المعمدان من اصل 35 كنيسة كانت موجودة قبل دخول المسلمين.

مع الاشارة انه لم يعوض عن كاتدرائية دمشق بأرض مع السماح ببنائها كنيسة، بينما هو في الواقع، أعاد كنيسة اغلقها اسلافه.

أما والد يوحنا، سرجون، فولاه معاوية بن ابي سفيان والي دمشق ديوان المالية في ولاية سورية اولاً، ثم في سائر ارجاء الأمبراطورية الأموية عندما اصبح الخليفة الأموي الأول…، وقد استمر في وظيفته هذه الى خلافة عبد الملك بن مروان (685-705 م)، اي مايزيد على الثلاثين عاماً كان خلالها زعيم المسيحيين في دمشق.

كنيسة مريم
كنيسة مريم

ومعاوية بدوره ونظراً لمبادرته في تسليم دمشق صلحاً، وهي تلك التي اتاحت للمسلمين فتح اهم مدن سورية لاحقاً، فثبته في المنصب الذي شغله في عهد الروم، ولربما منحه لقب “مولى حليف” وقد حمل احفاده هذا اللقب من بعده وتعريب هذا اللقب وفق ثيوفانس:”إن ولاء سرجون بن منصور للسفيانيين جعله مقرباً منهم، ومتمتعاً بامتيازات ومقيداً بواجبات الحليف والموالي والصديق” وهي لم تنصرف إطلاقاً الى عبوديته حيث لم يكن عبد، او مملوك محرر، فسرجون لم يكن عبداً ليحرر.

المئذنة العمرية بجانب كنيسة مريم
المئذنة العمرية بجانب كنيسة مريم

ومن الجدير ذكره انه كان في عهدي الخلافة الأموية والعباسية بعدها ديوانان أو وزارتان “ديوان المالية وديوان الجند”. وهذا يعني أرفع مكانة كان يشغلها هذا الوجيه الدمشقي المسيحي وعائلته…وزيرمالية مسيحي لدولة اسلامية مترامية الأطراف من حدود الصين في أقصى الشرق الى وسط فرنسا عند عتبات جبال البيرينية.

ولهذا نجد انه في كل العهود الاسلامية وحتى وقتنا الحاضر، كان يتولى منصب وزارة المالية مسيحي… وكان هذا نهجاً تم العمل فيه في سورية

الى ذلك يبدو أن اثنين من عائلة منصور شغلا الكرسي الأورشليمي في القرن التاسع للميلاد بشهادة المؤرخ سعيد بن البطريق (877-941 م).

نشأته وصباه

كان مولد يوحنا في مدينة دمشق مابين العامين (655 و660 م).

دُعي منذ القرن التاسع “دفاق الذهب” أو “مجرى الذهب”- وهو اسم نهر بردى في الأساس- بسبب النعمة المتالقة في كلامه وحياته.

تتلمذ هو وأخ له بالتبني، اسمه قزما الأورشليمي، لراهب صقلي اسمه “قزما” ايضاً كان واسع الاطلاع، محيطاً بعلوم عصره. كان قد أسره قراصنة وجاؤا به الى دمشق لبيعه في سوق النخاسة، اشتراه سرجون والد يوحنا منهم، وضمه الى بيته معلماً لولده يوحنا وشقيقه بالتبني وهو”قزما الأورشليمي”.

تعلما منه الايمان الأرثوذكسي، والفلسفة اليونانية، وقد ملك يوحنا الفلسفة اليونانية فطوعها فيما بعد لإيضاح العقيدة والايمان الأرثوذكسي.

صورة دمشق من سفح جبل قاسيون 1862
صورة دمشق من سفح جبل قاسيون 1862

عاش يوحنا في بيت والده عيشة الدمشقيين الأثرياء والوجهاء السهلة، وكان من رواد البلاط الأموي بالنظر الى مكانة والده عند الخلفاء. وقد ربطته بالخليفة يزيد بن معاوية صداقة حميمة، وكانت ام ميسون زوجة معاوية وهي مسيحية من بني تغلب من زعماء قبيلة كلب… قضى يزيد صباه بين اخواله وفي صحبة اتراب مسيحيين كالأخطل الشاعر المسيحي التغلبي والمنصور بن سرجون اي يوحنا الدمشقي وقد تحررعلناً من احكام الشريعة الاسلامية حتى اتهمه بعض المؤرخين المسلمين بانتحال المسيحية، وقد عهد بتثقيف ابنه الى راهب مسيحي. ويخبرنا ابن العبري انه ابقى حكاماً مسيحيين على مقاطعات كثيرة والرها خصوصاً، فقد ظلت المدينة يحكمها انستاس بن اندراوس.

كان يوحنا يتحسس الشعر ويتذوقه وخاصة في بلاط الخلفاء، والذي كان مفتوحاً على السواء للشعراء المسيحيين والمسلمين، وكان الأخطل يدخل على الخليفة معلقاً على صدره صليباً من ذهب مما حّمّله لقب “حامل الصليب” وكان به مرفوع الرأس وكان الخليفة ورجال البلاط لايرون حرجاً في ذلك بعكس الوافدين من مكة والحجاز فكانوا يستاؤون بشدة من دخوله والصليب على صدره.، وتهتز مشاعر يوحنا من هذا المشهدالمحبب الى قلبه لايمانه، وكانت تهتز مشاعره لدى احتكاكه بشعراء الصحراء. ويرى عدد من الدارسين أن بعض تآليفه تأثرت بهذا الاحتكاك لاسيما أناشيده وقوانينه. كما اكتسب من رفقته بيزيد معرفة القرآن والديانة الاسلامية.

هذا ويظهر أن يوحنا شغل منصباً إدارياً رفيعاً في زمن الأمويين، وعلى الأغلب هو وظيفة ابيه امين ديوان المال العام في الخلافة الأموية، كما يجمع معظم الدارسين لسيرته، إضافة الى ان البعض اسند اليه بالاضافة وظيفة امانة سر الخليفة او مستشاراً اولاً.

وقد اقام على خدمته هذه بأمانة فائقة وزماناً الى ان بدأت رياح التغيير السيئة بحق المسيحيين فأخذ الحكام يضيقون على المسيحيين.

ولما أصدر الخليفة عمر الثاني (717-720م) قانوناً حظر فيه على المسيحيين ان يتسلموا وظائف رفيعة في الدولة، مالم يعتنقوا الاسلام، تمسك يوحنا بايمانه المسيحي وتخلى عن مكانته، ولعل هذا هو السبب الأول في زهده في الدنيا، وانصرافه عنها الى الحياة الرهبانية في دير القديس سابا الأرثوذكسي في فلسطين بالقرب من اورشليم.

وتقول أعمال المجمع المسكوني السابع عنه عندما قرر اعلان قداسته:” لقد ترك يوحنا كل شيء على منوال الانجيلي متى ليتبع المسيح، معتبراً عار المسيح ثروة تسمو على كنوز الجزيرة العربية. وفضل أن يشارك شعب الله بالإساءة والإهانة على أن يتمتع بملاذ الخطيئة العابرة.”

دير القديس سابا الرهباني في فلسطين حيث ترهب القديس يوحنا الدمشقي
دير القديس سابا الرهباني في فلسطين حيث ترهب القديس يوحنا الدمشقي

كان يوحنا على منوال ابيه، زعيم المسيحيين الدمشقيين، يمثلهم ويدافع عن حقوقهم لدى السلطات المدنية، وقد ساءت أوضاعهم في النصف الثاني من حكم عبد الملك بن مروان، وتبدلت استعدادات الخليفة الطيبة بحق المسيحيين في دولته وفي المشرق، فأسند أقاليم الشرق الى قائدين عربيين، فتسلم الحجاج بلاد فارس، وشبه الجزيرة العربية. وتسلم محمد شقيق الخليفة بلاد مابين النهرين وآشور وأرمينيا وافغانستان …

وتميز محمد بشدة بغضه للمسيحيين، وتحمسه الشديد لاضطهادهم، فأعدم معيداً زعيم التغلبيين الذي كان من انصار معاوية، لأنه رفض اعتناق الاسلام، وأحرق للسبب عينه زعماء الأرمن في الكنيسة التي جمعهم فيها، وقتل اسقف الرها انستاس بن اندراوس.

وأبدى الحجاج غيرة شديدة على الاسلام، فمنع انتخاب الأساقفة، فبقيت كنيسة ارمينيا حتى وفاته بدون اسقف راعٍ اي مدة ثماني عشرة سنة، وتحمل مسيحيو مصر مضايقات شديدة.

وأمر الخليفة بتحطيم الصلبان في داخل الكنائس وفي خارجها ومحيطها… ويُعزى هذا التحول الكارثي على المسيحييين بسبب ازدياد العداء بين المسلمين والبيزنطيين في عهد يوستنيانوس الثاني…

أما الخليفة الوليد فكان جباراً متسلطاً متصلباً، واستبدل نهائياً اللغة اليونانية في سورية بالعربية، بعدما كان والده قد الغاها في دوائر الدولة وكانت تكتب باليونانية في بلاد الشام وبالقبطية في مصر…

وأنشأ نظاماً رسمياً كله مضايقات للمسيحيين، وانتزع منهم كنائسهم وخاصة منها التي كانت بقيت بيدهم في دمشق بقسمها الغربي المفتوح صلحاً وقد انتزع كنيسة القديس يوحنا اي كاتدرائية اسقف دمشق واربع كنائس غيرها ولم يبق الا 15 كنيسة وقتًها، مالبثت ان انتزعت تدريجياً… وكان عدد كنائس دمشق وحدها بين 35 الى 38 كنيسة في دمشق، عدا عن 18 ديراً في محيط دمشق وغوطتها وعلى سفوح جبل قاسيون…عدا كنائس القرى التي صودرت مباشرة حين الفتح…

وعندما فكر الخليفة عمرو بن عبد العزيز بارجاع كنائس صودرت، لمخالفة هذا الأمر للشريعة النبوية، وكان من هذه الكنائس كنيسة يحي او يوحنا وغيرها، إضافة الى كنائس الغوطة بموجب صك الأمان الممنوح للمسيحيين وكنائسهم واديريتهم وبيَعهم… رفض المسلمون ذلك لأنه كان قد أُذن فيها لله!!! فلا يجوز ان تعاد بعدها ثانية للمسيحيين كنائسْ!!!

اليد المقطوعة

القديس يوحنا الدمشقي يشكر العذراء عن قطع يده دفاعا عنها
القديس يوحنا الدمشقي يشكر العذراء عن قطع يده دفاعا عنها

هذا ويحكى انه لما اندلعت حرب الصور الكنسية في الأمبراطورية الرومية، واتخذت الدولة منها بشخص الأمبراطور لاون الإيصوري (717-741م) موقفاً معادياً، وباشرت حملة واسعة لتحطيمها وإزالة معالمها، واشاعة موقف لاهوتي رافض لها. وقد سعى الأمبراطور جهده لحمل الأساقفة بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، على الاذعان لرغبته. وكانت النتيجة أن خفتت أكثر الأصوات المعارضة المتمسكة بالأيقونات خوفاً. يومذاك هب الدمشقي وكان حسبما نقل مترجمه ميخائيل السوري السمعاني، مايزال بعد في العالم الدنيوي، مدافعاً عن الأيقونات وإكرامها.

فكتب وبعث برسائل عديدة في كل اتجاه، حتى قيل أنه اشترك في أعمال المجمع الأورشليمي المنعقد لهذه الغاية، وحض على المجاهرة بهرطقة الأمبراطور وقطعه.

ولما كانت سورية الكبرى او بلاد الشام وفيها فلسطين، او خارج الفلك البيزنطي فقد حاول الأمبراطور لاون أن يخنق صوت الدمشقي عن بعد، وبالحيلة. لهذا استدعى أمهر الخطاطين لديه وطلب منهم أن ينسخوا له رسالة مزيفة كتبها زوراً كما من قديسنا اليه، وان يجعلوا الخط في الرسالة مطابق، قدر الامكان، لخط الدمشقي.

مضمون الرسالة كان الاستعانة بالأمبراطور على الخليفةونجدة مسيحيي بلاد الشام لاسيما وفيها قلة من الجيش الاسلامي المدافع عنها…

وارفق لاون الرسالة المزورة باخرى شخصية منه للخليفة عبَّرَّ فيها عما اسماه “صفاء المحبة بينهما وشرف قدر منزلته عنده”. واردف بالقول:” إنه إذ يرغب في تأكيد المحبة والصلح بينهما يرسل اليه صورة الرسالة التي أنفذها عامله يوحنا.”

فلما اطلع الخليفة عمرالثاني على الرسالتين استبد به الغضب الشديد، وأرسل في طلب عامله يوحنا، وواجهه بهما، فدافع قديسنا عن نفسه، ناكراً انه كتب او عرف بأمر هاتين الرسالتين ولكنه اعترف بأن الخط خطه،ولكن دون جدوى، فامر الخليفة السياف بقطع يد القديس اليمنى وتعليقها في ساحة المدينة.

وبالحيلة استرد يوحنا يده المقطوعة، متذرعاً بضرورة دفنها لتهدأ آلامه التي لاتطاق.

فأخذها ودخل بها الى بيته وارتمى عند أيقونة والدة الاله جاعلاً اليد المقطوعة على مفصله، وصلى بدموع غزيرة لتردها له سالمة.

وكانت صلاته التالية

“ايتها السيدة الأم الفائقة النقاء التي ولدتِ إلهي…

ها إن يدي اليمنى قطعت لأجل ايقونتك الإلهية…

إن يمين العلي الذي تجسد منكِ…

تصنع المعجزات الكثيرة بفضل وساطتك…

فلتشف يدي اليمنى أيضاً بشفاعتك…

حتى تنظم لكِ وللذي تجسد منكِ…

أناشيد عذبة الأنغام، فأوحيها لي، ياوالدة الإله…

ولتساعد (يمين العلي) العبادة الأرثوذكسية وتعينها…

إنك قادرة على كل ماتشائين، بما أنك والدة الإله.”

وفيمَ هو مستغرق بصلاته غفا، وإذ بوالدة الإله تتراءى له في الحلم قائلة:”ها أن يدك قد عوفيت الآن، فاجتهد أن تحقق ماوعدت به بدون تأخير”. فاستيقظ يوحنا من النوم ليكتشف ان يده قد عادت بالفعل صحيحة، وموضع القطع ظاهر عليها كخط أحمر.

وكما ورد في التراث، أن سائحاً مر بدمشق في القرن السابع عشر، ونقل في تأريخه مايبدو انه كان متداولاً في ذلك الزمان، بأن المعجزة قد تمت بواسطة الأيقونة المعروفة “بايقونة سيدة صيدنايا العجائبية” (وذلك بحسب الأب برنردان سوريوس في كتابه السائح التقي، أو رحلة القدس، بروكسل 1666، ص 341.)

لم تبقْ المعجزة أسيرة الكتمان، بل ذاع صيتها بسرعة في دمشق كلها، وشيع أعداء الدمشقي ان الخليفة لم يقطع يد الخائن بل قطع يد رجل آخر مقابل مبلغ من المال. فأحضر الخليفة وزيره القديم فمد يوحنا يده صحيحة سالمة، وموضع القطع ظاهر كخط أحمر إثباتاً للمعجزة. فاستحوذ على الخليفة العجب من هذا الأمر، وسأل يوحنا:”أي طبيب شفاك واي علاج استعملت؟ فأجابه القديس بصوت جهير:

” مسيحيُّ طبيب ماهر وكليُّ الاقتدار، لم يصعب عليه شفائي”. فرد عليه الخليفة:”يبدو لي انك بريء مما افتُري به عليك، وأعتذر لتسرعي في تصديق الوشاية. عُدْ الى مقامك، وسأسير من الآن وصاعداً بحسب نصائحك، ولن أحيد عنها أبداً”. فوافق الخليفة على طلب القديس آسفاً، فباع الدمشقي ما يملك ووزع ثمنه على الفقراء والمساكين وانطلق الى القدس بصحبة قزما أخيه بالبني، ودخل دير القديس سابا.

(وبالنسبة لأيقونة العذراء يقال ان يوحنا علق عليها يداً فضية كنذيرة، وحملها معه الى دير القديس سابا، وقد احتفظ بها رهبان الدير بعد وفاته كذخيرة ثمينة وأسموها العذراء الدمشقية، أو العذراء ذات الأيدي الثلاث .

وفي القرن 13 أهداها رئيس الدير الى القديس سابا (+1237م) متروبوليت صربيا، وخادم العذراء الكبير لدى زيارته الأرض المقدسة، ولما عاد الأسقف الى وطنه أهداها الى أخيه اسطفان ملك صربيا، وأوصاه باكرامها وهي كنز ثمين للعائلة. بعد اندثار العائلة نقلت الى دير خلنداري في جبل آثوس وتوجد عدة كنائس في صربيا تحمل اسمها…)

يوحنا راهبا

كان يوحنا الدمشقي في ذلك الزمان، رجلا معروفاً وذائع الصيت، لهذا استقبله رهبان دير القديس سابا بفرح، ولكنهم خشوا ان يكون إقباله على الحياة الرهبانية مجرد نزوة. ولما كانوا عارفين بعمق ثقافته العالمية فقد ترددوا الواحد تلو الاخر في تحمل مسؤولية رعايته على السيرة النسكية.

القديس يوحنا الدمشقي راهبا ونشيد القديس يوحنا
القديس يوحنا الدمشقي راهبا ونشيد القديس يوحنا

أخيراً قبله شيخ جليل متقدم في السن. فلما أقبل يوحنا اليه بادره الشيخ بالقول:” يا ابني الروحي، أرغب اليك أن تقصي عنك كل فكر دنيوي وكل تصرف أرضي. اعمل ما تراني اعمله ولا تتباه بعلومك. إن العلوم الرهبانية والنسكية لا تقل أهمية عنها، لا بل تعلوها مقاماً وفلسفة. أمت ميولك المنحرفة وتصّرفْ بخلاف ما يرضيك، ولا تقدم على عمل دون موافقتي، وطلب نصيحتي. لاتراسل أحداً. انس العلوم الشرعية التي تعلمتها كلها ولا تتحدث عنها مطلقاً.”

فسجد له يوحنا وطلب صلاته وبركته ليكون له الله على ماذكر معيناً. سلك قديسنا في ما وعد به بكل غيرة وأمانة إلى أن رغب معلمه في امتحانه يوماً ليرى مقدار تمسكه بنذر الطاعة، فقال له:”يا ولدي الروحاني، قد بلغني أن عمل ايدينا الذي هو الزنابيل مطلوب بدمشق. وقد اجتمع عندنا منها شيء كثير. فقم اذهب الى مدينتك، وخذها معك لتبيعها وتحضر لنا ثمنها لاحتياجنا اليه في النفقة.”

لقد اراد الأب الروحي ان يكتشف مقدار طاعة تلميذه يوحنا، بأن حتم عليه ان يبيعها في دمشق، وهوراهب بسيط، بينما كان قبلاً من أعيانها ومن كبار موظفي البلاط الأموي…لا بل فرض عليه ثمناً لها هو ضعفي ثمنها الطبيعي… ليمتحن صبره لأنها في هذه الحالة لن تُباع معه بسرعة مما قد يشكل احباط وعثرة وشك له…

فلما خرج الراهب يوحنا من الدير وهو يحمل هذا الحمل الثقيل صاغراً طائعاً وفق نذور الرهبنة، أرسل له الرب راهبين آخرين منطلقين الى دمشق، فساعداه على حمل الزنابيل. ولما وصل الى سوق دمشق لم يصادف من يشتريها منه لغلاء ثمنها.

وفيما هو جائل حائر في أمره، رآه بعض خدمه ممن كانوا من خدامه عندما كان في العالم الدنيوي، فعرفوه ولم يعرفهم، فرَّقّوا لهن وأخذوا منه الزنابيل بالثمن الذي طلبه.

عاد يوحنا الى معلمه في الدير، وقد ظفر بإكليل الغلبة على شيطان الكبر والعظمة.

وحدث مرة ان رقد بالرب أحد الشيوخ الرهبان، وكان جاراً ليوحنا، فحزن أخوه في الجسد عليه حزناً شديداً، وكان هو ايضاً راهباً. هذا جاء الى يوحنا، وساله أن ينظم له طروبارية تسليه عن غمّه، فاعتذر يوحنا لأنه لم يشأ أن يخالف الشيخ معلمه في ماوضعه عليه وأوصاه للتقيد به بحرص شديد.

لكن الراهب أصر بالقول:”ثق أني لن أبوح بها، ولن أرتلها إلا وأنا وحدي”. وظل عليه حتى أخرج له طروبارية. وفيما كان يلحنها، أدركه معلمه الشيخ، فقال له:”أبهذا اوصيتك؟! هل أمرتك أن تُزَّمِر، أم ان تنوح وتبكي؟! فاخبره يوحنا بما جرى له وساله الصفح فامتنع قائلاً:”أنك منذ الآن لا تصلح للسكنى معي، فانصرف عني بسرعة”. فخرج قديسنا من عند الشيخ حزيناً وجال على الرهبان يتوسط لديهم. فلما أتوا الى الشيخ سألوه أن يسامحه فأبى، فقالوا له:”أما عندك قانون تؤدبه به لتصفح عنه؟” فقال:”أجل، سأدعه يحرر مستخدمات (مراحيض) مشايخ الرهبان وينظفها”، فانصرف الآباء من عنده مغمومين لأنه لم يسبق لهم أن سمعوا بقصاص كهذا. فلما أتوا إلى يوحنا، استوضحهم الأمر فأجابوه، لأي، بما قاله لهم الشيخ. فقام لتوه قائلا لهمً:”هذا الأمر سهلٌ فعلُه عندي، متيسرٌ عليّ.”

ثم أخذ قفة ومجرفة، وبدأ بالقلاية الملاصقة لقلايته. فلما بلغ الشيخ ماصنعه تلميذه بادر اليه على عجل، وأمسكه بكلتا يديه وقبل رأسه وعينيه، وقال له:”ثق يابي لقد أكملت الطاعة وزدت عليه وليست بك حاجة بعد إلى أكثر م ذلك، فهيا الى قلايتك على الرحب والسعة.”

ومرت أيام بعد هذه الحادثة، ظهرت بعدها والدة الإله القديسة لمعلم يوحنا في الحلم وقالت له:”لماذا ايها الشيخ، تمنع الينبوع عن أن يفيض، ويجري؟! فإن تلميذك يوحنا عتيد أن يجَّمِّلْ كنيسة المسيح بأقواله، ويزين أعياد الشهداء وكافة القديسين بترنيماته الالهية فأطلقه… لأن الروح القدس المعزي يجري على لسانه”. فلما أطل الصباح قال الشيخ لتلميذه:”ياابني الروحاني، إذا ما حضرك منذ الآن قولٌ تتكلم به، فلا مانع يمنعك لأن الله سبحانه يرضاه ويهواه، فافتح فمك وقل ما تلقنه إياه النعمة الالهية.”

من ذلك اليوم صار القديس يضع القوانين الليتورجية والاستشيرات والطروباريات للأعياد كافة ومنها اسيشيرات وقانون الفصح، وسواها. ربيبه في عمله هذا كان أخاه بالتبني قزما. ويبدو ، كما يؤكد كاتب سيرته، إن المحبة الإلهية كانت وافرة بين الإثنين، وأنه لم يعرض لهما أن غلبهما الحسد مدة حياتهما.

يوحنا كاهناً وواعظاً

القديس يوحنا الدمشقي في دير القديس سابا
القديس يوحنا الدمشقي في دير القديس سابا

يستفاد من أخبار القديس يوحنا الدمشقي، أن يوحنا الخامس بطريرك أورشليم دعاه بعد سنوات الابتداء في الرهبنة ورسمه كاهناً رغم تمنعه، وبعد عودته الى الدير فرض على ذاته حياة نسك وتقشف متزايد، وانصرف الى وضع تلك المؤلفات البليغة التي انتشرت في سائر انحاء العالم.

ومن أهداف القديس سابا إقصاء رهبانه عن الكهنوت، لأنه بحسب قوله “يلعب برؤوسهم” وقد تردد هو نفسه طويلاً قبل قبوله سر الكهنوت. فلا عجب إذا ما ساور الدمشقي الخوف نفسه قبل انخراطه في سلك الكهنوت وقد ساورت المخاوف نفسها قديسين آخرين كثيرين. لكن “لن يبقى النور طويلاً تحت المكيال”. لقد بلغت أصداء فضائل الدمشقي وعلمه مسمع بطريرك أورشليم، وتوقع أن يجني منها الخير العميم لأبرشيته، فأمره ان يقبل الرسامة الكهنوتية. فرضخ يوحنا، وهو الذي كان دائماً مثال الطاعة والانصياع لأوامر رؤسائه.

يُذكر أن يوحنا تلقى العلوم المقدسة لا في دمشق بل في الدير ولدى بطريرك أورشليم أيضاً. هو نفسه ذكر أن معلميه كانوا من رعاة الكنيسة. منذاك أصبح يوحنا واعظ المدينة المقدسةن يقيم في ديره ثم يخرج الى القدس وهي قريبة، ليتمم خدمته في كنيسة القيامة. وقد بقي لنا من مواعظه تسع امتاز فيها بالبلاغة والإبداع وقوة المنطق واقتدار الحجة وغنى العقيدة.

يوحنا معلماً

لقد استهل يوحنا مقدمته التمهيدية لدرس العقيدة المسيحية بهذه العبارة التي توضح أنه لم يكتف بوضع المؤلفات اللاهوتية بل علم شفهياً العقيدة المقدسة، وكان مدرساً بكل مافي الكلمة من معنى:” انني خاطىء حقير، افتح فمي الثقيل النطق والبطيء اللسان، واثقاً بأن الله يهبني روح الحكمة، نظراً لاتضاع الذين طلبوا مني الكلام، ومنفعة المستمعين.

وبالحقيقة ووفق ماحفظه ثيودوروس ابو قره موجز حوار بين مسيحي ومسلمن مقتطف من دروس شفوية القاها يوحنا الدمشقي على مناقب المدرس الرئيسة، الا وهي: الوضوح، دقة التعبير حب التمييز، إقامة الدليل والحجة، عادة الالتجاء الى أبسط المقارنات، لجعل اسمى العقائد بمتناول الفهم والادراك.كان مستمعو الدمشقي من الفتيان المثقفين رهبان دير مارسابا، ولكن يجب ان لانستنتج مما سبق وجود شكل مدرسة اكليريكية في مارسابا تُعِدُ طلاب الكهنوت.

وكان المستمعون قلة من المثقفين الذين دخلوا الدير وتذوقوا العلم والدرس ويرغبون في تحسين معارفهم بعلوم اسمى وأوسع… نعرف إثنين من تلاميذه: يوحنا وقد أصبح من بعد اسقف اللاذقية، وتيودورس ابو قره اسقف حران وكان هذا يسمي الدمشقي معلمه.

اسهامه الكنسي

هناك اربعة مجالات كنسية كانت للقديس يوحنا الدمشقي فيها اسهامات جليلة جزيلة القيمة:

الأول عقائدي: للقديس فيه بضع مؤلفات أهمها كتاب”ينبوع المعرفة” الذي يشتمل على ثلاثة ابواب ، أحدها فصول فلسفية هي بمثابة توطئة لاهوتية تاريخيةيتناول فيها مائة وثلاثة تعاليم دينية زائفة وانتشارها. واخيراً بيان الايمان الأرثوذكسي الذي قسمه الى مائة فصل أو مقال. في كتابه الجليل: “المائة مقالة في الايمان الأرثوذكسي”

الثاني جدلي دفاعي: هذا كتب قديسنا ضد هرطقات زمانه كلها:” النسطورية والطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة والمانوية وبدعة محطمي الأيقونات.

كما وضع الخطوط العريضة لطريقة الجدل مع المسلمينن وترك نبذة ضد الخرافات الشعبية”. أهم هذه الكتابات مباحثه الثلاثة الدفاعية ضد الذين يرذلون الأيقونات المقدسة.

الثالث ليتورجي: هنا يُعزى اليه ارساء اسس كتاب المعزى وتألف العديد من الاستيشيرات ومنها استشيرات الفصح، والبروصوميات، والايذيوميلات والكاثسماطات والطروباريات والقناديق والقوانين الكنسية بالاضافة الى دور أكيد في تحرير تيبيكون دير القديس سابا.

الرابع موسيقي: فيه نظم ووضع قسماً كبيراً من موسيقى كتاب المعزي ولحن العديد من القوانين والطروباريات، وساهم في وضع نظام العلامات الموسيقية.

” ان البرايا بأسرها…” مثلاً.

لاهوت الأيقونة عنده

القديس معلما وواعظاً
القديس معلما وواعظاً

ولابد من كلمة بشأن دفاع القديس يوحنا عن الأيقونات لاهوتاً. فالحق أن قديسنا هو الذي وضع الأسس اللاهوتية للدفاع عن الأيقونات، وهو ماتبنته الكنيسة وبنت عليه عبر العصور. ويستند لاهوت الأيقونة عنده الى ثلاثة قواعد رئيسة:

– لا نقدر ان مثل الله حسياً، لأنه روح محض، لكننا نقدر ان نمثل الرب يسوع ووالدة الاله والقديسين وحتى الملائكة الذين ظهروا على الأرض بأجسادز فالكتاب المقدس لايمنع تكريم الصور بل يمنع عبادة الأوثان.

– إن الإكرام الذي نقدمه للأيقونات، إنما نقدمه لأصحابها المرسومين عليها، لا إلى الخشب والألوان، وهو يرجع في كل حال الى الله الذي هو مصدر كل خير، ونؤكد كلمة اكرام، لأننا نميز بين الاكرام والعبادة التي لا تليق إلا بالله وحده.

ثم إن لإكرام الأيقونات منافع جزيلة فالصور ظاهرة إنسانية نذكر من خلالها نعم الله علينا، وهي بمنزلة كتاب للعامة تمد اليهم اسرار الله واحساناته وحضوره وتحرض على اقتفاء سير القديسين.

ان موقف الدمشقي الحازمنودفاعه الجريء عن اكرام اليقونات بعث القوة والشجاعة في نفوس المسيحيين العائشين في ديار الاسلام، حيث ان ثلاث بطريركيات دخلت في حوزة الدولة الاسلامية هي انطاكية واورشليم والاسكندرية، فساعدهم اكرامهم الحار للأيقونات في تحمل المضايقات والاضطهادات. التي كانت تستعر بتبدل الخلفاء والولاة والحكام… مع الاشارة الى ان السلطات الأموية لم تتخذ أي اجراءات تعسفية ضد الأيقونات ومكرميها منذ خلافة يزيد.

لقد أقلق المؤمنين وعكر صفو ايمانهم وتقواهم مجرد التفكير ان القسطنطينية الحامية للايمان الأرثوذكسي وهي مدينة الله كما تلقب، شجبت اكرام الايقونات وبطشت بالمكرمين والعلمانيين والاكليروس وخاصة بالرهبان وتم قتل العديد منهم جراء ايمانهم…

فجاءت كتابات الدمشقي لتشدد عزائم المسيحيين المعترفين بالايمان القويم رهباناً كانوا ام علمانيين…

لقد لخص الدمشقي قناعته المتعلقة بالأيقونات المقدسة في الكتاب الرابع من الايمان الأرثوذكسي، وحفظ تعليمه ونفوذه البطريركيات الثلاث من اضرار البدعة المناوئة للأيقونات.

دوره في مناصرة الأدب والفن والفلسفة والاهوت

لم تفتقر مدينة مهمة مثل دمشق الى اندية ادبية، فإن يوحنا الدمشقي الذي أضاف الى مقامه الاجتماعي السامي الثروة والثقافة وقد فتح ابواب قصره ليس للشعراء والموسيقيين فحسب بل لكل من يهتم بقضايا الفلسفة والدين …

فهو سليل اسرة سورية عربية ثقافتها يونانية، وهو موظف كبير عند الخلفاء، وقد جمع حوله نخبة الاتجاهين المتعارضين الفلسفة والدين قبل ان يتشبعا من حقيقتهما

كان الدمشقي قبل كل شيء لاهوتياً، وتناول في سبيل اللاهوت علوماً بشرية مختلفة، هي بحسب اعتقاده “خادمة تلك الملكة” وهو اول من حاول ان يضع عرضاً مجملاً للعقيدة المسيحية، ودافع عنها ضد هرطقات عصره المتعددة، ووجه اهتمامه في الوقت عينه الى شرح الكتاب الكريم واللاهوت الأدبي والحياة النسكية. وكان خطيباً معتبراً وعُني بالشعر والموسيقى الكنسيين.

اما مصادر معلوماته فقد استقاها من المصادر اليونانية خاصة من اثناسيوس وباسيليوس وغريغوريوس النيصي ويوحنا الذهبي الفم، وناميسيوس الحمصي، وسفيريانوس اسقف جبلة، وكيرلس الاسكندري وكيرلس الأورشليمي وكان غريغوريوس النزينزي المؤلف المفضل لديه في مايتعلق بالثالوث القدس.

وقد استوحى ما يختص بأقنوم المسيح من لاونسيوس البيزنطي ومكسيموس المعترف وأثناسيوس السينائي، ولم يعرف من لاهوت الغرب سوى رسالة البابا القديس لاون الى فلابيانوس…

لقب الدمشقي

القديس يوحنا الدمشقي
القديس يوحنا الدمشقي

لقد اتسمت كتاباته بالبلاغة والفصاحة لذا استحق ان يُدعى دفاق الذهب باسم النهر الذي يروي دمشق وطنه. وأول من أطلق عليه هذا الاسمن المؤرخ اليوناني ثيوفانس لأناقة غنشائه وخطاباته وسمو فضائله. ونهج المؤرخون والاهوتيون البيزنطيون في مابعد نهج ثيوفانس وطبقوا على الدمشقي هذا اللقب. وقد دعاه ثيوفانس ايضاً “العلامة الممتاز الماهر” وقد جسم الدمشقي في نظر مؤرخي بيزنطة ولاهوتييها مقاومة بدعة محطمي الأيقونات وأسموه “الالهي”، وامتدحوا حكمته وعمله. وأكد البيروني على نحو مارأينا سابقاً ان كنيستنا الأرثوذكسية خلعت عليه لقب” أب اي علامة، معلم” واسماه مرتيرولوج (جدول أعياد القديسين) رهبان كولونيا “الملفان الممتاز”، وقد امتدح مرتيرولوج البندقية اللاتيني ( القرن16) تعليمه وعقيدته. وقد سماه السنكسار الأرمني المطبوع في القسطنطينية

“العلامة الأكبر”

وفاة البار يوحنا

تضاربت آراء العلماء حول تحديد سنة مولد الدمشقي، مما جعلها تتباين ايضاً في تحديد سنة وفاته، وقد تجمعت الآراء حول سنة 749/ 750 وهو مايعُتقد انه الصحيح.

ومن المؤكد انه مات في دير ماسابا كما يؤكد التقليد اليوناني…وكان اسطفانوس ابن أخيه معه وتحرر من ولايته السنة 749 ولم يكن له من العمر سوى 24 سنة كما تفيد كل الدراسات والتحرر هنا يقضي بوقت وفاة عمه… وقد دفن في الدير المذكور واشار دانيال الراهب الروسي الى وجود بقايا القديس سنة 1106 في البناء الصغير القائم فوق ضريح المؤسس لدير مار سابا، والكتابة عليه تشير الى بقاياه في الدير المذكور..

الاعتراف بقداسته واكرامه

لقد ترك يوحنا سمعة قداسة بين معاصريه، وخصه المجمع المسكوني السابع بأسمى عبارات الثناء في جلستيه السادسة والسابعة: “الذكر المؤبد ليوحنا بطل الحقيقة” كان اكرامه مقتصراً بداية على ديره دير ماسابا، بعد وفاته في نهاية القرن الثامن نظم له استفانوس المنشد ذلك القانون الرائع الذي لانزال في كنيستنا الأرثوذكسية المقدسة ننشده حتى اليوم في عيده في 4 كانون الأول من كل عام (الميناون)

 

 

 

 

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *