القيامة

متى كان المسيحيون يُعيِّدون عيد الفصح في القرنين الثاني والثالث الميلاديين؟

متى كان المسيحيون يُعيِّدون عيد الفصح في القرنين الثاني والثالث الميلاديين؟

 

يحتل عيد الفصح المنزلة الكبرى والرئيسة بين كل الأعياد الليتورجية، فهو من أقدم الأعياد في الكنيسة ومحور السنة الطقسية كلّها، وقد دعاه القديس يوحنا الدمشقي “عيد الأعياد وموسم المواسم” (قانون الفصح، إرموس الأوذية الثامنة).
خلال القرنين الثاني والثالث من تاريخ الكنيسة، لم يكن الإحتفال بعيد الفصح موحّداً بين جميع المسيحيين في كل العالم، فرغم الإدراك بأهمية ومركزية حدث صلب المسيح وموته وقيامته في الإيمان المسيحي، والحاجة إلى تعييد الفصح في موعد واحد، إلّا أنه بسبب إضطهاد الإمبراطورية الرومانية الوثنية للمسيحيين، حال ذلك دون تمكّن رؤساء الكنائس في كل أنحاء المعمورة أن يجتمعوا معاً ويتخذوا قراراً عاماً في هذه المسألة.
لذلك نجد أنه منذ القرن الثاني للميلاد، وُجدَت لدى الكنائس عادَتَين مختلفتين في تحديد الموعد السنوي لعيد الفصح. فكانت كنائس آسيا الصغرى وكيليكيا وسورية وبلاد ما بين النهرين، تُعيّد الفصح في اليوم الرابع عشر من شهر نيسان العبري (القمري) تذكاراً لصلب الرب يسوع المسيح، وفي السادس عشر منه تذكاراً لقيامته من بين الأموات، وذلك في أي يوم من الأسبوع إتفق وقوعهما، أعني دون مراعاة أن يكون يوم “الجمعة” تذكاراً لموته على الصليب، ويوم “الأحد” تذكاراً لقيامته من الأموات.
هذه الكنائس كانت تعتبر أهمية هذين اليومين في عددهما الشهري 14 و 16 نيسان (القمري) اللذين فيهما تاريخياً تألّم ومات وقام الرب لا في غيرهما. لأن الرب يسوع المسيح، وفقاً للانجيل المقدس صُلِب عشيّة الفصح اليهودي، في نفس الميعاد الذي كان يُذبح فيه خروف الفصح في الهيكل (خروج 12: 6 واللاويين 23: 5 والعدد 9: 2). وقد أطلق على هؤلاء لقب “الأربعَشريين” (Quartadecimanians) لتمسّكهم الشديد بالحفاظ على تاريخ “الرابع عشر” من شهر نيسان (العبري) تذكاراً لآلام المسيح وصلبه.

القيامة
القيامة
أما كنائس اليونان ومصر والبُنطس وفلسطين وروما مع كنائس الغرب عامةً، لم تعتبر الأهمية في عدد اليوم من الشهر العبري، بل في إسمه الأسبوعي، أي الجمعة والأحد. بمعنى، هذه الكنائس كانت ترى ضرورة أن يكون “الجمعة” تذكاراً لصلب المسيح وموته، و”الأحد” تذكاراً لقيامته. ولهذا السبب، في السنوات التي لا يتّفق فيها أن يكون الرابع عشر من نيسان (العبري) يوم جمعة، تُعيّد لآلام الرب وصلبه وموته في أول يوم جمعة بعده، ثم القيامة في يوم الأحد. وهكذا كان من الممكن أن يُعيّد كِلا الفريقين بفارق أسبوع بينهما.
وهكذا كانت عند المؤمنين عادتين، وكان الفريق الأول (الأربعشريين) يُرجعون تسلُّم هذه العادة إلى الرسولين يوحنا وفيليبس، أما الفريق الثاني ينسبون تسلُّمها إلى الرسولين بطرس وبولس (المؤرّخ إفسافيوس القيصري، التاريخ الكنسي، فصل 5: 23-25)
رغم وجود هذا الخلاف، باختلاف هاتين العادتين، إلاّ أن ذلك لم يقطع أبداً رُبُط السلام والمحبة ووحدة الإيمان بين الكنائس، لأنه لم يكن خلافاً عقائدياً يمسّ جوهر الإيمان والعقيدة، ولكن دون شك كان الشعور يزداد بأهمية أن يكون الإحتفال بالفصح في موعد واحد، كعلامة وشهادة ظاهرية على رباط الوحدة الداخلية والليتورجية للكنيسة.

محاولات التوفيق

خلال القرن الثاني جرت أكثر من محاولة للتوفيق بين هذين التقليدَين، السائدَين في الكنيسة، ولعلّ أبرزها المحاولة التي قام بها القديس بوليكاربوس أسقف إزمير (سميرنا) تلميذ الرسول يوحنا، الذي سافر إلى روما بين الأعوام (160 -163) لقضاء مصالح متعدّدة وإنهاء بعض المسائل، من ضمنها مسألة تاريخ الفصح، آملاً أن ينجح في إقناع البابا أنيكيطوس العاشر بأن تُعيّد كنيسة روما الفصح مثل كنائس آسيا. فقام خلافٌ وجدالٌ بينهما في أية عادة هي الأصحّ، وكان كلٌ منهما يؤيّد عادته بنسبتها إلى تسليم الرسل القديسين كما تقدّم ذكره. ولكن لا البابا أنيكيطوس إستطاع إقناع بوليكاربوس في ترك العادة الجارية عليها كنائس آسيا، ولا بوليكاربوس نجح في إقناع البابا لتبديل العادة المتّبعة في كنيسة روما، وظلّ كلٌ منهما محافظاً على عادته في تعييد الفصح. ورغم خلاف الرأي وعدم التوصل إلى إتفاق، ظلّوا محافظين على رباط المحبة الأخوية والسلام والوحدة الإيمانية والشركة الكنسيّة فيما بينهما، وقد تجلّى ذلك باشتراكهما معاً في خدمة القداس الإلهي، وتناول جسد الرب ودمه الكريمين من الكأس الواحدة المشتركة.
وإستمرت الكنائس في أنحاء المعمورة تحتفل بالفصح المقدس، كل كنيسة حسب إحدى هاتين العادتين، وكان الشعور يتعمّق مع الوقت بوجود حاجة وضرورة إلى توحيد الفصح بين الجميع.

المطران جراسيموس مسرة صاحب تاريخ الانشقاق
المطران جراسيموس مسرة صاحب تاريخ الانشقاق
في سنة 313م أصدر الإمبراطور قسطنطين الكبير “مرسوم ميلانو” (Edict Milano) الذي بموجبه سمح بحرية العبادة للجميع في أنحاء الإمبراطورية. فتوقف إضطهاد المسيحيين، ونعمت الكنيسة بالسلام. وبعد 12 سنة من هذا التاريخ، دعى قسطنطين الكبير أساقفة الكنيسة الجامعة، شرقاً وغرباً، للاجتماع في مدينة نيقية لمناقشة بدعة آريوس وتعليمه الهرطوقي حول عدم مساواة الإبن للآب في الجوهر الإلهي. وكان إنعقاد هذا المجمع المسكوني الكبير والأول في تاريخ الكنيسة سنة 325م، فرصة تاريخية حسمَ فيها الآباء القديسون الخلاف القائم بين الكنائس حول الفصح، ووضعوا فيه القواعد والشروط التي تُحدِّد موعده السنوي لتلتزم بها كل الكنائس، وما زالت الكنيسة الأرثوذكسية تراعي هذه الشروط، وتحترم هذه القواعد وتلتزم بها بكل تدقيق وأمانه كما سنراها ونتعرّف عليها في المقالة القادمة.
بقلم: الأب رومانوس الكريتي .

كتاب تاريخ الانشقاق للمطران جراسيموس مسرة
كتاب تاريخ الانشقاق للمطران جراسيموس مسرة
{المرجع: تاريخ الانشقاق، جراسيموس مسرّة متروبوليت بيروت وتوابعها، الطبعة الثانية، بيروت 1931، صفحة 64 -65}

 

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *