الأرثوذكس الأنطاكيون في البرازيل

الأرثوذكس الأنطاكيون في البرازيل

تشكّل أبرشية ساو باولو وسائر البرازيل للروم الأرثوذكس، التابعة لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق، أكبر تجمع أرثوذكسي في البرازيل. يرتبط وجودها بهجرة مسيحيي الشام (سوريا ولبنان) منذ أواخر القرن التاسع عشر. 
القرن التاسع عشر: صور البدايات والمهاجر الأولى

مشهد الوصول (أواخر القرن 19): بدأت موجات الهجرة السورية واللبنانية الكثيفة إلى البرازيل (خاصة ساو باولو وريو دي جانيرو).  يظهر المهاجرون الأوائل بملابسهم الشرقية التقليدية ثم بالبدلات الرسمية الغربية، حيث عمل معظمهم كباعة متجولين (“ماشيكيروس”) قبل الاستقرار في التجارة.

الطقوس الدينية المبكرة: لعدم وجود كنائس أرثوذكسية حينها، التقطت الذاكرة التاريخية صوراً لإقامة الصلوات والقداديس في منازل مغتربين أو صالونات مستأجرة، بإشراف كهنة منتدبين أرسلتهم بطريركية أنطاكية الارثوذكسية لخدمة الرعية روحياً.

 مطلع القرن العشرين: مأسسة الحضور وبناء الحجر

أول جرس كنسي (1904): شهدت هذه الفترة بناء أول كنيسة أرثوذكسية أنطاكية رسمية. وتُحفظ اليوم في الكاتدرائية صورة رمزية وتاريخية لـ “الجرس الأوّل” الذي نُقش عليه باللغتين العربية والبرتغالية أنه بُني بنفقة المغتربين السوريين واللبنانيين عام 1904. 

تأسيس الأبرشية (ثلاثينيات القرن العشرين): قاد المتروبوليت إغناطيوس حريكة جهوداً جبارة لتنظيم الجالية، حيث تحولت التجمعات إلى أبرشية رسمية وشُجّع أبناء الكنيسة على بناء الكنائس والمدارس والمؤسسات الخيرية (مثل جمعيات السيدات الأرثوذكس). 

 منتصف القرن العشرين: أيقونة العمارة الرومية الانطاكية الأرثوذكسية

كاتدرائية ساو باولو الأرثوذكسية (تأسست 1954): تُعد صور الكاتدرائية المتروبوليتية في ساو باولو (Catedral Metropolitana Ortodoxa) العلامة البصرية الأبرز للحضور الأنطاكي. الكاتدرائية هي نسخة معمارية مستوحاة من كنيسة “آيا صوفيا” في القسطنطينية، وتُصنّف كواحدة من أكبر الكاتدرائيات الأرثوذكسية الشرقية في العالم. 

الصور البصرية للداخل: تتميز الكاتدرائية بجدرانها الشاهقة المغطاة باللوحات الجدارية والأيقونات الأرثوذكسية التي تروي قصص القديسين وحياة المسيح، مع حامل أيقونات (إيقونسطاس) رخامي مهيب.

 من أواخر القرن العشرين إلى اليوم: الاندماج وقيادة الكنيسة

المتروبوليت دمسكينوس منصور (1997 – اليوم): تُظهر صور العقود الأخيرة قيادة الكنيسة برئاسة المتروبوليت دمسكينوس (منصور)، الذي يدير الرعية الممتدة في عموم البرازيل عبر شبكة من الرعايا في كورتيبا، غويانيا، ريو دي جانيرو وغيرها. 

التحول الثقافي واللغوي: انتقلت صور القداديس والصلوات اليوم من استخدام اللغة العربية واليونانية كلغات أساسية إلى اللغة البرتغالية كلياً أو جزئياً، مما يعكس اندماج الجالية الكامل في النسيج البرازيلي. كما تشهد الكنيسة انضمام آلاف المواطنين البرازيليين من أصول غير عربية إلى الإيمان الأرثوذكسي.

الزيارات البطريركية الرسمية: توثق الصور الحديثة في الألفية الجديدة زيارات بطاركة أنطاكية (مثل  الياس الرابع وأغناطيوس الرابع ويوحنا العاشر) واستقبالهم من قبل كبار المسؤولين البرازيليين وحكام الولايات، مما يؤكد الثقل الاجتماعي والسياسي المرموق الذي تحظى به الجالية الأنطاكية في البلاد.

نبذة في تاريخ الهجرة الانطاكية
في نهايات القرن 19، انطلقت من حمص وجبل لبنان طلائع المهاجرين إلى أميركا الجنوبية ولاسيّما البرازيل، وسرعان ما حققوا النجاح والتميّز، متكلين على الله ومعتمدين على الاجتهاد بالعمل، فوصلوا إلى حالة جيدة من الرخاء المادي والاجتماعي. وكان الركن الذي احتضن طلائع المهاجرين السوريين في البرازيل هو de Março 25 ، الذي كان كأي شارع آخر في المدينة إلى أن استعمره هؤلاء المهاجرون، خاصة من حمص، ابتداء من عام 1896، مع وصول المغتربين بشارة عيسى محرداوي وأسعد عبدالله حداد، فحوّله الحماصنة وسائر السوريين إلى أشهر شارع في أميركا الجنوبية وعصب حياة لمدينة سان باولو. عليه أقاموا محلاتهم، وفيه ازدهرت تجارتهم، فبنوا بالقرب منه قصورهم، وأنشأوا من حوله أولى منتدياتهم، الثقافية والاجتماعية والخيرية.
هو الشارع الذي شهد نجاحات السوريين عموماً والحمصيين خصوصاً. ومع أن طوله لايتجاوز الألف ومائة متر (1.1 كلم)، إلّا أنه الأشدّ ازدحاماً في المدينة وسائر البلاد. منذ تأسيسه إلى اليوم، لم تُغلق محاله وتتعطل فيه الحياة إلا حداداً على وفاة مطران حمص، بل مطران كل الحماصنة أينما وُجدوا، المتروبوليت أثناسيوس. ففي السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني 1923، نعى البرق إلى الجالية في البرازيل مصلح حمص وباعث نهضتها، المتروبوليت أثناسيوس مطران الحماصنة، فكان لنعيه رنّة أسف شديد في قلوب الحمصيين والسوريين عموماً، الذين يقدّرون الفضل والفضيلة، فأغلق الجميع محلاتهم التجارية، وشاركهم في ذلك الأفاضل من إخوتهم المسلمين كالسادة آل محرم وآل عكام، فظهر الشارع التجاري الشهير 25 دي مارسو بمظهر رهيب، وأقيمت الحفلات التأبينية التي تليق بمقام الراحل العظيم، وتليت الخطب والتقاريظ التي تلقي الضوء على فضائل الطيب الذكر وتعبّر عن هول الفاجعة بانتقال فقيد المبرّات.
وذلك أن المطران أثناسيوس عطا الله كان أول وأهم المشجعين لهم على تأسيس الجمعيات، بدءاً من الجمعية الحمصية الوطنية، التي تأسست عام 1901 في نمرة 207 من هذا الشارع، بدعم مباشر منه، فأنشئت أول مدرسة وطنية مجانية للسوريين من كل الطوائف، إضافة إلى مكتبة عربية وقاعة مطالعة، برئاسة المعلم الحمصي قبلان سلامه. ناهيك عن تأسيس جمعية الشبيبة الحمصية (1908)، والنادي الحمصي (1920، ومن بين الذين رأسوه نذكر الأديبين الحمصيين داود شكور وقسطنطين الخوري)، والميتم السوري (1923) الذي كان للمتروبوليت أثناسيوس اليد الطولى في تأسيسه بمساهمة مالية سخيّة من مدّخراته الشخصيّة، وجمعية الأوانس السوريات (1924) التي ازدهرت بجهود رئيستها الأديبة الحمصية الآنسة أديل قسطنطين الخوري.
وهناك قد ظهرت النوادي الرياضية أيضاً، مثل النادي السوري الرياضي (1917)، نادي زَحْلة (1922)، نادي جبل لبنان (1934)، ونادي راشيا (1936). ومن بين المؤسسات الأخرى التي تم تأسيسها نذكر دار المسنين (1935) والمصحّ السوريّ (1944).
وكانت ساو باولو أيضاً مركزاً للحياة الصحفية، حيث ازدهرت الجرائد العربية، يومية وأسبوعية، والمجلات الدورية، التي راجت رواجاً عظيماً ليس في البرازيل وحدها بل وفي كافة أقطار الأمريكيتين والشرق الأوسط على السواء. ومنها نذكر: مجلة “المنار”، صحيفة “الأفكار”، دورية “الاتحاد العربي” لجورج أطلس ومجلة “الكرمة” لزوجته الأديبة الحمصية سلوى سلامة، وجريدتَي “المدرسة” و”المشرق” لموسى كريم من يبرود.
واحدة فقط أعوزتهم، وهي توحيد قلوبهم وتجميع قواهم لتأسيس رعية وإنشاء كنيسة، يؤدّون فيها فروض عبادتهم العريقة التي نشأوا عليها. وفي هذا الأمر كان المطران أثناسيوس خير معين، حيث أنفذ إليهم أولاً تلميذه الأرشمندريت سلبستروس الصغير، رجل الله المشهود له بالعلم والتقوى والفضيلة، الذي كرّس حياته لتهذيب ناشئة الشبيبة الحمصية، في حمص أولاً برفقة معلمه المطران أثناسيوس، ثم في ساو باولو. وخلال عام واحد من وصوله إلى العالم الجديد سنة 1904، تمكن الأرشمندريت سلبستروس من تأسيس أول رعية أنطاكية في البرازيل، على اسم رقاد السيدة. ولقد واظب على الخدمة الروحية اللائقة حتى رقاده بالرب عام 1916، فكان الراعي الصالح الذي جمع أبناء حمص والسوريين المشتتين كافة.
ومع تأسيس أول رعية في سان باولو على يد تلميذ مطران حمص، تأسس المجلس الملي للطائفة، الذي سرعان ما استدعى أعضاؤه الغيورون، للعناية الروحية بهم، أحد أقدم تلامذة المطران أثناسيوس حين كان لا يزال رئيساً لدير مار الياس شويا، هو الأب الجليل موسى مرهج من الشوير (+ 1928)، الذي كان في ذلك الوقت من العام 1907 كاهناً في معلقة زحلة. وفي العام التالي، توجه إلى سان باولو بطلب من الجالية الحمصية فيها الأب الفاضل والشديد الورع الخوري نقولا شكور (+1933)، ابن حمص البارّ الذي تتلمذ على مطران حمص منذ تسلّمه رئاسة الأبرشية فكان من أوائل الكهنة الذين رسمهم، وكان بالفعل رسول الرحمة. وبجهود الأباء الثلاثة وغيرة أبناء الرعية تمّ بناء كنيسة سورية أرثوذكسية حسنة الهندسة وتشكيل العديد من المنتديات الأدبية والجمعيات الخيرية، والتي ازدهرت ازدهاراً كبيراً و لا يزال أكثرها قائماً إلى اليوم.
أما الكاتدرائية الفريدة والفائقة الجمال على اسم القديس بولس الرسول، فيعود تأسيسها إلى خمسينات القرن المنصرم، بغيرة إيمانية منقطعة النظير من كافة أبناء الأبرشية وبهمّة مجلسها الملي، وبمساهمة جذرية من الوجيهين الحمصيين السيدين أسعد حداد وبشارة محرداوي.
وفي الريو نشط الأرشمندريت باسيليوس شاهين من صيدنايا منذ 1918، حيث أسس كنيسة القديس نيقولاس، وكان أحد المرشحين الثلاثة لرئاسة أبرشية البرازيل عند تأسيسها عام 1921. لكن أصوات الأكثرية وقعت على المطران ميخائيل شحادة (1922-1935)، من كوسبا-الكورة، الذي في عهده برز في ساو باولو الخوري الحمصي خريستوفر عيسى عاقل، أحد تلامذة المتروبوليت أثناسيوس، والرئيس السابق لدير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي  الأرشمندريت المجاهد إيصائيا عبود.
وكان هذا الأخير قد انتخب مطراناً لمسقط رأسه طرابلس عام 1940، لكنه استنكف لسنوات إلى أن استقال عام 1947، فنقل إليها في العام التالي مطران صور وصيدا ثيوذوسيوس (البطريرك لاحقاً). وفي نفس العام (1947) انتدب البطريرك ألكسندروس طحان أحد أخصّ تلامذته معتمداً بطريركياً لريو دي جانيرو، هو الأرشمندريت الياس معوض من أرصون (البطريرك لاحقاً)، الذي رعاها بنشاط حتى انتخابه مطراناً على أبرشيّة حلب عام 1950.
ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم توالى على الريو معتمدون بطريركيون، نذكر منهم الأسقف جورج الحاج (+ 2000)، من كفرصارون-الكورة، الذي انتدبه البطريرك ألكسندروس معتمدًا بطريركيًّا على الريو في العام 1951، فحقق إنجازات هامة:
أسّس جمعيّة اتّحاد الشبيبة الأرثوذكسيّة، وألّف جوقة ترتيل، وكلّف الأب جرجي قصاص بترجمة وطباعة خدمة القدّاس الإلهيّ والتعليم المسيحيّ، وزّعت نسخهما على كنائس البرازيل الأرثوذكسيّة. كما أنه بالتعاون مع راجي باسيلو ترجم كتابًا يعرّف بالكنيسة الأرثوذكسيّة. وكان يعاونه الأبوان يوسف فحّام وأنطونيوس ورد، وبمساعدة جمعيّة الشبيبة أصدر «الأرثوذكسيّة» فكانت أوّل مجلّة دينيّة تصدر في أميركا اللاتينيّة. وكذلك أنشأ كنيسة القدّيس نيقولاوس في مدينة غويانيا، وكنيسة القدّيس جاورجيوس في أنابوليس. وبعد استقالته في عهد البطريرك إلياس الرابع (معوّض)، تابع الأسقف جورج ترجمة الخدم الإلهيّة الضروريّة للكاهن وللشعب.
أما العامل الأهم في ازدهار الأبرشية المطّرد خلال الفترة من 1957 حتى عام 1997 فكان الحضور القوي والفاعل للمطران العلّامة إغناطيوس فرزلي من بلدة القرعون، يعاونه وكيله سرجيوس عبد من أنطاكيا (في الأعوام 1968- 1975 وحالياً مطران تشيلي) ثم ساعده الأيمن منذ 1992، الأسقف الدمشقي دمسكينوس منصور، الذي تم انتخابه خلفاً له مطراناً على أبرشية ساو باولو وجميع أنحاء البرازيل.
السيرة الذاتية للمطران دمسكينوس منصور، رئيس أساقفة ساو باولو وسائر البرازيل قريبنا: ولد سميح يوسف منصور في دمشق عام 1949، وأكمل علومه بدمشق في مدرسة القديس يوحنا الدمشقي الابتدائية ، ثم في كلية اللاهوت في جامعة البلمند، حائزاً على إجازة في اللاهوت. حصل على شهادة في الموسيقى من جامعة سالونيك، اليونان، حيث تمت رسامته باسم دمسكينوس في كنيسة القديسة صوفيا، عام 1975. خدم كاهناً بالبطريركية بدمشق في الأعوام 1980-1986، بمعية البطريرك إغناطيوس الرابع، وكان مديراً للجوقة وأستاذاً للموسيقى الكنسية، وفي طرطوس والوادي في الأعوام 1987-1991، كارشمندريت معاون لمتروبوليت أبرشية عكار المطران بولس بندلي. يتحدث بطلاقة العربية والإنكليزية واليونانية والبرتغالية، وله إلمام بالفرنسية. انتخب عام 1992 أسقفاً مساعداً لمطران البرازيل إغناطيوس الفرزلي. وفي عام 1997 انتخب رئيس أساقفة لأبرشية ساو باولو وجميع أنحاء البرازيل، ولايزال قائماً على رعايتها بكلّ حكمة ونشاط.
 
الكاتدرائية الأرثوذكسية (بالبرتغالية: Catedral Metropolitana Ortodoxa de São Paulo) هي واحدة مناكبر الكاتدارئيات في مدينة سان باولو مكرسة على اسم القديس بولس هامة الرسل ، وهي مقر أبرشية البرازيل الأنطاكية الأرثوذكسية في مدينة سان باولو  وكل البرازيل  وهي واحدة من أكبر الكاتدرائيات الأرثوذكسية في العالم، ونموذج رائع لفن العمارة الرومية.
متروبوليت البرازيل دامسكينوس منصور
متروبوليت البرازيل دامسكينوس منصور
Scroll to Top