الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية
المقدمة
شَهِدَتْ خَمسينيات القرنِ العشرين مداً قومياً، اعتَّز روادُه بالعروّبة، وسَعوا لتحقيقِ الهدف المنشودْ، وهو إقامة الوحدة العربية، بالرغم من تعدد الإيديولوجيات والمنطّلقات النظرية.
وما لبِثتْ العقودُ التالية، أن حَمَلَتْ بوادر تكّوين هيكّليات سياسيّة صغيرة، تعتَمد على الدين كأساسٍ لِشَكلِ الدولة،بعيداً عن “القومية العربية” وفق ما روَّجَت له اسرائيل ومن ورائها الصهّيونية العالمّية، لتفّتيت الأُمة العربية أولاً، وللبقاء أبدّاً بشكلِها الديني المتطرف. وقد جاءت الحرب اللبنانية الطاحنة كمحصلة لما خططت له الصهيونية، وبسببها شهدت كامل المنطقة العربية عموماً ولبنان خصوصاً، هجرات كبيرة من العرب المسيحيين، ليس فقط إلى بلدان الإغتراب التقليدية كالأمريكيتين وأُستراليا، بل إلى بلدانٍ أوربية عدّيدة كالسويد والمانيا وفرنسا وانكلترا وكندا أيضاً، (بتشجيع وتسّهيل من هذه الدول) يدفعهم خوفٌ من المجهول، فيما لو بقوا في المنطقة العربية. وقد أصبحوا غرباء في مغترباتِهم يعيشون فيها على فتاتِ معوناتٍ تقدمها لهم هذه الحكومات، وهم مجتمعون في ملاجىء، يصح معها ان نسميها “مُعسّكرات اعتقال”. والآن جاء دور المسيحيين العراقيين كنتيجة طبيعية للغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، والتصفية التي يتعرضّون لها من جميع الفرقاء المتقاتلين على الساحة العراقية وقد تناولتْ بالأذى رئاساتِهمْ الروحّية ورموزِهم الدينيّة وكنائِسهم وممتلكاتِهم، حيث يعتبرُهُم البعضُ (كفّاراً) لأنهم على دينِ الغزاةِ الأميركان، وهم من هذه التهمة برّاءْ، فهم ليسوا كَفَّرة، لأنهم اصحابُ دينٍ سماوي يوقّره الاسلام والقرآن الكريم والنبي محمد. والبعض يعتبرهم (غرباء)، وهذه فَّرِّية ظالمة،لأنهم أصحاب الأرض

ما قبل ظهور المسيحية واعتناقِهم لها، وما قَبلَ ظهورِ الإسلامْ ومجيئه إلى سورية والعراق…، ولأنهم مواطنون برَرة خدموا الوطن عبركل العُهود، وحافظوا عليه، ولم ينصّاعوا لغازٍٍ او فاتح، ويَشهد عليهم بذلك تاريخ الخلافة الاسلامية بكل أدوّارها. الآن انخفض عدد المسيحيين في العراق من مليون مسيحي الى اقل من 200000 مسيحي نتيجة القتل والهجرة الى مغارب الأرض ومشارقها، والبقية اصبحت لاجئة مرتاعة في أرض الآباء والأجداد تنتظر دورها قتلاً اوتهجيراً، لاذنب لها إلا لأنها مسيحية. و كما باتت الفئة المغتربة الهاربة بدورها لاجئة. ولانعلم متى ينتهي هذا المسلسل المؤلم والدامي والخطير في نتائجه، الذي يفرغ المنطقة من بنيها البررة . لاسيما وقد امسى العراق الواحد ثلاثة كيانات سياسية ومذهبية متنافرة، ( والحال ذاته بكل فداحته يتناول فلسطين التاريخية والضفة الغربية وغزة بفعل الممارسات الاسرائيلية، واخيراً ضرب الواقع المأساوي سورية بكل مكوناتها وخاصة منذ عام 2011 ولكن التأثير السلبي بات افدح خلال 14 سنة من الحرب الأهلية، ثم الواقع الأمني الحالي وتأثيره على المكونات الأقل عدداًً ومنها المسيحيحيين فانخفض العدد من قرابة أربعة أو خمسة ملايين إلى أقل من المليون نتيجة الخوف من المجهول “فضّبوا الشناتي وهاجروا” إضافة لازمة جداً اضفناها عند اعادة كتابة التدوينة، ثم عند إعادة النظر بها اليوم قبل نشرها 2026) وبهذا تحقق حلم الصهيونية وسعيها لتفتيت البلاد العربية، ولافراغ هذه المنطقة من خبرات متنورة سبق للمفكر العربي والاسلامي الكبير الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في عهده في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أن وصفها بندائه الى المسيحيين العرب مواطنيه بقوله لهم:” ايها العرب غير المسلمين تناسوا ضغائنكم. انتم الأولون الأكثر تنويراً وثقافة، وعليكم ان تجدوا وسيلة لتوحيد الصفوف”
وما من شك، فان الكواكبي استند في قوله هذا على قوافل المتنورين العرب في النصف الثاني من القرن 19، الذين كان جلهم من أصدقائه المسيحيين. والذين انطلقوا من الديار الشامية هرباً من الطغاة العثمانيين الى مصر محمد علي باشا واسرته، يحملون أفكار التنوير، ويساهمون مع اشقائهم المتنورين المصريين/ وكانوا بمعظمهم من المسلمين/ في بعث القومية العربية بعيداًعن الظلم العثماني والآن تكمل الحركات الأصولية مخطط تفتيت المنطقة العربية بنسيجها الفريد من قوميات وأعراق وأديان ومذاهب، وقد نادت خفية بأن ارض العرب هي دار الاسلام. وقد سعت وتسعى بتشجيع من البعض ؟!لاستلام الحكم فيها بالقوة وبالدم. _ من خلال هذا الواقع المتوتر بشدة، يتضح مدى الخوف الذي سيطر ويسيطر على المسيحيين العرب من اسلام يسعده ُضعفهم. لذا كان همهم الأكبر اما بالهروب من هذا الواقع الضعيف عبرالهجرة الى بلدان يتحقق لهم فيها الأمان، أو بأن يقوم في كل يوم حوار اسلامي – مسيحي، حوار وجودي، حوار محبة ورحمة تلتقي بفضله في هذا الشرق العربي الحبيب، المسيحية الأصيلة بالاسلام الحق وسيكون هذا الحوار خير وسيلة للتأكيد مرة أخرى، وبصورة أوضح على انتماء المسيحية الأصيلة الى مااصبحنا نسميه اليوم، دار الاسلام، أوبعبارة أوضح مافرضت تسميته وفق هذا الواقع الحالي.

_ان المسيحيين العرب يرفضون ان يكونوا مجرد جسم غريب في أوطانهم، او يوصفون بأنهم بقايا غزوات الفرنجة الاستعمارية، التي سبق ومنذ قرون/ وحتى الآن/ ان غزت هذه المنطقة، كما يحلو لذوي الغايات اطلاق لقب الصليبين عليهم، لأنهم وعلى العكس تماماً، كانوا في الشرق العربي قبل الاسلام، متجذرين مع جذور التاريخ في هذه الأرض العربية الحبيبة منطلق المسيحية الى العالم لهم في هذه الأرض مالغيرهم. وهم يحملون باعتزاز هويتهم التاريخية العربية الأصيلة، وقوميتهم العربية عبر أحد أهم رموزها الرئيسة (اللغة العربية)، ودليلنا أجيال المهاجرين العرب المسيحيين الذين يتجمعون في مغترباتهم في شتى بقاع الأرض، ويحافظون على لغتهم العربية من خلال المدارس العربية التي افتتحوها بجهودهم والمرتبطة اصلاً بتجمعات الكنائس هناك.
_ان اللغة العربية هذه هي هي لُغَّة القبائل والمدن العربية المسيحية ما قبل الاسلام بوقت طويل، وفي موطن الهجرات العربية المتعاقبة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، وحتى هجرة الغساسنة والمناذرة المسيحيين في القرن الخامس الميلادي، أي قبل آخر هجرة عربية خرجت من الجزيرة العربية، الاوهي الفتح العربي الاسلامي عام 634 م. وهي هي ، لغة الأحفاد المسيحيين الحاليين، الذين يعتزون بأجدادهم العرب، مؤيدين على هذا النحو صدارة الروح القومية العربية على الدين الذي يعتزون به كثيراً، ومثبّتين للأجيال اللاحقة عروبتهم.
_ان المسيحية ومن بعدها الإسلام، كما يتضح من تاريخ هذه المنطقة العربية، جانبان متمّيزان يشّكلان “الحضّارة العربية” ويعلنان بأن هذه الأرض الحبيبة هي “دار المسيحية والاسلام معاً”. ان علاقة المسيحية بالاسلام، علاقة انتماء إلى دينٍ سمّاوي ينادي بمعبودٍ واحدٍ أحد لاشريك له عز وجل. أكيد يختلف اللاهوت والفقه والممارسة السلوكية العبّادية. الا أن علاقةِ كلّ منهما بالعروبة هي علاقة تجَّذر تاريخي أصيل، علاقة فعل مدهش، فعله الغساسنة المسيحيون مع اشقائهم المسلمين قبل نيف و 14 قرناً خَلت. وتكررت كثيرا ًهذا الزمن. ولعل ما قامَ به الخوري نقولا الخوري كاهن رعية مدينة انطاكية عام 1938 . عندما فتح ورعيته بإذن البطريرك الكسندروس بدمشق ابواب كاتدرائية القديسين بطرس وبولس الأرثوذكسية في مدينة أنطاكية السورية، وكل كنائس اللواء (قبل سلخ لواء الاسكندرون السليب)، أمام اشقائهم العرب المسلمين للصلاة فيها، خيرَ تعبيرٍ عن الوحدة الوطنية بمواجهة الأتراك المسلمين الذين اغلقوا أبواب المساجد في أنطاكية امام المصلين، لايهام الدول الغربية ولجنة التحقيق الدولية (لجنة كينغ كراين) بأن تركيا “اتاتورك” دولة علمانية لا دينية. نعم صلى المسلمون السوريون ابناء مدينة أنطاكية/ في كاتدرائية المسيحيين السوريين.في المدينة التي فيها دعي المسيحيون أولاً عام40 مسيحية/ وفي كنائس المسيحيين السورية. وقبلاً وقف البطريرك الأرثوذكسي العظيم غريغوريوس حداد مع الشريف حسين (ملك العرب والمسلمين لاحقاً) على رأس كل المسيحيين في سورية الكبرى لطرد الأتراك منها. كذلك وقف الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة في شرفة دار البلدية في حلب عام1919 يخطب في الجموع الحاشدة المطالبة بالاستقلال، معّرفاً بمعاونيه في هذا المسعى واولهم مطران حلب الأرثوذكسي. هذا الفعل العروبي اجترحه البطل السوري المسيحي الشهيد جول جمال الذي فجّر بجسده البارجة الفرنسية (جان دارك) بعملية استشهادية في بورسعيد هي الأولى في تاريخ العرب الحديث، غيّرت مجرى “العدوان الثلاثي على مصر” السنة 1956، وقد اكَّد بفعله هذا قوميته العربية مضّحياً بذاته من أجلها في مياه بورسعيد. كذلك قدّم المسيحيون المغتربون من سورية إلى إخوتهم المسلمين ابناء دمشق، ما ادخروه من تعبهم الإغترابي ولقمة أولادهم، عندما دمّر الفرنسيون بيوتهم في دمشق اعوام 1925 و1945 تعويضاً أخوياً للمساعدة في إعادة إعمارها، وكما سبق للبطريرك العظيم غريغوريوس ان أطعم جائعي دمشق وسواها من ارزاق البطريركية الأرثوذكسية في دمشق وكانوا في معظمهم من المسلمين ، وقد باع معظم أوقاف بطريركيته وكنائسها واديارها لاطعامهم طيلة مجاعة السفر برلك من1914-1918.
لذلك ومن بابِ الاعتزّاز الوطني هذا، نجد ان المسيحيين العرب مازالوا في فريق كبير منهم باقون هنا في “أرض الأجداد”، لأنهم من أديم هذه الأرض العربية الحبيبة وقد امتلأت برفاة أجدادهم عقب الفي سنة ونيف. إن قبور الشهداء في سبيل الوطن من أبناء الدينين متجاورة في مقابر الشهداء، يتوجب ان يكون المسيحيون مدنياً ودستورياً على قدم المساواة مع المسلمين، في الحقوق والواجبات، فجذرهم واحد، ويتقاسمون الأرض ذاتها، والتاريخ عينه، وذات الآلام والطموحات والآمال، وأخصها الوحدة العربية، لذلك ظهرت الأحزاب القومية العربية بروادها المسيحيين العرب وضمت مسلمين ومسيحيين بعيداً عن التعصب الديني والطائفي، ونادت بوطن عربي واحد للجميع المتساوين فيه بالحقوق والواجبات بعقد اجتماعي يشتركون في إنشائه وتوقيعه والدفاع عنه، كما حصل في الخمسينات.
الأُصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية

لمحة عامة
عندما تذكر المصادر القديمة المنطقة العربية فإنها لا تقصِّد مانسمّيه اليوم شبه الجزيرة العربية، ففي أزمِّنة الكتاب المقدس لم تكن هذه المنطقة العربية جنوبا ًتتجاوز الحجاز، ولم تكن تحوي الجزء الأكبر مما كان يسميه الرومان “البلاد العربية السعيدة”،كما لم تضم منطقة تدمر ولا بتراء العرب أي شبه جزيرة سيناء، اذ كانت خاضعة لاقليم فلسطين(1) _ان المقصود في بحثنا هنا شبه الجزيرة العربية، اي ما عُرف بأنه بلاد العرب ومنبت هجراتهم من قبل الميلاد وحتى آخر هذه الهجرات، هجرة العرب المسلمين وانطلاقتهم الواثقة لنشر الاسلام.
شبه الجزيرة العربية
نقل ياقوت الحموي عن أبي المنذر هشام بن السائب عن أبن عباس مايلي
“ان العرب سمت بلادها جزيرة لإحاطة الأنهار بها من جميع أقطارها وأطرافها …”(2).
تقع شبه الجزيرة العربية، وهي بلاد العرب في الجنوب الغربي من قارة آسيا، وهي مستطيل غير متوازي الأضلاع، شمالُه فلسطين وبادية الشام، وشرقُه الحيرة ودجلة والفرات والخليج العربي، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه البحر الأحمر. (3)وتتداخل في شبه الجزيرة هذه بادّية الشام حتى الفرات شرقاً، وأرض الحََضَر في بلاد الشام غرباً، كما تتداخل فيها بادّية فلسطين وطور سيناء الى مرابع النيل.(4) إن طبيعة شبه الجزيرة جرداء ليس فيها نهر واحد، وليست لأمطارِها فصول معروفة يمكن الاعتماد عليها في الزراعة، وفي تنظيم الصناعة التي تعتمد على هذه الزراعة، فيما خلا بلاد اليمن الواقعة جنوبها، والممتازة بخصب أرضها وكثرة أمطارها، لذلك فالحياة في شبه الجزيرة العربية، هي حياة بدّاوة، مع ماتقتضيه من ارتحال دائم، واتخاذ الجمل سفينة للصحراء. مع الأخذ بعين الاعتبار أن مكة ويثرب، وبحكم موقعهما الوسيط بين جنوب الجزيرة وشمالها اتخذتا واقعاً تجارياً. اضافة الى ان مكة (البيت العتيق) اتخذت طابعاً قدسياً بين كل قبائل الجزيرة العربية وفيه صنم الهها المعبود حتى ايقونات المسيحيين في الكعبة الذين كان فريق منهم يقيم في المدينتين.
الدّين
الدّين، إيمان وعمل. إيمان بوجود قوى خارقة فوق طبيعة البشر العقلية، ولهذه القوى تأثير في مجرى حياة الانسان، وعَمَل في أداء فرائض وشعائر وطقوس معينة تفرضّها الأديان السمّاوية والأرضية لعبادة الأصنام والأوثان لاسترضاء الآلهة(5). والإيمان قبل العمل، وحتى تقوم بعمل ما فرضته عليك الأديان، لابد وأن تكون مؤمناً (وقبل القيام بهذا العمل) كل الإيمان بوجود إله انصرفت إليه ذاتُك، واعتبرتُه حامياً لك، قديراً عليّك، يُسأل فيُجيب، ويُنادى فيُلبي. فالعمل تابعٌ لهذا الإيمان، وهو حَصيلةُ مؤثّراته في النفسِ الانسانية. والدين كما جاء في اللسان(6)، هو الطّاعة. ومن الدين جاءت كلمة (ديّان)، وهي من أسماء الله عز وجل، ومعناها الحَّكَّمْ والقاضّي، كقول “ذي الاصبع العدواني”
لاه ابن عمَك، لا أفضَلتَ في حسبٍ فينا، ولا انت ديّاني فتخزوني!
والدّين يأتي أيضاً بمعنى الجَّزاء وفق قول الكتاب المقدس: (7)” لاتدّينوا لكي لا تُدانو. لأنكم بالدّينونة التي بها تدّينون تُدانونْ، وبالكيل الذي به تكّيلون يكالُ لكم …”.
وقد يأتي الدين بمعنى الحساب، كما جاء في القرآن الكريم: “الرحمن الرحيم مالك يوم الدين …”(8)
_الدّين(9) إذن علاقةٌ بين الإنسان والخالق، وهو فعل عبّادة ناتِجة عن إيمان بعدَ قناعة، أو إيمان مطّلَق فيه تسّليم بما هو خارج عن النطاق البشري وإدراكه، وعمل ملموس، هو نتيجة هذا الإيمان. والعمل يكون بالممارسات الإنسانية من صلاة وصوم وتقديم ذبائح وفروض وغير ذلك.
إن واقعَ المجتمع في الجزيرة العربية شَهِد لهذه الممارسّات، وكان أولها “الحج” إلى مكّة في الأشهر الحُرُمِ منذُ القديم
الجاهّلية
والجَهْل نقّيضُ العلم أي أن الإنسان يجهل ما لا يعرفُه، وُتطّلق كلمةُ الجّاهليةِ على زمنِ ما قَبْلَ الإسلام، حيث أن أكثر الباحثين ذهبوا في قولهم إلى أن الجّاهلية هي عَصرُ الجهل والهمّجية، ويعّرفها “المؤرخ فيليب حتّي” بقوله: ” والجاهلية بالمعنى الصحيح هي ذلك العصر الذي لم يكن لبلاد العرب فيه ناموس وازع ولا نبي ملهم ولاكتاب منزل “(10)
إن هذا القول محلٌ للنظَّر، فالجّاهلية لا تعني “الجهل على أنه نقيض العلم”. وهو لا يعني “الضلال” على قول “المسعودي”:” كانت العرب في جاهليتهم فرقاً، منهم الموحّد المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور …،ومنهم من مال الى اليهودية والنصرانية كقس بن ساعدة الأيادي… وبحيرا الراهب…” والشاعر “أمية بن أبي الصلت” يشير إلى إيمانه بقوله
“كل دين يوم القيامة عند الله الا دين الحنفية زور”.(11)
إن الجاهلية لَيستْ الضّلال لأن الضّلال شَّر، والشَّر نقيضُ الخير، والشاعر الجاهلي “عبيد بن الأبرص” يدعونا الى الخير، والخير من الله مبشراً بديمومته اذ يقول
“الخير يبقى وان طال الزمان به والشر أخبث أوعبتَ من زاد.” (12)
– إن الجّاهلية إذن اشتُقَّت من الجهّل الذي يعني السفه والطيش والغضب والنزق، فالعربي سريع الغضب، وهذا ينم عن أخلاق الجاهليين على قول الحديث الشريف اذ ورد فيه ان الرسول قال لأبي ذر وقد عيّرَ رجلاً بأمه:” انك امرؤ فيك جاهلية “(13)
انتشار المسيحية في الجزيرة العربية
بعد هذه المقدمة ننتقل الى مسيحية الجزيرة العربية فنقول
– ورد في كتاب أعمال الرسل أنه في يوم العنصرة كان يوجد في مدينة اورشليم عرب …(14)، ولا شَّك أن هؤلاء العرب كانوا إما يهودا ًأو مهتدين أو مهتدين جدد من جنس عربي. ويقول القديس بولس انه توجه بعد اهتدائه في دمشق إلى العربية بين إقامتين في دمشق، و”العربية” هنا تعني انه توجه الى “حوران”. وكانت بصرى عاصمة حوران مركزاً للمواصلات، خصوصاً الطريق القادمة من اليمن عبر مكّة، ملتقى للقوافل التجارية، وأن هذه المدينة “بصرى” كانت قد اختيرتْ مركزاً أسقّفياً في النظامِ الكنسي، وكان جُّلّ مطارنتها من العرب، وقد شاركوا في المجامع الكنسية المسكونية، وكانت هذه المدينة أول مدينة تسلم أمرها الى المسلمين السنة 634 م.
في الحجاز لقد تطبعت المسيحية في الحجاز بطبيعة البادية، وجَعلتْ للعربِ أساقفة يرحلون معهم، سَّمُّوهم ” أساقفة المضارب “. واشترك بعضهم بالمجامع الكنسية، ووقّعوا على أعمالِها بهذه الألقاب “فلان أسقف أهل الوبر “، ” وفلان أسقف القبائل الشرقية المتحالفة “… وقد ذكر المؤرخ سوزمنوس منذ القرن الرابع ” ان في بعض قرى العرب ودساكرهم أساقفة ” وقد نقل اليعقوبي هذه الشهادة : “وأما من تنصَّر من أحياء العرب فقومٌ من قريش. ومن اليمن طيء و بهراد و سليخ و تنوخ و غسان و لخم. “(15)

أيلة ( العقبة)
يقول ياقوت ان أيلة ” آخر بلاد الحجاز ” شمالاً كانت نصرانية. ويذكر المسعودي أن “يوحنة (يوحنا) بن رؤبة
كان أسقف أيلة وأنه قدم على محمد سنة تسع للهجرة وهو في تبوك فصالَحه على أن لكل حالِمٍ بها ديناراً في السنة “. ويؤيد هذه الشهادة ابن سعد فيجعل الوافد ملكاً لاأسقفاً، بيد أن ذكر الصليب على صدره يدل على انه أسقف لاملك. ” وكان يوحنا ملك ايلة. وأقبل معه أهل جرباء واذرح، وعليه صليب من ذهب فصالحهم وقطع عليهم جزية معلومة”. وتنقل “سيرة ابن هشام” صورة كتاب الرسول الى يوحنا بن رؤبة وأهل أيلة ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر.(16)
دومة الجندل
كان عليها أسقف. قال “ابن هشام” في حديثه عن غزوة “تبوك”: “ثم ان رسول الله (ص) دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة. وهو أكيدر بن عبد الملك. رجلٌ من كِندة، وكان ملكاً عليها، وكان نصرانياً “(17)، وكان النبي قد تصّالح معه على الجزية بعد أن فتحها خالد. (18)
معان
تقع معان في طرف بادية الشام، تلقاء الحجاز، من نواحي البلقاء. كما يقول ياقوت.”كان أهلها نصارى تحت حكم الروم،مثل أسرة امرىء القيس في نجد ، وكان يملك عليها عند ظهور الاسلام فروة بن أبي عامر، شيخ بني جزّام النصارى”.
تيماء
تقع تيماء بين الشام ووادي القرى. وكانت مدينة حصينة لأهل الكتاب من يهود ونصارى، وكان فيها مساكن “قبيلة طيء” النصرانية العربية وفيها مركز أسقف. وقد خضعت للجزية بعد غزوة خيبر.(19)
تبوك
وكان حصن بين وادي القرى والشام، يسكنه نصارى قضاعة كما نقل إبن خلدون عن ابن سعيد وجاورهم فيها بنو كلب من قبيلة تغلب النصرانية. وفي غزوة تبوك لم يتمكن محمد والمسلمون من اقتحامها لحصانتها ومناعتها ولسرعة الرومِ ونصارى العرب إلى نجدتها. فحاصروها 20 يوماً ثم قفلوا راجعين.
وادي القرى
ومن قراه دومة الجندل، والحجر وديدان. وهو يقع بين الشام والمدينة، سكنه اليهود أولاً ثم قضاعة وسليح النصرانيتان. وقد جاء في كتاب الأغاني (ج7، ص161 ) ان النصارى منعوه من اليهود والعرب غير النصارى بقول جعفر بن سراقة احد بني قره:
ونحن منعنا ذا القرى من عدونا وعذرة إذ نلقى يهوداً وبعثرا
منعناه من عليا معد وأنتم سفاسيف روح بين قرح وخيبرا
فريقان رهبان بأسفل ذي القرى وبالشام عرافون ممن تنصرا
يثرب
كانت يثرب مستعمرة يهودية لبني قريظة وبني قنيقاع وبني النضير وبجوارهم 20 قبيلة يهودية، ثم رحل إليهم من اليمن الأوس والخزرج فنَزلوا المدينة على عهودٍ كانت بينهم. ولا شك أنه كان يوجد في المدينة نصارى على شكل ما كانت موجودة في مكّة من رقيق وموالي يقومون بخدمة ساداتهم، وهذا مما يُفهَم من قول “الشاعر حسان بن ثابت” في قصيدة رثى بها النبي
“فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد.”(20)
وفي تقوبم قديم للكنيسة النسطورية (21)، ان النساطرة أقاموا مطراناً في يثرب اذ كان لهم ثلاث كنائس على اسم ابراهيم الخليل وموسى الكليم وأيوب الصديق. أما قبيلة طيء فقد وجدت النصرانية اليها سبيلاً، وكان عدَّي بن حاتم الطائي نصرانياً واما جاء الاسلام دخل في الدين الجديد.(22)
مكّة
لم تُشِرْ روايات السِّيرة وغيرها من الأسانيد الخطية قبيل الهجرة الى وجود مسيحي منظّم في مكّة من الناحيتين الاجتماعية والثقافية، حيث لا أثر لنظامٍ ديني ولا ِلجماعة مكّونة من أجانِب، ماعدا هؤلاء التجّار الذي كانوا يتردّدون على حوانيت مكة والتهامة. ولكن كان هناك أيضاً عددٌ من العبيد والمغامرين وبائعي النبيذ كانوا يسكنون في مكّة بطريقة مؤقتة، او يَمُّرون في عاصمة التهامة. وكان معظمهم من الأحباش، ومن مستوى متواضع يعملون عمالاً او مرتزقةً أدخلوا في السَّوقة العسكَّرية المسّاعدة، وكانوا ينتمون الى فرقة المسيحيين ـ اليهود الحبشية، وبين هؤلاء عددٌ كبيرٌ من النصارى، كانوا قد جاؤوا للخدمة وللقيامِ بالأعمال اللازمة لسُّراة مكة. وكان بعضهم يعرف القراءة والكتابة ولايُستبعد أن يكّونوا في محيطهم، ونصّروا البعضَ من أهلِ مكة. فقد كان الناس يختلفون إلى مجالسِِّهم ومساكِّنهم لسماع قصص الأقدمين من الأنبياء، ومن المرجح ان الرسول كان منهم، كما يروي “إبن هشام” ” وكان رسول الله (ص)- فيما بلغني- كثيراً ما يجلس عند المروة إلى بيعَّة غُلامٍ نصراني، يقال له جبر عبد لبني الحضرمي، فكانوا يقولون : والله ما يعلم محمداً كثيراً مما يأتي بها الا جَبر النصراني “(23) وقد اتهم محمد بذلك من أهل مكّة، إنما يتلقى رسالته من جبر هذا الذي سَّمّاه بعضُهم سلمان، ويسار ويعيش وبلعام .(24) وقد ردّ القرآن الكريم بقوله:”و لقد نعلمُ أنهم يقولون إنما يعلّمه بشر، لسانُ الذين يُلحِدون اليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين”(25) وأيضاً:” وقال الذين كفروا: ان هذا افك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون. “(26)
لقد كانت مكة عند ظهور الإسلام فيها عدد كبير من العبيد من جملتهم الأحباش النصارى(27)وقد تركوا أثراً في لغة أهل مكة تدل على أثرهم في المجتمع. وقد اشار العلماء الى ورود بعض الفاظهم في القرآن والحديث. ويقول ابن هشام :”ان شماسا ًقدم مكة في الجاهلية فعجب الناس منه…”(28) وكان قد ورد في الأخبار ان بعض الرهبان والشمامسة جاءت إلى مكة. وقد كان بينهم من يقوم بالتطبيب، وذكر اليعقوبي (29):”ان ممن تنصر من أحياء العرب قوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى”، وقد كان “ورقة بن نوفل” في جملة المتنصرين في بعض الروايات، فقد ذكر أنه تنصر واستحكم في النصرانية، وقرأ الكتب ومات عليها (30)، وورقة هذا كان إبن عم خديجة ، وأصبح قساً ثم أسقفاً على شيعة الإيبونيين (31) التي انتشرت في الوسط القرشي، وكان قد ارتقى للأسقفية واستفاد من شعره في الدعوة الى عبادة الله كقوله
“أدين لرب يستجيب ولا أرى أدين لمن لايسمع الدهر واعياً”
أقول اذا صليت في كل بيعة (32) تباركتَ قد أكثرتُ باسمك داعياً(33)
الطائف
كان فيها نفر من الموالي النصارى منهم عدّاس النينوي الأصل، وكان مملوكاً لعقبة بن ربيعة، وقد قابل االرسول عند ذهابه الى ثقيف. (34) اما اليمامة وقد عدها ياقوت من نجد وسماها جوا ( في معجم البلدان) فقد دخلتها النصرانية، ووصلت إلى حكّامها، ونستدل من شعر للاعشى يمدح فيه (هوذه بن علي) حاكمها الذي مَّنّ على الشاعر ففك وثاق قوم من تميم يوم الفصح تقرباً لإلهه: بهم تقرب يوم الفصح ضاحية يرجو الاله بما سدى وما صنعا. (35)
أما منطفة “الخليج العربي” فان النصرانية دخلتها من الشمال الى الحيرة، ومن البحر من تجار الروم، فوجدت سبيلآً إلى البحرين و قطر وهَجر وبعض جزر الخليج. وكانت على المذهب النسطوري. وهناك دليل على مدى التأثير الديني التوحيدي في مكة، وهو ما رسم على جدران الكعبة من الداخل، من صور الأنبياء والملائكة الذين يذكر الكتّاب قصصهم، وبخاصة صورة “عيسى بن مريم وأمه”. فقد روى الأزرقي أنه ”جعلت في دعائمها صور الأنبياء …وصور الملائكة فكان فيها صورة ابراهيم خليل الرحمان شيخ يستسقم بالازلام وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة عليهم السلام أجمعين. فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله (ص) البيت ( الكعبة) فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبّلَه بالماء وأمر بطمس تلك الصور فطمست. ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وامه عليهما السلام، وقال :” امحوا جميع الصور الاما تحت يدي”. فرفع يديه عن عيسى بن مريم وأمه، ونظر الى صورة ابراهيم فقال: قاتلهم الله ! جعلوه يستسقم بالأزلام ما لإبراهيم والأزلام”(36) ويقصد أن ابراهيم موحد بريء من الشرك والجاهلية ولايعالج ويشفي، بالأزلام فهذه هي سهام العرافة والقمار و ابراهيم لم يفعلها قط..
المسيحية في جنوب شبه الجزيرة العربية
دخّلتْ المسيحية في هذه المنطقة في فترة مبكّرة، وكان سكّانها من القبائل المقيمة على الهضب العالية التي تسيّطر على السواحل الشرقية والغربية للبحر الأحمر، قبل أن تتجه نحو المحيط الهندي. نشأت هناك دولتان متقابلتان أقدَّمها (العربية السعيدة) للطافة مناخها وغنى مواردها، بخلاف الأجزاء الموجودة في وسط الجزيرة العربية. كان ميناء (عدن) منذ أقدم الأزمنة موضع تبادل بين دول البحر الأبيض المتوسط (مصر، آسيا الصغرى،اليونان والجزر البعيدة). واضّطر ملوكُ سبأ الذين كانوا يعيشون في هذه البلاد، أن يدافعوا عنها ضد المصريين والآشوريين، وقد ذكر” الكتاب المقدس “زيارة ملكة سبأ (بلقيس) الى ( سليمان الحكيم ). ولم يكن للرومان مع هذه المناطق إلا صِلاتْ بعيدة. ومنذ القرن الأول كان يُطلق على هذه الدولة إسم مملكة حميَّر. في الضفة المقابلة لعب ميناء آدوليس بالنسبة للحبشة، نفس الدور، الذي قام به ميناء عدن لعرب الجنوب. ومنذ عهد بعيد كانت القبائل الحبشية مثل الغلاس والدنكلي والصومالي، قد تأثرت بالتسَّربات العربية من الوجهة الطبيعية، ومن الوجهة الروحية وجلبت من شبه الجزيرة العربية اللغة والكتابة. وكانت حميَّر قد تأثرت بالدعاية اليهودية، خاصة بعد تدمير القدس على يد القائد الروماني تيطس السنة 70 م. وقد اكتشف العلامة ريكمانس(37) عددا ًكبيراً من الأسماء الحميَّرية الجنوبيّة، تذكر البعض منها كلمة الرب: كرب السماء والأرض، والرحمن. ولعل هذا قد مهد السبيل بقبول المسيحية عند وصول دعوتها إلى هذه المنطقة في القرن 4 المسيحي، عندما أصبح القديس فروماتيوس مطراناً للحبشة. وقد أرسل الأمراطور قسطنطين الكبير الى الحميّريين الراهبَ ثيوفيلوس لهدايتهم. وفي الوقت ذاته للحصول على حرية الصفقات التجارية، وحرية العبادة للتجار الروميين. ويؤكد المؤرخ فيلوستورج في كتابه “تاريخ الكنيسة” (38)، ان هذه المهمة كُلِّلتْ بنجاحٍ كبير، فقد اعتنق الملكُ نفسه المسيحية، وأسس ثلاث كنائس، منها كنيسة ظُفار. ولكن من الصعب قبول هذه الرواية اذ ان حياة الكنيسة العربية والكنيسة الحبشية في القرن 5 المسيحي، كانت لاتزال مجهولة . والشيْ الأكيد هو ان المسيحية وصلت الى مملكتي حومر واكسوم، ومن ناحية أخرى أنه لم يكُّن للكنيسة جذور عميقة. كان يوجد في هذا العهد كنائس ليس في صفر وعدن فحسب، ولكن أيضاً في داخل الجزيرة في نجران. وتقول بعض الروايات انه كان يوجد مسيحي سوري اسمه فيميون مع زميل له، فأٌسرا أثناء غزّوة وبِيعا في نجران، وهناك يبَّسَ فيميون بطريقة عجائبية نخلاً كان معبوداً من الشعب، فاهتدى الشعب الى المسيحية. وتقول السيرة (39)ان فيميون وكان راهباً هو الذي حمل أهل نجران على المسيحية وأسس بها كنيسة “يعقوبية”. وهناك رواية أخرى مؤداها أنه استطاع أن يُبعدْ ابنُ أحدِ أعيان النجرانييّن (اسمه عبد الله بن نمير) من التتلمذ على يد حاوٍٍ، وجعله يُقِّرُ بوحدانية الله. وعندئذ استطاع الله أن يعمل كَراماتٍ عديدةٍ فتغلب على سَحَرةِ البلاد، وكان قربُ ضفتّي البحر الأحمر، يسَّهل الغزّوات. ففي القرن 6 المسيحي احتل ملك أكسوم جزءاً من نجران، وأقام في صَفر نائبَ ملك وحامية ، فنشأ مركز مسيحي جديد، ولكن لم يكُن أهل المنطقة وبخاصة يهودُ نجران ميالين لهم.

وأرسل المطران اليعقوبي ” يعقوب السروجي” الى الجماعة المسيحية في نجران مبشراً اياها بمذهب اليعقوبية (الطبيعة الواحدة) . وفي حوالي 523 قام القائد الحميّري (ذو النواس) باعتناق اليهودية، وقاد حملة ضدَ الحبشة، واستولى على صَفر وقتل الحامية والكهنة وحوّل الكنيسة الى كنيس، وحاصَر نجران، وأمر بحرق المسيحيين في أُخدود، وكان عددهم 40000، فأثَّر هذا في مشاعر الأمراطور الرومي، فأرسل ملك أكسوم قائده أرياط (كالب) حيث قبضَ على (ذي النواس) وقتله بيده، وأعادَ المسيحية. وقد ورد ذكر هذه في القرآن الكريم .(40) “وقُتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود. اذ هم عليها قعود. وهم على مايفعلون بالمؤمنين شهود…”
وقد روى “ابن هشام” أن ابن اسحق قال فيمن قتل ذو النواس عبد الله بن الثامر رأسهم وإمامهم. وقد وجدت رفات ابن الثامر هذا
في خِربةٍ من خِربِ نجران زمن عمر بن الخطاب، والرجل قاعد يضع يده على ضربة في رأسه، فاذا أُزيحت يدُه سال الدمُ من موضعِ الضربةِ، وإذا تُركت امسك الدم، وفي يده خاتم مكتوب فيه (ربي الله). وكتب إلى عمر في أمره ، فأمر ان يقّروه على حاله، ويردّوا عليه الدفن كما كان عليه.(41) وبقصة عبد الله بن الثامر وايجاد جسده بعد زمن ولم يَبَلَ. وبروايات أخرى رواها الإخباريون عن حمزة بن عبد الله وغيره، قورن القول في القرآن الكريم عند بعضهم، ( ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)(42).
في الغزو الحبشي الثاني لليمن، أراد (أبرهة الاشرم) الذي ثار ضد النجاشي، وتخّلص من سلطته مع بقائه موالياً للقسطنطينية، أن يجعل من كنيسة نجران كعبة يحج اليها العرب ليصرف أنظارهم عن كعبة إبراهيم في مكة، مع سبب سياسي دفعه الى محاولة
احتلال مكة،عام 542 مسيحية، ألا وهو محاولة السيطرة على الطريق التجاري الواصل بين اليمن وبلاد الشام، والوصول الى الروم فيها. في كنيسة نجران،
قال الأعشى
وكعبة نجران حتمٌ عل يك حتى تٌناخي بأبوابها
نزور يزيداً وعبد المسيح وقيساً هم خير أربابها(43)
وكانت المستوطنات المسيحية في جنوب الجزيرة مزدهرة ايام النبي محمد، الذي وَهب ضمانات لمسيحيي نجران. وقد جاء في أخبار المؤرخين المسلمين حكاية المباهّلة بين الكهنة المسيحيين النجرانيين ومحمد. (44) وقد طرد عمر بن الخطاب المسيحيين، فذهبوا الى مابينَ البحرين، وأسسوا هناك” نجران جديدة”، وفي أواخر القرن الثامن، بعد اعتناقهم لمدة طويلة مذهب الطبيعة الواحدة، قبلوا المذهب النسطوري الذي نشره بين صفوفهم تيموطاوس، كاثوليكوس فارس.(45)
خاتمة
مما لاشك فيه، أنه لا غنى للاِنسان قديماً وحديثاً عنٍ دين ينير ظلام نفسه، ويَهدي نفورَ قلبِه إلى سبل الخير، ويثير طاقاته لتنشط في الحق، وبالرغم من وجود أديان وثنية وضحية لدى عرب الجزيرة العربية الا ان فريقاً لابأس به كان قد قبل بالديانتين السماويتين : اليهودية والمسيحية، وكان ذلك تمهيداً لقبول المجتمع العربي بالاسلام لاحقاً. ونحن في مقالنا هذا اكتفينا بتسليط الضوء يسيراً على موطن العرب الأصيل “الجزيرة العربية ” وعلى الأصل المسيحي فيه.
_ سئل صحفي لبناني مسيحي ماروني تمت استضافتُه في برنامج تلفزيوني في محطة تلفزيونية لبنانية إسلامية بعد توقف الحرب الأهلية اللبنانية: ” لماذا لم تهاجر كما هاجر معظم المسيحيين اللبنانيين؟ فأجاب: ” لم ولن أهاجر من لبنان، وان أُكرهتُ على الهجرة فلن أُهاجر الا الى الجزيرة العربية فهي موطن أجداددي،” وتابع مازحاً:” لكني سأطالب عندها بنصيبي من عائدات النفط لأنها من حقي.”
– كنا نعدُ هذه التدوينة لنشرها في “مجلة دراسات تاريخية” التي كان يصدرها قسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الانسانية في جامعة دمشق بطلب من رئيس التحرير الاستاذ العلامة ناظم كلاس وبعد تقديمها له وموافقته عليها، انتقل فجأة الى رحمة الله تعالى في اواخر القرن 20 ولم تُنشر فنشرناها في مجلة “النشرة البطريركية” لسان حال بطريركية أنطاكية وسائر المشرق 2002 مع المقدمة. ثم في موقعنا لأول مرة في 12 شباط 2008.
حواشي البحث:
(1)- الأب د . جورج قنواتي، المسيحية والحضارة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
(2)-ياقوت الحموي، معجم البلدان ، دار صادر، بيروت.
(3)-محمد حسين هيكل، حياة محمد، القاهرة.
(4)- د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، دار العلم بيروت ط2 1978 .
(5)- المصدر ذاته.
(6)-لسان العرب ، صادر، بيروت.
(7)-انجيل متى(ص7:1 )
(8)- الفاتحة.
(9)- الأب جرجس داود، أديان العرب قبل الاسلام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بييروت.
(10)-حتي ورفاقه، تاريخ العرب، ط 5، دار غندور، بيروت 1974 .
(11)-الملل والنحل ،ج3 ،مؤسسة الحلبي، القاهرة.
(12)-الديوان، تحقيق حسين نصار، ط1 1957 ، مكتبة البابي، مصر./ أوعبت:حفظت في الوعاء.
(13)- أحمد أمين، فجر الاسلام، دار الكتاب العربي(بيروت).
(14)- الكتاب المقدس،( أ ع:4-169 ).
(15)-الأب د. جورج قنواتي، المسيحية والحضارة العربية.
(16)-ابن هشام،4: 169
(17)- المصدر ذاته.
(18)- البلدان 2/ 487 / ذكره الأب داود :أديان العرب قبل الاسلام.
(19)- حسين هيكل، حياة محمد.
(20)-ديوان حسان ص 64، دار احياء التراث العربي بيروت.
(21)-النسطورية :نسبة الى نسطوريوس بطريرك القسطنطينية عام428 ، ومؤداها: ان في المسيح شخصين احدهما الهي، والأخر انساني غيرملازمين بالضرورة أحدهما الآخر. فالمسيح عندما ولد كان انساناً محضاً ثم سكنت فيه الألوهة كما في هيكل ولازمته الى حين صلبه. حينئذ فارقته فلم يكن على الصليب سوى انسان متألم. لذلك فان اتباع هذا المذهب يسمون العذراء مريم والدة المسيح وليس والدة الاله . وقد قرر المجمع المسكوني الثالث (أفسس-431 ) رفض هذه الهرطقة وأكد أمومة السيدة العذراء الالهية. وانتشر النساطرة في الجزيرة العربية وفارس ووصل تبشيرهم الى الملابار (الهند)وتركستان والتبت وحتى الصين. وقد أكد ذلك الرحالة ماركوبولو حيث شهد وجود مئات الالوف من النساطرة هناك ويرأسهم الجاثليق ( نائب البطريرك).
(22)-المشرق السنة 3 العدد 11 .
(23)-السيرة النبوية،1/393 .
(24)-جواد علي 6/603 .
(25)-سورة النحل 16/103 .
(26)-الفرقان 25/4 .
(27)-ج. علي ج3 /606 .
(28)- السيرة 1/326 .
(29)-اليعقوبي، أديان العرب، ج1 ص227 .
(30)- المصدر ذاته، ص298، ذكره ج. علي ج6 ص 607 .
(31)-الايبونية: كلمة يونانية تنسب الى التطويبة :” طوبى للمساكين …. ” تعني الفقراء باختيارهم.
(32)-البيعة: الكنيسة أي الرعية.
(33)- الأغاني: 3/16.
(34)- السيرة 1و2 /421
(35)-الديوان110 المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت.
(36)-أخبار مكة 1 ص104 ، تاريخ العرب ج5 ص172.
(37)-الأب قنواتي، المسيحية والحضارة العربية.
(38)- المصدر ذاته.
(39)- ابن هشام 1/33 ومابعد.
(40)-البروج 4
|(41)- السيرة 1/36.
(42)- آل عمران 3/169 ،والسيرة1/37.
(43)-البلدان:5/268 صادر، بيروت.
(44)-ماسينيون، ذكره الأب قنواتي.
(45)-تاريخ الكنيسة لفليش ومارتان ج4 ص527 ذكره الأب قنواتي.
مصادر البحث:
1-الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد
2-القرآن الكريم
3-أحمد أمين، فجر الاسلام، دار الكتاب العربي، بيروت 1969
4-ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق السقا، الأبياري، الشلبي _دار الكنوزالأدبية .
5-الأصفهاني، الأغاني، مؤسسة جمال للطباعة ،بيروت.
6-ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر، بيروت.
7-فيليب حتي ورفاقه، تاريخ العرب، دار غندور، بيروت1974 .
8-جرجي زيدان، العرب قبل الاسلام.
9- جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، ط2 دار العلم للملايين بيروت ط2،1978 .
10- لويس شيخو، المشرق، بيروت1908.
11- شعراء النصرانية.
12-محمد حسين هيكل، حياة محمد، القاهرة.
13-لسان العرب، مكتبة صادر.
14-الأب جرجس داود، أديان العرب قبل الاسلام، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت 1981 .
15- د. أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى ج2 .
16- الملل والنحل ج3 مؤسسة الحلبي، القاهرة
17-الديوان، تحقيق حسين نصار، ط1، 1957 القاهرة.
18-الأب د. جورج شحادة قنواتي، المسيحية والحضارة العربية، المؤسسة العربية للدراسات ،بيروت
19- سميرنوف، تاريخ الكنيسة المسيحية، تعريب المطران الكسندروس جحى.
دمشق 20 آب 2026


