دير سيدة الناطور الارثوذكسي

دير سيّدة الناطور الأرثوذكسي انفة

دير سيّدة الناطور الأرثوذكسي انفة

يَقَع دَير سَيّدة الناطور في مَنطقة قِلحات، قضاء الكورة، بِمُحاذاة الشاطىء بَين  انفة والقَلمون، قُبالة دَيريّ سَيّدة النورية جُنوباً و سيدة البلمند شمالاً، تُحيطه مَلّاحات وأشجار زَيتون، في مَساحتة 800 ألف مُربَّع تقريباً، تَملُكها أبرَشية طرابلس والكورَة وتوابِعِها للروم الأرثوذوكس

دير سيدة الناطور الارثوذكسي
دير سيدة الناطور الارثوذكسي
يعد  دير “سيّدة الناطور” من الأديرة الارثوذكسيّة المهمّة في الشمال، وتحديداً في أبرشية طرابلس والكورة وتوابعها للروم الارثوذكس. موقعه في منطقة الحريشة – أنفه على شاطئ البحر بين جامعة البلمند شمالاً ودير سيّدة النوريّة جنوباً، أضفى عليه هالة من الرمزية الإستثنائيّة.

شيّد الدير، وفق الوثائق المتوافرة، في القرن السادس وتهدّم بفعل الزلازل التي ضربته تباعاً، ثم أعيد بناؤه عام 1113. تهدّم القسم الغربي منه عام 1914 عندما صبّت باخرة حربية تابعة للحلفاء حممها عليه بعدما تعرضت للنيران من البّر، إذ اعتقد جنودها أن الدير قلعة للأتراك.

موقع الدير الممّيز، أتاح له بناء رأس بحري يعرف بـ “رأس الناطور”، فوق كهف تغمره مياه البحر أطلق عليه إسم “كهف الناطور”.

 

دير سيدة الناطور الارثوذكسي
دير سيدة الناطور الارثوذكسي

قصة “الناطور”
يرتبط تاريخ بناء الدير بقصة قديمة، يتداولها أهالي البلدة والأخت كاترين الجمل، ساكنة الدير، وترويها الى كل من يسألها عن الدير. تفيد القصة، وفق الأخت كاترين، “بأن رجلاً ثرياً أراد التكفير عن خطاياه، فقصد الدير المحاذي للبحر، ورمى فيه مفتاح خزنة نقوده، وقال: “إذا أعيد المفتاح إليّ يكون الله قد صفح عن جميع خطاياي”. وعاش في الدير زاهداً، يعتاش من الطعام الذي يقدمه إليه الصيّادون. إلى أن رمى أحدهم ذات يوم شبكته في البحر، وقال “سأقدم لهذا الفقير كل ما اصطاده”. وبعدما وفى بوعده، إكتشف الرجل داخل إحدى السمكات مفتاحه الذي رماه. عندها، أيقن أن الله صفح عن خطاياه، فوزّع أملاكه وأمواله على الفقراء وعاد إلى حياة النسك والصلاة. وربما تعود تسمية الدير بالناطور إلى الفترة الطويلة التي قضاها الرجل في الدير منتظراً رحمة الله”.

وِفقَ الوَثائِق، فَفي القَرن السادِس، كان يوجَد في المَحَلَّة المذكورة كنيسةٌ  رومية ارثوذكسية، تَهَدَّمت من جَرّاء زِلزال، وفيما بعد، أقيمَ دَيرٌ مَكانِها في الحَقَبَة الصَليبية، من قبل الرهبان السيستيريين، ومن بَعدِهم، إستُكمِل بناؤه على مراحل عِدَّة. فهو مؤلَّفٌ من طابقين يَضُمّان الكنيسة والعلّايات بالإضافة الى الأقبية. خَضَع لعِدَّة عَمليات تَرميم خِلال القُرون الماضية  وقد شهد الدير ورشة ترميم عام 1727 عندما سكن أحد الكهنة فيه، وكانت البلاد تعاني آنذاك مجاعة، فاستعان ببعض الأهالي للعمل لقاء توفير معيشتهم، وأضاف غرفاً في الطبقة العلوية.، وأثناء الحَرب العالمية الأولى، تَهَدَّم القِسم الشَمالي منه من جَرّاء قَصفٍ بَحريّ من قِبل قوات الحُلَفاء. وبَعدَ الحَرب العالَمية الأولى، هَجَر الرُهبان الدَير، فَعَمَدَت المُطرانية المُشرِفة عليه، الى إيواء بَعضاً من أهالي الجِوار، حَيثُ إستَثمَروا في الأراضي الزراعية المُحيطة به. ويُروى أنَّه في أربعينيات القَرن الماضي، سَكَن الدَير مواطِن روسيّ يُدعى ألِكسي دوستوفسكي، ويُنسَب اليه إنشاء أول دولاب هواء يَعمَل على البَطارية لتَشغيل المَلّاحات، مُساعداً الأهالي لاستخراج المِلح البَحري

 

الاخت كاترين ترمم الدير بنفقتها وهي في ورشة الترميم
الاخت كاترين ترمم الدير بنفقتها وهي في ورشة الترميم

دير سيّدة الناطور الأرثوذكسي قصفته  باخرة الحلفاء والأخت كاترين الجمل رممّته من مالها الخاص

أثناء الحرب العالمية الأولى، وتحديداً عام 1914، تعرّض الدير للقصف وهدمت إحدى واجهاته، لكنه بقي حتى عام 1973 من دون أي ورشة ترميم رغم تناوب عائلات عدة على السكن فيه وآخرها عائلة مالك ومنها الخوري جرجس مالك، ودائماً وفق المعلومات المتوافرة في الدير عن بنائه وتطوره.

في الحرب الأهلية الأخيرة، تمّ حرق قسم من الدير بطريقة مفتعلة، فهجره قاطنوه واقتحمه مسلحون وعبثوا بمحتوياته.

ورشة الترميم
في تشرين الثاني 1973، سكنت الأخت كاترين الجمل في الدير، ولا زالت الى اليوم، عملت طوال حياتها على ابراز دور هذا الدير الأرثوذكسي. وتقول في هذا السياق، إنّ “الدير كان مقفراً ومهجوراً يصلح لكل شيء إلاّ للسكن، لكني قررت تحويله مشغلاً تتعلّم فيه الشابات أصول الخياطة والتطريز”. إلاّ أنّ أمنيتها لم تتحقق، لأن الدير استضاف “مدرسة واحة الفرح”.

الاخت كاترين في شرفة الدير
الاخت كاترين في شرفة الدير

وقد بقيَ الدَيرعلى حالِه، حَتى العام 1973، تاريخ مَجيء الأخت كاترين الجَمَل، إبنة المينا – طرابلس. مَكَثَت فيه، حتى وفاتِها في العام 2019، ولم تُغادِره إلّا في العام 1976، حين سافَرَت الى فرنسا لمُدة ثلاث سنوات، بعد أن هوجِم الدَير وحُرِق، وعُبِثَ بِمُحتوياته… وبَعدَ عَودتها من فرنسا، أعادَت الروح الى الدَير، وذلك بمُباشرتها بأعمال التَرميم من مَردودَها الخاص (عُرِف عنها بأنها كانت خيّاطة ماهِرة)، بالإضافة الى التَبَرُّعات، بِمواكَبة المُهندس المَعماري جورج ساسين عاونه المهندس ديب ديب…أُنجِزَت مُعظَم الأعمال في العام 2013. وبالنسبَة لكَنيسة الدَير، فهي مَبنية وِفقَ النَمَط المِعماريَ المَحليّ، ذات سوقٍ واحِد مع عقدٍ سَريريّ، وقِبَّة حَديثة، مُستوحاة من قِبَّة سيّدة البَلَمَند

لم تخلُ أعمال الترميم من صعوبات مالية، وتقول الاخت كاترين انه “تمّت الاستعانة برهبان فرنسيين وروس، لرسم جداريات الكنيسة والهيكل والمدخل، وبعلماء آثار ومهندسين متخصّصين للحفاظ على طابع الدير الذي يعود الى القرن الثاني عشر”.

ومن الأعمال المُمَيَّزَة والتي أضيفَت الى الكنيسة بعد التَرميم التي قامت بها الأخت كاترين، كانَت الجِداريات التي غَطَّت جُدرانها، قأضفَت عليها رَونقاً فنيّاً فريداً. فكانَت الأخت كاترين قد أوكلَت مُهِمَّة رَسم الجِداريات الى راهب روسيّ يُدعى أمبرواز، وجان وانطوان، راهبان فرنسيان من دَير يوحنا الدِمشقي الارثوذوكسي، فَقاموا بالرَسم على مَراحِل، بين عامي 1997 و1999، واعتمدوا في طريقة الرَسم، النَمَط الأيقوني البيزنطي، لناحية الوجوه والألوان، كذلك اعتُمِدَ مَنهج التوزيع الأرثوذوكسي للأيقونات، بِحيثُ خُصِّصَ القِسم العُلوي للسَيّد المسيح، فَتروي الأيقونات مراحل حَياته، من ميلاده الى آلامِه وصَلبِه فقيامَتِه…وفي وَسَط السَقف أيقونة زرقاءُ تُشير الى صُعودِه الى السماء. وفي القِسم السُفلي تَروي الأيقونات، سيرة السَيّدة العذراء مُنذ البِشارة حتى وفاتها. وداخل الهَيكَل، أيقونات آباء الكنيسة، الذين كَتَبوا القَداديس الإلهية، غريغوريوس اللاهوتي، وباسيليوس الكبير، ويوحنا ذهبي الفَمّ. وعلى يَسار الهَيكل، أيقونَة تَعود الى القَرن الثامِن عَشَر، يَبدو فيها صَيّادون ضِمنَ مَركَبٍ في بحرٍ هائِج، يَطلِبون شَفاعَة العَذراء ويَسوع، وهذه الأيقونة هي شَفيعة البَحّارة والصَيّادين. أمّا الكِتابات بِجانِب الأيقونات، فهي من عَمل خَطّاطٍ طَرابلسيّ، لا يُجيد، لا القراءة ولا والكتابة، لكِّن نَفّذَ الخَط بِطَريقة الرَسم

كذلك أنشأت الأخت كاترين مَزار الشاغورة بين عامي  1995 و2000، لِحِفظ أيقونات الدَير القديمة التي تَعود الى القرن الثامن عشر، والتي تَنتَمي الى المَدرسة الحَلَبية، وأيقونة سَيّدة الرُقاد التي تَعود الى القرن السادِس عشر، ولحِفظِ قِطَعٍ من إيقونوستاز الكنيسة القديم، الذي يَعود الى القرن التاسِع عشر، وبيت القربان القديم

الكنيسة مُكَرَّسَة لِدخول السَيّدة الى الهَيكل، ويُحتَفَل بالعيد  في 21 تشرين الثاني من كُل عام، كذلك يَؤم الدَير، جُمهور المؤمنين في الخامس عشر من شهر آب، بمناسبة عيد إنتقال السَيّدة العذراء

منذ 14 عاماً، عاد الدير يستقبل المؤمنين للمشاركة في الصلاة التي يرأسها الأب قسطنطين سعد. كما تقام فيه احتفالات كل المناسبات الدينية الارثوذكسية الكبرى وايضاً المحلية مثل الختن الثاني وصلاة البراكليسي وعيد دخول السيدة الى الهيكل وعيد رقاد السيدة العذراء، كما ان الفنانة فيروز أحيت فيه ترانيم الجمعة العظيمة عام 2013.

انتقالها الى الاخدار السماوية

وفي شهر آذار 2019، رَحَلَت الأخت كاترين الى جِوار رَبِّها، ودُفِنَت بِجوار الدَير، وفي نفسها غَصَّة. تِلك الغَصَّة أورَدَتَها في وَصيّتها الأخيرة: “خَبّروا أن الراهبة ضُد المَشروع  السياحي، وتَشكو الله من وقَّع عَليه، وتُصَلّي لِئلّا يُنجَز…”  هذا لأنها كانَت وأهالي الجِوار ضُد إقامة مَشروع “ناطور”، الذي هو مُصَمَّم لبِناء مُنتَجَع سِياحي في الأراضي التابِعَة للدَير والمُحيطة به، فيُحاصِر بِذلك المَعلَم الديني ويَقضي على مَلّاحات البَلدة المشهورة بالذَّهب الأبيض
يُذكَر أن الدَير كان في التاريخ المُعاصِر، مَقراً لكلٍ من القوات العُثمانية خِلال الحَرب العالمية الأولي، وللقوات الأسترالية خِلال الحَرب العالمية الثانية، ومَركزاً للميليشيات إبّان حوادث 1976، ومن ثُمَّ قوات الرَدع العَربية، وبَعدَها الجَيش اللبناني. وكانت السَيّدة فيروز كما قلنا اعلاه قد أحيَت فيه تَرانيم الجُمعة الحَزينة في العام 2013.

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *