احرق الروس موسكو ليشعر نابليون بالهزيمة

غزو نابليون لروسيا.

غزو نابليون لروسيا…

 

حدود فرنسا عام 1812
حدود فرنسا عام 1812

الغزو الفرنسي لروسيا الذي كان في العام1812كان نقطة تحول في  الحروب النابولونية هذه الحرب تعرف في روسيا بالحرب الوطنية ( بالروسية Отечественная война) والتي تختلف عن  الحرب الوطنية العظمى التي تشير إلى الغزو الألماني لروسيا في  الحرب العالمية الثانية.

تُعرف الحرب الوطنية أيضًا باسم «حرب 1812» وهو نفس اسم الحرب التي دارت بين  الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

إلى ذلك، اتجه نابليون بونابرت لخوض غمار هذه الحرب عقب تدهور علاقاته مع الإمبراطور الروسي ألكسندر الأول لأسباب عدة. فبعد اتفاقية سلام تيلسيت (Tilsit) بين الطرفين عام 1807، ظهرت الخلافات مجددا بين الروس والفرنسيين وانتهت بحرب دامية أسفرت عن سقوط امبراطورية نابليون.

قبل الغزو الفرنسي

اتفاقية سلام تيلسيت

 في سنة 1807، وقّع كل من نابليون بونابرت وألكسندر الأول اتفاقية تيلسيت الأولى التي ساهمت في إنهاء حرب التحالف الرابعة وكرست انتصار فرنسا. وبعد هذه الاتفاقية الموقعة مع الروس، وقّع الفرنسيون بعد أيام قليلة اتفاقية تيلسيت الثانية مع البروسيين فجرّدوا بروسيا من نصف أراضيها وأقاموا عليها مملكة وستفاليا (Westphalia) ودوقية وارسو ومنطقة دنزيغ (Danzig) وتقاسموا ما تبقى من الأراضي مع الإمبراطورية الروسية.

لوحة تجسد قوات نابليون أثناء فرارها من روسيا
لوحة تجسد قوات نابليون أثناء فرارها من روسيا

إلى ذلك، جعلت اتفاقية تيلسيت من فرنسا وروسيا حليفتين ضد بريطانيا وهو ما أدى لخلق وضعية جيوسياسية جديدة بأوروبا سرعان ما انفجرت لتتسبب في اندلاع حرب التحالف الخامسة التي وضعت كل من بريطانيا والنمسا في مواجهة فرنسا عام 1809. وخلال هذه الحرب التي رفض الروس والبروسيون المشاركة فيها، اتضحت ملامح النزاع القادم حيث كان جليا للجميع أن مطامع نابليون بونابرت ستتجه صوب روسيا. وخلال حديثه مع سفير بلاده بوارسو سنة 1811، أكد بونابرت أنه لم يبق أمامه سوى روسيا ليحكم العالم.

الحصار القاري وفنلندا

على حسب ما نصت عليه اتفاقية تيلسيت لعام 1807، وعدت الإمبراطورية الروسية بالالتحاق بالحصار القاري المفروض على بريطانيا. في الأثناء، مثّل هذا الأمر أزمة حقيقية لروسيا التي اعتمدت كثيرا على الصادرات البريطانية لتمويل قطاعها العسكري. وعن طريق مشاركتها في هذا الحصار، واجهت روسيا خطر تراجع قدرتها العسكرية مقارنة بالفرنسيين ففضلت بدلا من ذلك مواصلة التجارة مع البريطانيين ضاربة بذلك عرض الحائط الحصار القاري النابليوني.

لوحة لنابليون وتبدو ملامح الحزن والقلق بادية على وجهه بسبب خسائره بروسيا
لوحة لنابليون وتبدو ملامح الحزن والقلق بادية على وجهه بسبب خسائره بروسيا

من ناحية أخرى، عرفت العلاقات الفرنسية السويدية انهيارا سريعا بسبب رفض السويديين تأييد أطماع نابليون بونابرت التوسعية. وكرد على ذلك، عمد بونابرت خلال شهر يناير/جانفي 1812 للتدخل بمنطقة بوميرانيا (Pomerania) السويدية. وأمام هذا الوضع، عقدت مملكة السويد تحالفا مع الإمبراطورية الروسية التي وعدت بالتدخل لصالحها في حال مهاجمتها من قبل نابليون بونابرت.

أيضا، وقعت روسيا أواخر شهر أيار/مايو 1812 اتفاقية سلام بوخارست مع العثمانيين التي أنهت سنوات الحرب بين الطرفين وأكدت على موافقة روسيا على الانسحاب من التحالف مع الفرنسيين. وقد جاءت هذه السياسة الروسية الجديدة لتثير غضب نابليون بونابرت الذي أصبح مؤيدا لفكرة الحرب ضد روسيا.

لوحة تجسد الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت
لوحة تجسد الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت

نابليون بونابرت في 20 آذار 1811، وُلد نابليون الثاني (نابليون فرانسوا جوزيف تشارلز بونابرت) ابنًا للإمبراطور  نابليون الاول والإمبراطورة  ماري لويز الذي أصبح أميرًا إمبراطوريًا لفرنسا وملكًا على روما منذ ولادته.

لم يكن نابليون نفسه في ذات الحالة الجسدية والعقلية كما في السنوات الماضية. لقد أصبح وزنه زائدًا ومعرضًا بشكل متزايد لأمراض مختلفة.

على الرغم من حرب شبه الجزيرة المكلفة والممتدة في إسبانيا والبرتغال، باستثناء القوات البريطانية الاستكشافية في ذلك البلد، لم تجرؤ أي قوة أوروبية على معارضته.

كان في معاهدة شونبرون، التي أنهت حرب 1809 بين النمسا وفرنسا، بند يزيل غرب غاليسيا من النمسا ويضمها إلى دوقية وارسو الكبرى. اعتبرت روسيا هذا الأمر مخالفًا لمصالحها ونقطة انطلاق محتملة لغزوها.

أسباب الغزو الفرنسي لروسيامع نهاية عام 1810، توقف ألكسندر الأول (حاكم روسيا) عن الامتثال لأوامر نابوليون في ما خصّ الحصار الاقتصادي على بريطانيا، لا سيما أن ضرره كان كبيراً على التجارة الروسية وعلى قيمة عملة الروبل.

فتجرأ القيصر الروسي بفرض ضريبةٍ على السلع الفرنسية الفاخرة، بالتزامن مع رفضه محاولة نابليون بالزواج من إحدى شقيقاته. فشعر الإمبراطور الفرنسي بالغضب، وسرعان ما قرر محاربة ألكسندر الأول، رغم أنه كان ينظر إلى روسيا كحليفٍ طبيعي.

في 20 آذار 1811، وُلد نابليون الثاني (نابليون فرانسوا جوزيف تشارلز بونابرت) ابنًا للإمبراطور  نابليون الاول والإمبراطورة  ماري لويز الذي أصبح أميرًا إمبراطوريًا لفرنسا وملكًا على روما منذ ولادته.

لم يكن نابليون نفسه في ذات الحالة الجسدية والعقلية كما في السنوات الماضية. لقد أصبح وزنه زائدًا ومعرضًا بشكل متزايد لأمراض مختلفة.

على الرغم من حرب شبه الجزيرة المكلفة والممتدة في إسبانيا والبرتغال، باستثناء القوات البريطانية الاستكشافية في ذلك البلد، لم تجرؤ أي قوة أوروبية على معارضته.

كان في معاهدة شونبرون، التي أنهت حرب 1809 بين النمسا وفرنسا، بند يزيل غرب غاليسيا من النمسا ويضمها إلى دوقية وارسو الكبرى. اعتبرت روسيا هذا الأمر مخالفًا لمصالحها ونقطة انطلاق محتملة لغزوها.

احرق الروس موسكو ليشعر نابليون بالهزيمة
احرق الروس موسكو ليشعر نابليون بالهزيمة

الأمور اللوجستية

كان هدف نابليون من الحرب هو إجبار قيصر روسيا  الكسندر الاول على وقف التجارة مع بريطانيا مما كان سيدفعها برأيه لقبول الصلح مع فرنسا. أما الهدف السياسى الرسمى من الحرب فكان تحرير بولونيا من التهديد الروسي. لذلك أطلق نابليون اسم «الحرب البولونية الثانية» على حملته لكي يكسب تعاطف البولونيين وليوفر غطاًء سياسيًا للحملة.ويضح غزو روسيا بشكل واضح ودرامي أهمية الأمور اللوجستية في التخطيط العسكري، خاصة عندما لا تكافئ الأرض عدد القوات المنتشرة في منطقة العمليات التي تتجاوز بكثير تجربة الجيش الغازي.

قام نابليون باستعدادات مكثفة لتوفير الإمداد لجيشه. كان جهد الإمداد الفرنسي أكبر بكثير مما كان عليه في أي من الحملات السابقة. كان على عشرين كتيبة محمولة بالقطارات، تضم 7848 مركبة، توفير إمدادات لمدة 40 يومًا للجيش الكبير وعملياته، وأنشِئ نظام كبير من مخازن الذخيرة في البلدات والمدن في بولندا وشرق بروسيا. بُني وادي نهر فيستولا في 1811-1812 بصفته قاعدة للإمداد. أنشأ المراقب العام غيوم-ماتيو دوماس خمسة خطوط إمداد من نهر الراين إلى فيستولا. نُظمت ألمانيا وبولندا الخاضعتين للسيطرة الفرنسية في ثلاث مقاطعات بمقار إدارية خاصة بها. كان التعزيز اللوجستي الذي أعقب ذلك بمثابة اختبار خطير لمهارة نابليون الإدارية واللوجستية، الذي كرس جهوده خلال النصف الأول من عام 1812 إلى حد كبير لتزويد جيش الغزو الخاص به. درس نابليون الجغرافيا الروسية وتاريخ غزو تشارلز الثاني عشر في 1708-1709 وأدرك الحاجة إلى تقديم أكبر عدد ممكن من الإمدادات. كان للجيش الفرنسي بالفعل خبرة سابقة في العمل في ظروف قليلة السكان وغير متطورة في بولندا وبروسيا الشرقية خلال حرب التحالف الرابع في 1806-1807.

اعتاد نابليون والجيش الكبير على الاعتماد على الأرض التي كانت تخدمهم جيدًا في وسط أوروبا المكتظ بالسكان والغني بالزراعة بشبكتها الكثيفة من الطرق. أدت الحملات القسرية السريعة إلى الذهول والارتباك بين الجيوش النمساوية والبروسية قديمة الطراز، واستُخدم الكثير للبحث عن الطعام. غالبًا ما كانت الحملات القسرية في روسيا تجعل القوات تستغني عن الإمدادات إذ كانت عربات الإمداد تكافح من أجل مواكبة ذلك؛ علاوةً على ذلك، تعطلت العربات التي تجرها الخيول والمدفعية بسبب وعورة الطرق التي غالبًا ما تحولت إلى برك من الوحل بسبب العواصف الممطرة. أدى نقص الغذاء والماء في المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة والأقل كثافة من الناحية الزراعية إلى موت القوات ومطياتهم إذ تعرضوا للأمراض المنتقلة بمياه الشرب من البرك الطينية وأكل الطعام الفاسد والأعلاف. تلقت مقدمة الجيش كل ما يمكن تقديمه بينما جاعت التشكيلات التي كانت وراءها.

الذخيرة

أنشِئت ترسانة ضخمة في وارسو. تركزت المدفعية في ماغدبورغ ودانزيغ وستتين وكوسترين وغلوغاو. احتوت ماغدبورغ على قطار مدفعية حصار به 100 مدفع ثقيل ويُخزن 462 مدفعًا ومليوني خرطوشة ورقية و135 طنًا من البارود؛ كان في دانزيغ قطار حصار به 130 مدفعًا ثقيلًا و130 طن من البارود؛ احتوى ستتين على 263 بندقية ومليون طلقة و90 طنًا من البارود. احتوت كورستين على 108 بنادق ومليون طلقة. احتوت غلوغاو على 108 بنادق ومليون طلقة و45 طنًا من البارود.  أصبحت وارسو ودانزيج ومودلين وثورن ومارينبورغ مستودعات للذخيرة والإمداد أيضًا.

المؤن والنقل واستكمال التحضيرات
احتوت دانزيغ على ما يكفي من المؤن لإطعام 40 ألف رجل لمدة 50 يومًا. حولت بيرسلاو وبلوك وويزوغرو إلى مستودعات للحبوب، وطحن كميات هائلة من الدقيق لتسليمه إلى ثورن، حيث أنتج 60 ألف قطعة بسكويت يوميًا. أنشئ مخبز كبير في فيلنبرغ. جُمع 50 ألف رأس ماشية لمتابعة الجيش. بعد بدء الغزو، أنشئت مخازن ذخيرة كبيرة في فيلنيوس، كاوناس ومينسك مع قاعدة فيلنيوس التي تحتوي على حصص تكفي لإطعام 100 ألف رجل لمدة 40 يومًا. احتوت أيضًا على 27 ألف بندقية و30 ألف زوج من الأحذية إلى جانب البراندي والنبيذ. أنشئت مستودعات متوسطة الحجم في سمولينسك وفيتيبسك وأورشا، جنبًا إلى جنب مع العديد من المستودعات الصغيرة في جميع أنحاء روسيا الداخلية. استولى الفرنسيون أيضًا على العديد من مخازن الإمدادات الروسية السليمة، والتي فشل الروس في تدميرها أو تفريغها، وكانت موسكو نفسها مليئة بالطعام.  وفرت عشرون كتيبة قطار معظم النقل، بحمولة مجتمعة تبلغ 8390 طنًا. كان في اثني عشرة من هذه الكتائب ما مجموعه 3024 عربة ثقيلة تجر كل واحدة منها أربعة خيول لكل منها، وأربع منها بها 2424 عربة خفيفة يستطيع حصان واحد جرها وأربعة بها 2400 عربة تجرها الثيران.  شُكلت قوافل الإمداد بناءً على أوامر نابليون في أوائل حزيران 1812، باستخدام المركبات التي استولى عليها الفرنسيون في شرق بروسيا.  أخذ الفيلق الرابع بقيادة المارشال نيكولاس اودينو بمفرده 600 عربة جُمعت لتشكل في ست وحدات. كان من المفترض أن تحمل عربات القطارات ما يكفي من الخبز والدقيق والإمدادات الطبية لـ 300 ألف رجل لمدة شهرين.

نتيجة التحضيرات

الهجمات الروسية على القوات الفرنسية خلال هروبها من روسيا
الهجمات الروسية على القوات الفرنسية خلال هروبها من روسيا

أثبتت العربات الثقيلة القياسية، المناسبة تمامًا لشبكات الطرق الكثيفة والمعبدة جزئيًا في ألمانيا وفرنسا، أنها غير صالحة أبدًا بالنسبة للطرق الترابية المتناثرة والبدائية الروسية. لذلك كان طريق الإمداد من سمولينسك إلى موسكو يعتمد كليًا على العربات الخفيفة ذات الأحمال الصغيرة. ترجع الخسائر الفادحة للمرض والجوع والانشقاق في الأشهر الأولى من الحملة إلى عدم القدرة على نقل المؤن بالسرعة الكافية إلى القوات. فشلت إدارة الإشراف الرسمية بتوزيع الإمدادات بصرامة ودقة التي خُزنت أو استولى عليها. من خلال ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الاستعدادات، لم يكن الجيش الكبير مكتفيًا ذاتيًا من الناحية اللوجستية وبقي يعتمد على البحث عن الطعام إلى حد كبير.

لعبت الإمدادات غير الكافية دورًا رئيسيًا في الخسائر التي تكبدها الجيش أيضًا. سجل دافيدوف ومشاركين روس آخرين في الحملة استسلامًا بالجملة لأفراد جياع من الجيش الكبير حتى قبل بداية الصقيع. يصف كولينكورت الرجال الذين كانوا يحتشدون ويتخلون عن الخيول التي انزلقت وسقطت، حتى قبل أن يقتل المخلوق المسكين. كان هناك تقارير شهود عيان عن أكل لحوم البشر. كان الفرنسيون ببساطة غير قادرين على إطعام جيشهم. أدى الجوع إلى فقدان التماسك بشكل عام. زادت المضايقات المستمرة للجيش الفرنسي من قبل القوزاق من الخسائر خلال الانسحاب.

إعلان الحرب

التزم ألكسندر الأول بالسياسة التوسعية التي اتبعتها  الامبراطورة كاترين العظيمة، فأصدر إنذارًا أخيرًا يطالب فيه فرنسا بإجلاء قواتها من بروسيا ودوقية وارسو الكبرى في  نيسان1812. اختار نابليون الحرب على الانسحاب.

اصدر نابليون الى جنوده النداء التالي

غزو نابليون لفرنسا
غزو نابليون لفرنسا

“يا أيها الجنود، بدأت الحرب البولندية الثانية. انتهت الأولى في فريدلاند، وفي تيلسيت تعهدت روسيا بتحالف أبدي مع فرنسا، وبالحرب على الإنجليز. إنها الآن تخرق عهودها وترفض إعطاء أي تفسير على سلوكها الغريب حتى تتراجع النسور الفرنسية عن نهر الراين، وتترك حلفاءنا تحت رحمتها. تعجل روسيا بهلاكها: ستلاقي مصيرها. أتظننا نتدهور؟ ألسنا الجنود الذين قاتلوا في أوسترليتز؟ إنها تضعنا بين الخزي والحرب – لا يمكن لخيارنا أن يكون صعبًا. فلنتقدم إلى الأمام إذن؛ فلنعبر نهر نيمن وننقل الحرب إلى موطنها. ستكون هذه الحرب البولندية الثانية مهيبة للسلاح الفرنسي بقدر ما كانت الحرب الأولى، لكن السلام الذي سنبرمه سيحمل معه ضماناته الخاصة، وسينهي التأثير المدمر الذي مارسته روسيا في الخمسين عامًا الماضية على أوربه”.

وفي العام 1812، جمع نابليون جيشاً ضخماً قُدّر بحوالي نصف مليون جندي (أقلّ أو أكثر بقليل) كما ضمّ قوات عسكرية من معظم أنحاء أوربة بهدف مواجهة الجيش الروسي، الذي كان يبلغ تعداده نحو 200 ألف عسكري. بين 8 و20 حزيران  كانت القوات في حركة مستمرة وكان عليها القيام يوميًا بأشق المسيرات في أكثر درجات الحرارة سوءًا.

كان الإمبراطور الفرنسي يريد تحقيق انتصارٍ عسكري سريع يُجبر ألكسندر الأول على التفاوض معه، وكان يدرك جيداً أنه لن يحارب الروس فقط، بل سيكون أيضاً في مواجهة طقسها القاسي. لذلك قرر أن يغزوها مع بداية الصيف.

الغز وعبور الحدود الروسيةبعد يوم كامل من التحضير، وفي مساء يوم 23 حزيران، احتل موران برفقة مهندسين عسكريين الجانب الآخر من نهر نيمن. في صباح اليوم التالي،  ثم عبر نابليون متبوعًا بالحرس الإمبراطوري (47,000) النهر على أحد الجسور العائمة الثلاثة القريبة من تلة نابليون. بعد ذلك، عبر سلاح الفرسان التابع لمورات مع ثلاثة فيالق (قرابة 180,000 رجل) النهر متجهين إلى فيلينوس. تبعوا بعدها الجيش الغربي الأول بقيادة باركلي دي تولي إلى دريسا وبولوتسك. بدأ الغزو يوم الأربعاء، 24 حزيران 1812 بعبور جيش نابليون الحدود. قُسم الجيش إلى خمسة أرتال:

اذن دخلت الكتائب الأولى لجيش نابليون إلى الأراضي الروسية يوم 24 حزيران 1812، فانسحب الجنود الروس من مواقعهم؛ وفي غضون 3 أيامٍ فقط، كانت القوات الفرنسية قد استولت على مدينة فيلنا (التابعة حالياً لدولة ليتوانيا).عبر الجناح الأيسر بقيادة ماكدونالد مع فيلق إكس المكون من 30,000 رجل (نصفهم بروسيون) نهر نيمن في تيلسيت، تُدعى اليوم سوفيتسك. انتقل شمالًا إلى كورلاند لكنه فشل في احتلال ريغا. في أوائل آب احتل دونابرغ؛ في أوائل  ايلول عاد إلى ريغا بكامل رجاله وعتاده. في 18 كانون الاول، بعد أيام قليلة من فقدان كاوناس، عاد إلى كونيغسبيرغ، وتبعه فيتغنشتاين. في 25  كانون الاول، وجد يورك (فون فارتنبرغ) نفسه معزولًا لأن الجيش الروسي أغلق الطريق أثناء انسحابه. وبعد خمسة أيام حثه ضباطه وبحضور كلاوزفيتز، على تحييد قواته وطرح اتفاقية هدنة. كان لقرار يورك عواقب وخيمة.

دفع نابليون في حملته على روسيا بجيش ضخم وصل تعداده 680,000 جندي 300,000 منهم فرنسيون. اندفع الجيش الفرنسي بسرعة لمسافات بعيدة عبر  روسيا الاوربية في محاولة لملاقاة الجيش الروسي في معركة حاسمة. غير أن كل المعارك التي دخلها الجيش الفرنسي كانت مواجهات صغيرة بإستثناء معركة واحدة كبيرة عند  سمولنسك في شهر آب. تمنى نابليون أن تنهي هذه المعركة توغله داخل روسيا إلا أن الجيش الروسي انسحب شرقًا داخل روسيا تاركًا سمولينسك لتحترق.انهارت خطة نابليون التي كان قد أعدها لمعركة سمولينسك وإضطر لمواصلة التحرك شرقا لمطاردة الجيش الروسي.

 

 

عبور الجيش الفرنسى لنهر ننيمان
عبور الجيش الفرنسى لنهر ننيمان

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فقد ضربت عاصفة رعدية قوية المدينة في الليلة التي احتلها الجنود الفرنسيون، وحملت معها الأمطار المُتجمدة والصقيع، ما تسبب بموت عددٍ كبير من الجنود، وفرار آخرين بحثاً عن الطعام.

ووفقاً لموقع History، فقد احتفظ نابليون بتفاؤله رغم البداية المتشائمة، وقال لمستشاريه الرئيسيين: “لقد جئت إلى هنا للقضاء وإلى الأبد على هؤلاء البرابرة الشماليين. يجب إعادتهم إلى جليدهم حتى لا يتدخلوا طيلة الـ25 سنة المقبلة، في شؤون أوربه المتحضرة”.

نابليون بونابرت
نابليون بونابرت

ومع تراجع الجيش الروسي إلى داخل البلاد، أوكلت للقوزاق مهمة إحراق القرى والمدن والمحاصيل قبل تقدم الجيش الفرنسى إليها. كان الغرض من عملية الإحراق حرمان الفرنسيين من إمكانية الإعتماد على ما تحويه المدن والقرى الروسية من مواد غذائية وغيرها لتموين الجيش الغازى. فؤجئ الفرنسيون بخطة الروس (سياسة الارض المحروقة) وبحجم الدمار الذي ألحقوه بممتلكاتهم وأراضيهم. دفعت هذه الخطة الفرنسيين لمحاولة إمداد جيشهم عبر خطوط إمداد طويلة وصعبة أثبتت لاحقا فشلها في إمداد الجيش. دفع الجوع والبؤس الجنود الفرنسيون لمغادرة معسكراتهم ليلًا للبحث عن الطعام وكانوا غالبًا ما يقعون فريسة سهلة للقوزاق الذين أسروا أو قتلوا الكثير منهم.

استمر انسحاب الجيش الروسي إلى داخل البلاد لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا. أدى تواصل الانسحاب وفقدان المزيد من أراضى روسيا للفرنسيين إلى غضب كبير في أوساط النبلاء الروس الذين ضغطوا على القيصر  الكسندر الاول حتى أقال قائد جيشه . وعين المحارب المخضرم الأمير  ميخائيل كونوروف قائدًا جديدًا للجيش.

في السابع من ايلول1812 لحق الجيش الفرنسى بالجيش الروسي الذي كان قد حصن نفسه في التلال المحيطة ببلدة صغيرة تسمى بوردينو تقع غرب موسكو بحوالى 70 ميلًا، وقعت هناك  اكبر معركة في كل الحروب التي خاضاها نابليون، حيث اشترك بها 250,000 جنديًا وقع منهم 70,000 قتيلًا، وعلى الرغم من تحقيق فرنسا النصر بالمعركة إلا أن ثمنه كان غاليًا بوفاة الآلاف من الجنود و 49 ضابطًا. وفي اليوم التالي نجح الجيش الروسي في تخليص نفسه وواصل انسحابه شرقًا تاركًا الفرنسيين بدون النصر الحاسم الذي كانوا يأملون به.

حريق موسكو  1812)

دخل نابليون وجيشه موسكو بعد أسبوع واحد من معركة بوردينو ليجد الروس قد انسحبوا منها بعد أن أحرقوها بناء على أمر حاكمها الكونت فيودور روستويشين. لم يعط سقوط موسكو نابليون النتيجة التي كان يرجوها وهى النصر الحاسم في الميدان . أيضًا لم يطلب القيصر السلام مع فرنسا بعد سقوط موسكو وعرف الطرفان أن الوقت لم يكن في صالح نابليون الذي كان وضعه يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. ومع ذلك بقى نابليون بموسكو انتظارًا لمبادرة القيصر لعقد الصلح معه. تعزز اعتقاد نابليون بقرب طلب الروس لعقد سلام معه بعد أن انتشرت معلومات (تبين فيما بعد عدم صحتها) عن لنتشار مشاعر السخط وتدني معنويات الجنود الروس. بعد أن بقى نابليون بموسكو شهرًا خرج بجيشه متوجها إلى الجنوب الغربي من موسكو بإتجاه مدينة كالوغا حيث كان كوتوزوف قد عسكر بجيشه هناك.

أوقفت قوة روسية تقدم الفرنسيين باتجاه كالوغا. حاول نابليون مرة أخرى إجبار الروس على الدخول معه في معركة حاسمة بالقرب من بلدة مالوباروسلافيتش، إلا أن الروس انسحبوا كالعادة، بالرغم من تمتعهم بموقع إستراتيجي، ليؤكدوا إستمرارهم في خطتهم القائمة على تجنب الدخول مع الفرنسيين في مواجهة حاسمة. أجبر قرب حلول الشتاء وعدم وجود ملابس شتوية للجنود وقلة المؤن والإجهاد الشديد الذي حل بالجنود والخيل أجبرت كل هذه العوامل نابليون على التراجع على أمل التمكن من تموين جيشه في  سمولنسك ثم في فيلينيوس  لاحقًا.

عانى الجيش الفرنسي خلال الأسابيع التالية من الجوع والبرد مع بداية فصل  الشتاء الروسي القاسي. أدى نقص المؤن والغذاء للجنود والخيل والبرد القارس والهجمات المتكررة للفلاحين الروس على أطراف القوات الفرنسية إلى خسارة العديد من الأرواح في صفوف الجيش الفرنسي، كما أدت تلك العوامل إلى خسارة الجيش الفرنسي تماسكه ونظامه. وبحلول شهر نوفمبر 1812 وعند عبور الجيش الفرنسيلنهر بيريزينا لم يتبق بالجيش سوي 27,000 جندي بعد أن تكبد جيش نابليون الكبير 380,000 قتيلًا وحوالي 100,000 أسيرًا.

انسحاب نابليون من روسيا، ب

لم يبقى نابليون في روسيا كثيرًا بعد عبور نهر بيريزينا واتجه عائدًا الى باريس بموافقة (وحتى تشجيع) قواده ليدافع عن منصبه كإمبراطور لفرنسا وليحاول حشد المزيد من القوات لمواجهة الروس. انتهت حملة نابليون على روسيا عمليًا في الرابع عشر من كانون الاول 1812، أي بعد أقل من ستة أشهر على بدايتها، بمغادرة آخر القوات الفرنسية لأرض روسيا.

عاد نابليون بونابرت بعد 6 أشهر نحو فرنسا وهو يجر أذيال الخيبة فعبر منتصف شهر كانون الأول من نفس السنة نهر نيمان (Neman) رفقة نحو 40 ألفا فقط بعد أن خسر النسبة الكبرى من قواته بسبب المرض والجوع والبرد الروسي القاسي.

صورة للإمبراطور الروسي ألكسندر الأول
صورة للإمبراطور الروسي ألكسندر الأول

خلال مسيرته كإمبراطور لفرنسا، حاول نابليون بونابرت في مناسبتين الزواج بأميرة روسية. فعقب مضي فترة وجيزة عن توقيع اتفاقية تيلسيت، تقدم نابليون بونابرت للزواج من كاثرين بافلوفنا (Catherine Pavlovna) شقيقة الإمبراطور الروسي ألكسندر الأول إلا أن الأخير رفض ذلك تخوفا من إمكانية ظهور نفوذ لبونابرت بروسيا. وخلال العام 1810، حاول نابليون مرة ثانية التقرب للعائلة الحاكمة بروسيا فتقدم للزواج من الأميرة الروسية آنا بافلوفنا (Anna Pavlovna)، شقيقة الإمبراطور ألكسندر الأول البالغة من العمر 14 عاما، إلا أن طلبه قوبل بالرفض مرة أخرى.

مزّقوا أجساد الحيوانات النافقة ودخلوها للتدفئة.. كيف خسر نابليون نصف مليون جندي بسبب الصقيع الروسي؟
مزّقوا أجساد الحيوانات النافقة ودخلوها للتدفئة.. كيف خسر نابليون نصف مليون جندي بسبب الصقيع الروسي؟

الطقس واستراتيجية الأرض المحروقة أنهكا فرنسا

اعتمد القيصر الروسي استراتيجية “الأرض المحروقة”، لإنهاك الجيش الفرنسي ومنعه من الحصول على التموين اللازم الذي قد يساعده في الصمود، وللتأثير سلباً على معنوياته.

ففي تموز، انسحب الجنود الروس أيضاً من مدينة “فيتيسك”، بعد أن أحرقوا مستودعاتها العسكرية وجسرها الاستراتيجي؛ ثم انسحبوا من مدينة “سمولينسك”، بعدما أحرقوها، وأحرق الفلاحون محاصيلهم الزراعية، لتفادي وقوعها بين أيدي الفرنسيين.

تزامن ذلك مع ارتفاعٍ شديد في درجات الحرارة خلال شهري تموز واب؛ ما تسبب في إصابة عددٍ كبير من الجنود الفرنسيين بأمراضٍ تنتقل بواسطة الحشرات، مثل مرض “التيفوس”، والأمراض المرتبطة بالمياه غير الصالحة للشرب، مثل “الزحار”.

لم ينظم الجيش الروسي صفوفه بشكلٍ جيد حتى معركة بورودينو في أيلول 1812، حين تقاتل الجيشان بنيران المدفعية، ما أسفر عن خسائر فادحة أصابت الطرفين؛ يُقال إن هذه المعركة وحدها تسببب بقتل نحو 100 ألف جندي.

فضّل الروس الانسحاب من المعركة في اليوم التالي، فدخل الجيش الفرنسي إلى العاصمة موسكو في 14 أيلول، بعدما أحرقوها كما فعلوا في مدنٍ سابقة. ولكنهم تركوا هذه المرة كمية كبيرة من الخمور، فوقع الفرنسيون في الفخ وأمضوا ليالي طويلة يشربون الخمر.

نابليون وجنوده في مدينة سمولينسك المحترقة
نابليون وجنوده في مدينة سمولينسك المحترقة

وخلال شهر، بدأت العواصف الثلجية في ضرب موسكو، فقرر بونابرت الخروج من العاصمة، بعدما أيقن استحالة بقاء جيشه على قيد الحياة خلال فصل الشتاء؛ لاسيما أنه لم يتبقَّ سوى 100 ألف جندي على قيد الحياة.

خطط للانسحاب نحو الجنوب، لكن قواته اشتبكت مع الجيش الروسي في مدينة “مالوياروسلافيتس” بعدما أعاد تنظيم صفوفه، فأُجبرت على العودة إلى الوراء.

كانت طريق العودة مُنهكة لجنود نابليون الذين كانوا يتعرضون لهجومٍ مستمر من الروس، ومنهكة للخيول أيضاً التي كانت تنفق بشكلٍ جماعي. وقد ازداد تأزم الوضع لما حلّ الشتاء قبل موعده، حاملاً معه رياحاً عاتية وثلوجاً كثيفة وصقيعاً.

تسبب الطقس في موت آلاف الفرنسيين، وتقول بعض المراجع إن الحالة الكارثية التي عاشها الجنود وقتئذٍ بلغت إلى حد أنهم كانوا يمزقون أجساد الحيوانات النافقة، حتى يدخلون إليها ويشعرون ببعض الدفء.

استمر الوضع على ما هو عليه حتى كانون الأول، حين سلّم نابليون بونابرت قيادة الجيش لصهره الماريشال  يواكيم مورات، وعاد مُسرعاً إلى باريس بعدما راجت شائعات حول محاولة انقلابٍ ضد عرشه.

أما جنوده، فقد عبروا نهر نيمان عائدين إلى فرنسا، بعدما تعرضوا لأول وأكبر هزيمة لهم في أوربه.

بداية نهاية إمبراطورية نابليون 

بعد تلك الهزيمة، انضمت النمسا وبروسيا والسويد إلى روسيا وبريطانيا، في القتال ضدّ نابليون. ورغم أن الإمبراطور الفرنسي كان قادراً على تكوين جيشٍ ضخم، إلا أنه كان يفتقر إلى الفرسان المتمرسين والجنود ذوي الخبرة.

حقّق في البداية بعض الانتصارات ضدّ أعدائه، قبل أن يتعرض لهزيمةٍ ساحقة في أكتوبر/تشرين الأول 1813 في معركة لايبزيج بألمانيا، على يد التحالف الأوروبي، الذي استولى على باريس في آذار 1814.

الجيش الفرنسي يعبر نهر نيمان في طريق عودته إلى فرنسا
الجيش الفرنسي يعبر نهر نيمان في طريق عودته إلى فرنسا

وفي 6 أنيسان 1814، أُجبِرَ -وهو في منتصف الأربعينيات من عمره- على التنازل عن العرش. وبموجب معاهدة “فونتينبلو”، نُفِيَ بونابرت إلى جزيرة إلبا في البحر المتوسط، قبالة شواطئ إيطاليا.

وبعد أقل من عامٍ واحد فرَّ نابليون من جزيرة إلبا، وأبحر إلى البر الرئيسي في فرنسا. ووفقاً لكتاب فرانك ماكلين عن نابليون، عاد الإمبراطور إلى باريس في 20  آذار، حيث سعى لاستعادة الأراضي التي فقدها في أوربه.

خاض حرب المائة يوم، ولكنه في الحقيقة كان يتجه إلى الهاوية أكثر، لا سيما أنه تعرض لهزيمة نكراء جديدة في معركة “واترلو” أمام جيشَي بريطانيا وبروسيا.

كانت تلك الحملة الفرنسية الفاشلة بداية النهاية لطموحات بونابرت، الذي تنازل عن العرش في 22 حزيران بعد أن طاردته قوات التحالف إلى باريس. وبذلك، تكون قد انتهت حرب المئة يوم بخسارة فادحة لنابليون.

سقطت باريس بأيدي التحالف، قبل أن يسلّم بونابرت نفسه في 15 تموز على ظهر سفينة “بلروفون”، التي أبحرت به إلى بريطانيا.

غزو نابليون لفرنسا
غزو نابليون لفرنسا

ويكيبيديا ومصادر متعددة

 

 

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *