أحد جميع القديسين الأنطاكيين
القديس حنانيا الرسول: اول أسقف لدمشق وهو احد الرسل السبعين الذي عمّد القديس بولس، ومؤسس الجماعة المسيحية في دمشق وهي الجماعة المسيحية الاولى بعد اورشليم.
القديس يوحنا الدمشقي: اللاهوتي العظيم الذي دافع عن الإيقونات وعاش في دير مار سابا. كاتب نشيد الظفر الخالد ” المسيح قام” وملحنه ومنظم الموسيقى الرومية البديعة والحانها ومقاماتها وميامر الكنيسة والدمشقيات….


خدمة القديسِين الأنطاكيين

نصّ قرار المجمع الأنطاكيّ المقدّس تحديد الأحد الثاني بعد العنصرة، أي الأحد الذي يلي أحد جميع القدّيسين عيدًا جامعًا للقدّيسِين الأنطاكيِّين.
القداسة في الكنيسة الارثوذكسية الانطاكية
القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية، هي الهاجس وهي المآل. إرادة الله قداستكم كما قيل. والقداسة هي الخلاص. ما معنى القداسة؟ مَن هو القدّيس؟ وما عن القدّيسين الأنطاكيّين؟ هذا ما نجد الجواب عليه في التالي:
الله قدّوس. هو الآخر بالكلية الذي لا بلوغ إليه إلاّ به. والقداسة هي الإشتراك في حياة القدّوس بنعمة منه. قطعة الحديد متى أُلقيت في النار اشتركت فيما للنار. صارت والنار واحدة. استحالت ناريّة. ومع ذلك تبقى حديداً. بمثل ذلك، متى اشترك المؤمن بالربّ يسوع في حياة الإله القدّوس صار وإيّاه واحداً. تَنَيرَن. تألّه وصار قدّيساً.

كنيسة المسيح هي كنيسة قدّيسين. لا مكان فيها إلاّ للقدّيسين. ليس القدّيس مَن يصنع العجائب بالضرورة. ليست القداسة خوارق بل حياة جديدة. القدّيس خاطئ أيضاً، مثلي ومثلك. وجلّ جلال مَن لا يُخطئ. يُخطئ لأنه ضعيف، لأن فيه ثقلاً يدفعه إلى الخطيئة. لكنه إنسان يؤمن بالله ويطلب الله ويعرف الله. يخطئ مرغماً، والخطيئة هي عبادة الذات والتنكّر لله. يطلب الله لذلك يطيعه. يجاهد ضدّ الخطيئة حتى الدم. لذلك هو التائب إلى ربّه أبداً. كلّما أبعدَته الخطيئة عن ربّه عاد إليه بتوبة أحرّ. وبالعودة تُغفر له خطاياه، كما تُنقّي النار الذهب من الخَبَث. وهو باق على هذه الوتيرة إقبالاً وإدباراً إلى أن تتخلّله محبّة الله، حياة الله، نار الله، فيعتصم بالله ولا يعود يُخطئ إليه من بعد. إذ ذاك يتقدّس كلّه بنعمة الله. يصير قدّيساً.
على هذا كان طبيعياً أن تذخر الكنيسة الأرثوذكسية في أنطاكية بالقدّيسين. هؤلاء نعرف قلّة منهم. وكلّهم عند ربّه مستبان. أما الذين تداول التراث الكنسي أسماءهم، جيلاً بعد جيل، فإن هم سوى عيّنة لاحظها المؤمنون وأثّرت في وجدانهم فأبرزوها، فيما يُسمّى بـ “إعلان القداسة”، وضمّنوها سنتهم الكنسيّة وأعيادهم، واتّخذوها قدوة ومعيناً وشفيعاً.
وعلى امتداد التاريخ الكنسي في هذه الديار لم تخلُ بقعة ولا زمان من القداسة والقدّيسين. عندنا أنه حيثما نضب معين القداسة كفّت الكنيسة عن أن تكون.
منذ القرن المسيحي الأول وسيل القدّيسين لا يتوقّف. المسيحيّون دُعوا كذلك أولاً في أنطاكية. بعض مَن ورد ذكره في أسفار العهد الجديد كان أنطاكياً – بالمدى الجغرافي الذي عرفته أنطاكية عبر التاريخ – نظير بولس الرسول ولوقا الإنجيلي وحنانيا الدمشقي. الأرض المقدّسة، في كل حال، إلى القرن الخامس الميلادي، كانت امتداداً أنطاكياً. في القرن الثاني الميلادي أسماء بارزة كانت من هنا كاغناطيوس الأنطاكي المستشهد سنة 117م. هذا في الوطن. وفي المهجر أيضاً كانت للأنطاكيين، منذ وقت مبكّر، شهادتهم. أنيقيتوس الشهيد، أسقف رومية الحادي عشر المتوفّى سنة ~ 161 م، كان حمصياً. إيريناوس الليّوني في بلاد الغال (فرنسا) كان من هذه الديار. والأسماء تتتالى. بعضهم سطع نوره في أرجاء المسكونة كبابيلا مؤدّب الملوك وملاتيوس الأنطاكي ويوحنا الذهبي الفم وأفرام وإسحاق السوريين ومارون الناسك القورشي وسمعان العمودي ومكسيموس الجولاني المعترف ويوحنا الدمشقي. كان منهم الرسول والنبي والمعترف والشهيد والمعادل الرسل والأسقف والناسك والطبيب والعادم الفضّة الصانع العجائب والمرنّم والمتباله والكاهن والشمّاس والعذراء والأرملة والولد والرضيع.
الكنيسة الكرجية، أي الجيورجية، تلمذها، في القرن السادس الميلادي، ثلاثة عشر راهباً سورياً. مشرِّع الكنيسة الأنكليكانية، القدّيس ثيودوروس كانتربري، في القرن السابع، كان من طرسوس الكيليكية. أوّل متروبوليت على كييف وسائر الروسية في القرن العاشر كان القدّيس ميخائيل السوري. أحد الذين أعادوا الحياة النسكية إلى إيطاليا في القرن السادس للميلاد كان إسحق السوري السبولاتي.

وسيل القدّيسين الأنطاكيين في زمن المسلمين لم يتوقّف البتّة. بات أغزر لأن أزمنة الضيق تجعل التوق إلى القداسة أحرّ. ثباتهم واستمرارهم كان هو البرهان. أما حفظ التواريخ والسجلات فأضحى صعباً، وأحياناً متعذّراً. مطالعة المخطوطات والوثائق القديمة المتبقّية تُبرز أسماء عدّة غابت عن التداول ردحاً من الزمان. من الأسماء المستعادة اليوم بطرس الحوراني المستشهد في زمن الأمويين (+715م)، والشهيد أنطونيوس القريشي والشهيد إيليا البعلبكي والبار تيموثاوس العمودي في زمن العبّاسيّين. في زمن الحمدانيين، في حلب، عندنا مثلاً البطريرك الشهيد خريستوفورس الأنطاكي (+967م)، صديق سيف الدولة الحمداني. وفي زمن المماليك، هناك أمثال الشهيد رزق الله بن نبع الدمشقي الطرابلسي والشهيد يعقوب الحمصي. وفي زمن العثمانيّين كثرة قضت كالشهيد جرجس الأسود الدمشقي والشهيد داود الحلبي (+1660م). ثم آخر قدّيس جرى إعلان قداسته عندنا، منذ عهد قريب، كان القدّيس الشهيد يوسف الدمشقي الذي قضى في أحداث 1860م. وهناك عدد من الأبرار، في الوقت الحاضر، ينتظر إعلان قداسته متى استُكملت الإجراءات المجمعية اللازمة. مثل هؤلاء البطريرك غريغوريوس الرابع حدّاد والشهيدان نقولا وحبيب خشّه والشهيد جبرائيل نصيرر والشهيد في الكهنة سليمان الأنطاكي. هؤلاء وسواهم مجّدوا الله بين القرنين التاسع عشر والعشرين.
وكما تنتشر القداسة في زمن أنطاكية الكنيسة تنتشر في كل موضع فيها. مراجعة جداول القدّيسين تزوِّدنا بأسماء تنتمي إلى الكثير من المناطق التي نعرف. دونكم مثلاً بربارة البعلبكية ولاونديوس الطرابلسي وبمفيلوس البيروتي وأكّلينا الجبيلية ودوروثاوس الصوري وثلالاوس جبل لبنان الصانع العجائب (القرن 3) وزنوبيوس الصيداني. وما يقال عن المناطق اللبنانية يقال أيضاً عن المناطق الأخرى في كل الكرسي الانطاكي المقدس…

كنيستنا الانطاكية المقدسة بقرار من مجمعها المقدس تريدنا أن تتذكّر أبناءها الذين أضاؤوا في هذه الأرض، وعاشوا الإنجيل بنفحة أنطاكيّة، وبدموع هذه البلاد، وبملح هذا الشرق.
وما يميّز قديسونا الأنطاكيّين أنّهم قدّيسو التجلّي وسط الانكسار. لم يعيشوا الإيمان في إمبراطوريّات مستقرة ولا في ظروف سهلة. عرفوا الاضطهاد، والفقر، والانقسامات والهرطقات والانشقاقات، والاحتلالات على مر الالفين المنصرمتين ولم نزل، وتعب الشعوب الارثوذكسية في كرسينا واليوم مع تنامي الهرطقات التي حاولت في القرون الثلاثة الماضية من تقسيمنا وقد عادت اليوم في ظروف المشرق الانطاكي الاليمة لتضرب مزودة بالمال والدعاية لتتابع التهديم من الداخل واقتناص اولاد البيعة الانطاكية الارثوذكسية. ومع ذلك، بقيت قلوبهم مشتعلة بالمسيح ويجب ان تبقى حاليا من خلال العائلة التي وصفتها انطاكية العظمى بأنها الكنيسة الصغيرة وفيها يكون التحصين الارثوذكسي والتأسيس لنكون كلنا في انطاكية مشروع قداسة بالرغم من كل التعاسة البشرية والحقد و….
أنطاكية نفسها هي مدينة التسمية الأولى. هناك، دُعي التلاميذ “مسيحيين” أولًا. ومنذ تلك اللحظة، صار للإيمان نَفَسٌ رسولّي حيّ، يمزج العقيدة بالشهادة والحياة. ولربما “الشاهد” قد تكون أفضل سمة للقدّيس الأنطاكي. فهو شاهد للمحبّة. شاهد للحقّ. شاهد للصبر. شاهد للفرح رغم الجراح.
ما يميّزهم أيضًا هو الجمع بين النسك والفكر والرأفة. فالقديس الأنطاكي ليس ناسكًا هاربًا من العالم. هو إنسانٌ يحمل العالم في قلبه. صلاته دموعٌ من أجل البشر.
يكفي أن نتأمّل في قديسَ أنطاكية العظيم، إغناطيوس حاملَ الله، الذي سار إلى الشهادة بقلبٍ ملتهبٍ حبًا للمسيح، فلم تُرهبه السلاسل ولا أخافته الوحوش. وما زال صوته يتردد عبر القرون، شاهدًا لإيمانٍ لا يتزعزع ومحبةٍ لا تنطفئ.

وننظر إلى القديس افرام السرياني الذي جعل من الشعر قصائد كنسيّة. في كلماته يشعر الإنسان أنّ الله أبٌ يلاحق أبناءه بالحنان.
وإذا وجّهنا عيوننا صوب القديس يوحنا الذهبيّ الفم، ابن البيئة الأنطاكيّة، الذي جمع بين عمق اللاهوت وحرارة القلب الإنساني، فنرى صوته نارًا ضد الظلم، ونجده أبًا للفقراء، يرى المسيح في الجائع والمتألّم. عظاته لم تكن نظرية. كانت خبزًا حيًّا للناس.
ومنهم أيضًا القديس سمعان العمودي الذي صعد إلى عموده ليصير علامة تشير إلى السماء. عجيبٌ كيف تحوّل حجر العمود إلى منبر صلاة للعالم كلّه.
وفي الأزمنة الأقرب إلينا، يظهر الشهداء الأنطاكيّون، يوسف وحبيب ونقولا، الذين حفظوا الإيمان وسط العنف والخوف، مؤكدين أنّ القداسة ليست حكاية قديمة. القداسة إمكانية حيّة حتى اليوم.
القديس الأنطاكي يشبه أرضه. متعبٌ أحيانًا، مجروحٌ كثيرًا، لكنه خصيب بالنعمة. فيه شيء من بخور الكنائس القديمة، ومن لغة الأمهات في الصلاة، ومن أجراس القرى، ومن دموع المؤمنين الذين تعلّموا أن يقولوا: “المسيح قام” حتى في أصعب الأيام. ونحن على الرجاء أن تعلن أمّنا الأنطاكيّة قريبًا قداسة أبناءها الذين سبقونا منذ بضع سنوات.
اليوم نعيّد لقدّيسينا الانطاكيين بمحبّة خاصة، لأنّهم آباؤنا وإخوتنا الكبار في الإيمان. هم الذاكرة الحيّة لكنيسة تعلّمت أن تبقى أمينة وسط العواصف، وأن تحوّل الألم والتعب إلى تسبيح ورجاء.
وهناك الكثير الكثير من القديسين المنسيين في دائرة الكرسي الانطاكي وسائر المشرق حتى في اصغر القرى ممن يتوجب البحث عنهم واظهارهم ومنهم من قدم كل مايملك وعاش اخرته راهبا فقيرا في دير كديمتري نقولا شحدادة الصباغ تلميذ القديس يوسف الدمشقي ومعلم العلامة جراسيموس مسرة وغريغوريوس جبارة وروفائيل هواويني…
خدمة أحد جميع القدّيسين
الرِّسالة
(عب 11: 33-40، 12: 1-2)

عَجِيبٌ هو اللهُ في قدِّيسيه
في المجامِعِ بَارِكُوا الله

الإنجيل:
متى 10: 32-33 و37 و19: 27- 30 (متى 1)
| طروباريَّة أحد جميع القدِّيسين باللَّحن الرَّابِع |
| أيُّها المسيحُ الإله، إِنَّ كنيسَتَكَ إذ قد تزيَّنَتْ بدماءِ شُهَدائِكَ الَّذين في كلِّ العالم، كأنَّها ببرفِيرَةٍ وأُرْجُوَان. فهي بهم تهتِفُ إليكَ صارِخَة: أَرْسِلْ رأفَتَكَ لشعبِكَ، وٱمْنَحِ السَّلامَ لكنيسَتِك، ولنفوسِنَا الرَّحمةَ العُظْمَى. |
| قنداق أحد جميع القدِّيسين باللَّحن الرّابع |
| أيُّها الرَّبُّ البارِئُ كلَّ الخليقةِ ومُبدِعُها، لكَ تُقَرِّبُ المسكونَةُ كبواكيرِ الطَّبيعة الشُّهَدَاءَ اللاَّبِسِي اللاَّهوت. فبتوسُّلاتِهِم اِحْفَظْ كنيسَتَكَ بسلامَةٍ تَامَّة لأَجْلِ والِدَةِ الإله، أيُّها الجَزِيلُ الرَّحْمَة. |
نعيّد في الأحد الذي يلي العنصرة للقديّسين الذين كانوا ثمرة الروح المنشئ القداسة.
الروح القدس الذي ينزل على الكنيسة جمعاء فتغتسل به، وينزل على كلّ واحٍد منّا، أفرادًا، فنتجدّد، إن إرتضينا هذه الولادة وجاهدنا بحق.
المسيحية مشروع قداسة، والكنيسة مكان قداسة، وغايتها الوحيدة أن نتّحد بالرّبّ القدّوس. ذلك أنّ السماء أُعلن فتحها مع تجسّد الله، ومن بعد فدائه وصعوده إليها لم تُغلق أبوابها، والروح يتدفّق منها وينشئ فينا قداسة. فإن لم نؤمن بأنّ روح القداسة ممكن اليوم وفاعل فكأنّنا نقول بأنّ المسيح لم يصعد إلى السماء ليرسل الروح وأنّه بقي دفين الأرض.
هذا العيد، إذًا، هو إعلان إرادتنا أنّنا نريد القداسة ولا شيء أقلّ منها.

هناك قدّيسون قدّموا شهادة حمراء وهناك قدّيسون قدّموا شهادة بيضاء.
الشهادة التي قدّموها بدمائهم تحيينا، ومن لم تهدر دماؤهم في سبيل الربّ يسوع المسيح أعطوه كلّ قلوبهم بجهادات لا توصف، وكان مكانه في القلب، القلب كلّه أي الذهن (NOUS).
نعيّد إذًا للقدّيسين الذين نحتفل بأعيادهم على مدار السنة وللقدّيسين الذين قرّبهم الله إليه ونحن لا نعرفهم.
نعيّد لهم ونحن نعي أنّهم لم يكونوا كلّهم طاهرين طوال عمرهم فمنهم من تاب بعد أن كان ظالمًا أو لصًّا وما إلى ذلك. نحن نعظّم جهودهم ولسنا متوهّمين أنّهم بلغوا القداسة الكاملة التي هي صفة الله وحده. هؤلاء نحبّهم ونذكرهم لأنّهم كانوا جدّيين في طاعة المسيح وساروا إلى البِرّ والطهارة سيرًا طويلاً. فالمسيح المبارك لم يحتكر المجد بل وزّعه، ولهذا نلتقط مجده على وجوههم إذا نظرنا إليهم. هكذا نتطلّع إليهم علّنا نتشبّه بهم وندرك البِرَّ الذي أدركوه. هؤلاء كلهم نسمّيهم الكنيسة الظافرة التي تحيا ببركاتها الكنيسة المجاهدة التي على الأرض، والتي لا تزال في حالة الجهاد ولم تكتمل طهارتها بعد، ولكنّها في إقامتها لهذه الذكرى تكون قد تعهّدت أنّها تشاء لنفسها ما شاءه العريس لها أن تكون “كنيسةً مجيدةً لا دنس فيها ولا غَضَن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدّسةً وبلا عيب“(أفسس٢٧:٥).
بذكرنا جميع القدّيسين فإنّنا نشتهي أن نكون هنا معًا، كما صاروا هم معًا. فهذا العيد ليس مجرّد انخطافٍ نرى فيه الأبرار واحدًا في السماء ولكنّه عهدٌ أن نصبح نحن الأرضيين واحدًا في المحبّة وواحدًا في الرسالة وواحدًا في صفاء الإيمان.
بولس الرسول كان يدعو كلّ المؤمنين “قدّيسين” بمعنى أنّهم مفروزون\مخصَّصون للمسيح ومعتزلون عن الخطيئة ليلتصقوا به. فبدون القداسة نحن مجموعةٌ دنيويّةٌ، سياسيّة. بالقداسة فقط نصير كنيسةً حيّةً، جسدًا للحيّ وحده الربّ يسوع المسيح.

الثقة والطاعة
أهمّ ما في الذكرى إذًا أنّنا ننطلق منها إلى العهد والوعد. فصحيح أنّ القداسة تنزل علينا نعمةً من فوق، ولكنّنا نفعلّها بالجهاد الروحيّ وهو إرادة القداسة، هذا ما ندعوه مؤازرة Synergy.
هذا الجهاد هو قبل كلّ شيء الطاعة لكلّ متطلّبات الإنجيل والطاعة تأتي من الثقة بأنّ الله يحبّك ويريد خلاصك.
فكلمة نسك asceticism هي التمرّس على تجسيد كلمة الله في حياتنا، القراءة الدائمة للكتاب المقدّس والكتب الروحيّة بعمقٍ ودوام الصلاة الحارّة والتوبة والافخارستيّة.
علينا الثقة به. هكذا ندخل في الإيمان الحقيقيّ الذي يجعلنا نسلّم أنفسنا إلى الرّب يسوع.

القداسة ممكنة اليوم لأنّها ظهرت في كلّ العصور وليس صحيحًا أنّ أيّامنا هي أسوأ الأيّام أو أنّ تجاربنا أقسى ممّا كانت تجارب الأسلاف. فلقد كانت الدنيا مليئة بالخطايا وما خَلَت فترةٌ من الزمان من الإغراء. مع ذلك صمد المؤمنون بيسوع أمام جاذبيّة الشهوة والمجتمعات الفاسقة وعاشوا في زهدٍ وصبرٍ ووداعةٍ وعفّةٍ لأنهم فضّلوا يسوع على كلّ شيء، لأنّ المسيح كان فرحهم. وقد سمعوا قول داود: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ” وعرفوا أنّ الكنيسة لا تحيا بالأمجاد وليست بحاجةٍ إلاّ لمجد الله. وقد فهم الصالحون أنّ المسيحيّة ليست بالبهرجة ولا تقوم بالمال، وأحبّوا السيّد وهم فقراء “ذاقوا الهزء والجلد والقيود أيضًا والسجن، ورُجموا ونُشروا وامتُحنوا وماتوا بحدّ السيف، وساحوا في جلود غنمٍ ومعزٍ وهم معوزون مضايقون مجهودون” (عبرانيين٣٦:١١-٣٨). ونالوا بسبب هذه الشدائد كلّ تعزيات الروح القدس. وجرى هذا في كلّ العصور والبلدان ولم يستسلموا لآنّهم أدركوا عن يقين أن المسيح فيهم أقوى من كلّ شدّة، وفي كلّ الأزمنة كانت الكنيسة في القمع والاضطهاد ومع ذلك أقامت في الفرح تتمتّع برجاء القيامة. في السجون والاستبداد، كانوا هم المنتصرين. وفي العوز الشديد، كانوا هم المنتصرين. وعندما كانت الدول إلى يومنا هذا تطردنا من الكنائس وتغلقها، بقينا في بيوتنا كنيسةً حيَّةً وما خفنا يومًا لأن المعلّم قال لنا: “ثقوا فإنّي قد غلبت العالم“.

انطلاقًا من كلّ ما سبق، نفهم أنّ الإنسان يفهم المسيحيّة إن عرف شيئين:
أوّلاً: أنّها مشروع قداسة ليس إلاّ، وثانيًا: أنّ كل مسيحيّ قادر على القداسة ويجب أن يطلبها.
فسِرُّ القداسة أّن يؤمن كلّ منّا أنّه يقدر أن يصبح بارًّا ولو تراجع الأكثرون، وأنّ القداسة تشعّ منه وتنشئ قدّيسين من حوله. فالقداسة هي الانطلاقة وهي المحجّة، لأنّها هي الفهم الكبير.
هكذا إذًا، يستطيع كلٌّ منّا أن يجعل هذه الذكرى عهدًا لنفسه، عهدًا ألاّ يستكين للخطايا التي فيه، ألاّ يطمئنّ إلى أنّه وصل.
ما نأخذه من العيد درس عنيد، فلا انهزام أمام التجربة ولا يأس بسبب ما نعاوده من السقطات ولكن رجاءٌ وطيد على أنّ بإمكاننا أن نجعل غدنا أفضل من أمسنا ومن يومنا بقوّة الروح، والذي قوّى القدّيسين ليصلوا إلى ما وصلوا إليه قادرٌ اليوم أن يحرّرنا من الخطيئة كما حررّهم، “فيسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد“(عبرانيين ٨:١٣)،
“الله يعطي قوّة لشعبه“. فلولا هذه القوّة لما احتمل القدّيسون ما احتملوه من آلام جسديّة، ولما قدروا على مواجهة الأهواء الشريرة وكلّ أنواع الخطايا. فالله إذا يعطي قوّة لشعبه، غير أنّه كما أنّ الشمس في الأعالي تبسط أشعتّها بغزارة للجميع، لكن لا يراها إلاّ الذين عندهم عيون غير مغلقة، هكذا فإنّ الله يعطي بغزارةٍ من العلى للجميع لأنّه هو ينبوع التحنّن والصلاح، ولكنّ الذين يستفيدون من العطيّة هم فقط الذين يملكون الإرادة الطيّبة والإيمان والمحبّة، والذين يبتعدون عن الشرّ ويتمسّكون بالوصايا الإلهيّة ويوجّهون أعينهم العقليّة إلى المسيح شمس العدل.

المراجع
1-موقع بطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس
2-(عظة للقديس غريغوريوس بالاماس) أناجيل الآحاد بعد العنصرة. دير مار مخايل. كلمات آبائيّة 1. منشورات النور. 1995
3-خضر، المطران جورج. سنة الرب المقبولة. الروح والعروس 2.مطرانية جبيل والبترون وما يليهما. 2000
4-فامفينيس، الأب توماس. صوت الربّ عظات في أناجيل الآحاد. أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس2014.
5- رعيتي 1992-1993-1994-1995-1996-1997-1998-2000-2001-2002-2004

