هل الروم الكاثوليك جسر بين الكنيستين الارثوذكسية والكاثوليكية

الروم الكاثوليك هل هم جسر اتصال بين الارثوذكسية والكاثوليكية؟

الروم الكاثوليك هل هم جسر اتصال بين الارثوذكسية والكاثوليكية؟

كتب الاخ شربل عاد الكاثوليكي الاصل المعتنق للارثوذكسية على صفجته:

لم يكن كلامي عن الروم الكاثوليك هباءً منثوراً عندما أشرتُ إلى خضوعهم لسلطة بابا روما وهيمنة الفاتيكان التي تقضم تقليدهم الشرقي رويداً رويداً؛ فالتاريخ والواقع يثبتان يوماً بعد يوم أن ما يُسمّى “شركة” ليس في حقيقته سوى تبعية إدارية وليتورجية وعقائدية كاملة تُسقط قناع الخصوصية المزعومة. واليوم نشهد امتعاضاً واسعاً بين أبناء هذه الطائفة، من ضياع ليتورجيّتهم الشرقية، وتبنّي عادات وطقوس الكنيسة البابوية.

​إنّ إفتيميوس الصيفي مطران صور وصيدا، وهو أوّل منشقّ علني عن الكنيسة الأرثوذكسية، كان قد تشرَّب منذ نعومة أظفاره التعاليم والمبادئ اللاتينية، قد قَلَب بإصلاحاته تسليم الكنيسة الأرثوذكسي رأساً على عقب. يقول الأب الياس كويتر المخلّصي: “بعض الاصلاحات التي قام بها الصيفي قليلة الأهمية، وبعضها يطال أموراً خطيرة كالصوم والقطاعة والاستحالة في القدّاس”.

​نذكر هنا إصلاحاته المتهوّرة: ١- سمح للرجل أن يتزوَّج مرة رابعة، بعد زواج أول وثانٍ وثالث بعد وفاة زوجته. ​٢- فسح من مانع القرابة، فسمح بالزواج بين الأقرباء، وفسح أيضاً من الدرجة في مختلف وجوهها. ٣- ​سمح بأكل السمك في مدة الصيام ويومَي الاربعاء والجمعة. ٤- قال بأن الاستحالة الجوهرية تتمّ فقط بكلام التقديس، فألغى فاعلية استدعاء الروح القدس. ٥- أبطل استعمال الزوان الحارّ (أي الماء الحارّ) في الكنيسة. ٦- ​سمح للكهنة بتناول القربان أثناء القداس مع الاساقفة بالفم وليس بالأيدي. ٧- ألغى تلاوة تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم في القداس. ٨-​سمح للكهنة بإقامة قدّاسَين أو ثلاثة على الهيكل ذاته. ٩- رسم كهنة من غير أبرشيته، ووضع نظاماً عامّاً لكلّ البطريركية. ​١٠- استعمل التاج اللاتيني بدل التاج الرومي في الكنيسة.

فهذه التبديلات العقائدية والطقسية حملت الصيفي “لكي يخلق كنيسة جديدة” — كما يشهد الأب المذكور — عبر وضع نظام تجديد شامل وكامل مُستحدَث، صَنَع هوية لاهوتية مغايرة سَلَخَت الرعية (الشعب المؤمن) عن أصلها الأرثوذكسي ولا تشبه تسليم الآباء القديسين في شيء.

​فلاقى مقاومة هذا الإصلاح التخريبي (والذي هو بنظر الكنيسة انحرافاً) إذ لم تقف الكنيسة مكتوفة الأيدي، فعُقد مجمع سنة ١٧١٨ في القسطنيطينة من البطاركة الأرثوذكس وحرموا إفتيميوس الصيفي وجرّدوه من الكهنوت، هذا “المُضلّل العابث بسلام كنيسة المسيح الأرثوذكسيّة”.

​إن هذا المسار التخريبي الذي افتتحه الصيفي بالانشقاق والتنازل، هو الذي أفرز واقعاً مشوهاً نراه اليوم؛ حيث تلاشت أكذوبة “الجسر” المزعوم بين الشرق والغرب، وتبيّن للعلن أن هذا الجسر ما كان يوماً إلا معبراً باتجاه واحد نحو الذوبان واللَتنَنة الكاملة تحت مطرقة هيمنة روما.

​وهنا نسأل هؤلاء المدَّعين بشعارات “الشركة” والمحافظة على التقليد، أسئلة منطقية تفكّك أوهامهم:

​أولاً: إن كنتم حلفاء في “شركة متساوية” وليس رعايا خاضعين، فلماذا تحتاج تعيينات بطاركتكم ومجامعكم إلى “تثبيت وموافقة حبرية” من بابا روما لتكتسب شرعيتها؟ هل يطلب بابا روما يوماً موافقة بطاركتكم ليعيّن أساقفته؟

​ثانياً: إن كنتم محافظين على التقليد، فلماذا تبصمون عقائدياً على أن الاستحالة تتم فقط بكلام التقديس اللاتيني (كما فعل الصيفي) مفرغين صلاة استدعاء الروح القدس من جوهرها الشرق آبائي؟ وهل يُسمّى إدخال التماثيل والآلات الموسيقية وتقليص الأصوام في بيئاتكم الكاثوليكية حفاظاً على الجذور؟

​ثالثاً: كيف يستقيم لاهوت الأسرار عندكم والكاهن يقطع “الحمل الواحد” بـ”الحربة” على المذبح، بينما يُحرم الشعب من الاشتراك في هذا الحمل نفسه، ويُناولون من قرابين صغيرة ومجزأة أُعدّت على حدة؟ أين هذا من واقع كنيستنا الأرثوذكسية حيث يشترك المؤمنون علناً في ذات الحمل الواحد المرفوع من الكأس الواحدة، تجسيداً لقول الرسول: “فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ” (1 كو 10: 17)؟

​رابعاً: إن كنتم تزعمون أنكم “جسر” يصل الشرق بالغرب، فمن الواضح للعيان أن جسركم هذا هو طريق ذو اتجاه واحد فقط؛ يعبر فوقه التغريب واللتنَنة لتشويه شرقيتكم، ولم تعبر فوقه يوماً أرثوذكسية واحدة لتغيير روما! فلماذا طُلب منكم أنتم أن تبصموا على عقائد روما المستحدثة (كالمطهر، والحبل بلا دنس، وعصمة البابا…)، في حين لم نَرَ الفاتيكان يتنازل خطوة واحدة ليتوافق مع لاهوت الآباء القديسين والمجامع المسكونية السبعة كقاعدة وحيدة للإيمان؟ الجسر الحقيقي يربط بين ضفَّتَين متساويتين، أما جسركم فما هو إلا مَعبَر للتنازل الذاتي.

​ولمَن لا يزال ينخدع بشعارات “الأخوّة”، نضع أمامه الفصل الخطير من كلام الأب الياس كويتر المخلّصي حرفياً، حيث يفضح طبيعة هذه العلاقة عند حديثه عن محاولات البطريرك مكسيموس مظلوم، فيقول بوضوح: “إنّ الرغبة في التجدد لم تجد تجاوباً عند الأساقفة كلّهم وعند الكرسي الرسولي الروماني، الذي كان في ذلك الحين وصيّاً متزمِّتاً، قابضاً على كل حركة إصلاحية في الطائفة”.

​هذا هو الوجه الحقيقي لِـ”الشركة”؛ روما لم تكن يوماً شريكة، بل كانت ولا تزال “وصيّاً متزمتاً قابضاً” يخنق أنفاسهم الإدارية والطقسية والعقائدية. فكيف يستقيم ادّعاء الحرية، وكتاب تاريخكم يشهد أنكم مجرد رعايا تحت وصاية أجنبية متزمّتة تحصي عليكم أنفاسكم الكنسية؟

​إن الادّعاء الواهي بـ”الخصوصية الشرقية” تسحقه وثائقكم وحاضركم؛ إذ لا يمكن لأحد أن يدّعي حراسة التقليد وهو قد فرّط بجوهره وباعه بثمن بخس. إن الذي يسترخص خبز التقاليد الليتورجية والآبائية، ينتبه حتماً إلى أنه فقد هويّته بالكامل، ليتحوّل إلى مجرد تابع إداري وقانوني لا يملك من الشرق إلا الرماد والقشور الشكليّة.

وتكتمل فصول هذه الحقيقة الـمُرّة بصرخة مدوية من قلب البيت الكاثوليكي نفسه، وتحديداً في الصفحة ٧١ من كتاب المطران الكاثوليكي الياس زغبي “ألسنا كلنا منشقين؟” حيث ينسف الادّعاء الباطل “الجسر والتمثيل الشرقي” معترفاً بمرارة: “إن اشتراك الرؤساء الكنسيين الشرقيين الكاثوليكيين في مجمعي الفاتيكان الأول والثاني لا يضفي عليهما صفتي المسكونية والعصمة.. لأن هؤلاء الرؤساء لا تؤهّلهم ثقافتهم الدينية، وهي غربية أكثر منها شرقية، كما لا يؤهّلهم هجرهم للأرثوذكسية لأن يكونوا ممثلين شرعيين لها، ولا للتقليد الشرقي”. ويتابع المطران كاشفاً حقيقة نظرة روما الدونيّة لهم وفضل هذه التفرقة في المعاملة بين الكاثوليك الشرقيين والأرثوذكس: “ففي فرض التقاليد اللاتينية علينا، لا يشجع الأرثوذكسيين على المضي في طريق الوحدة، نسمع الجواب ذاته: إن وضع الشرقيين المنضمّين خاص بهم، وسيرسّي الاتحاد مع الأرثوذكسية على قواعد أخرى”.

​فأيّ ذوبان وتغريب أوضح من هذا الاعتراف؟

​نعم، لم يَعُد — هو من الأساس ليس كذلك — باستطاعة الملكيين لعب دور الوسيط بين كنيسة روما والقسطنطينية كما يقول الأب أبي سعدى المخلّصي. ولكن لماذا؟ لأنّه كان مؤسَّساً على الرَّمل “فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا!»” (مت 7: 27).

​شربل يوحنا

ويتابع بالقول:

لمَن يحبّ الحقيقة الكاملة بدون مجاملة، أقول بإيجاز: بمحبة مع ألم أكتب كل هذا، لا حقداً على أحد ولا تسجيل أهداف بأحد. وبما أنني كنت ابناً لهذه الطائفة (الروم الكاثوليك) وعدتُ بالتاريخ إلى ما قبل الانشقاق (١٧٢٤)، أضع هذه السطور الوجيزة أمامكم مع التواريخ والأحداث والأسماء. وإذا كنتُ أكذب، تستطيعون أن تبيّنوا كذبي عبر مراجعتكم ما كتبت. ولكن لم أجد تعليقاً مجرَّداً من الشخصنة، وهذا آخر همّي بل بركة. ولكن المعضلة الأساسية — وبحزن أقولها — أنني لم أجد إنساناً يحاجج بموضوعية، يأتيني بالحجة والدليل والبرهان. والأسف الشديد أن هناك عدم تمييز وقلّة معرفة في الإيمان (حتى في إيمانه). الآباء القديسون يقولون أن الجهل هو جحيم آخر.

والآن الخلاصة: ليسوا كاثوليكاً ولا أرثوذكساً، إذاً مَن هم؟ أجسراً بين الشرق والغرب؟ لقد أوضحنا مراراً ومن إكليروسهم أنهم لا. أشَركة مع روما؟ أيضاً لا. ما هو دورهم؟ لو تبعوا روما وانتهى الأمر لكنّا سكتنا، ولو بقوا في الكنيسة الأرثوذكسية لكنّا سكتنا. ولكن الأمر مغاير تمام المغايرة: لقد انفصلوا عن الكنيسة الأرثوذكسية وتبعوا البابا، وفوق كل هذا هم ممتعضون من الحالة التي فيها، الغطرسة والهيمنة البابوية كما أثبتنا ذلك مراراً وتكراراً.

وأمراً صغيراً بعد، إن الكلام في العقائد والهرطقات ليس عيباً، أو هو باب للتفرقة والتقسيم. أبداً. بل يجب أن نعرف إيماننا، ونتكلَّم به، لأنّ مَن يحبّ أحداً يتعرّف عليه، يتقرَّب منه… فكيف لي أن أؤمن بإله أجهله؟ والإشارة إلى الانشقاقات والهرطقات هو واجب على كل إنسان، الإشارة إلى الهرطقة هي إطلاق صافرة الإنذار قبل غرق السفينة. فالهرطقة تقوّض وحدة الكنيسة، وتضرب جوهر الإيمان وتشوّه وجه الله الذي أعبده وتفصلني عن الشركة مع الله، هكذا وصفها آباؤنا المتوشحون بالله. فهي كالمرض الآكل في الجسد الواحد؛ إن لم يُبتر في الحين، سَرى سمُّه ليفسد سائر الأعضاء، ويقطع الصلة الحيوية برأس الجسد الذي هو المسيح. و “إذا اهتزت العقيدة اهتزّ الخلاص” يقول القديس أثناسيوس الكبير.

واليوم، كلّما وقف الإنسان في وجه البدعة، رشقوه بآية: “لا تدينوا لكي لا تُدانوا”، متناسين عن جهل أو تعام أن شَجب الهرطقة ليس إدانة لشخص المبتدع بل دفاعاً عن الحق. نحن لا ندين خطايا الناس، بل نفضح تشويه الإيمان المستقيم. الإدانة هي أن أنصّب نفسي دياناً على خلاص أخي؛ أما السكوت عن الهرطقة بحجة “عدم الإدانة” فهو جبنٌ روحي وخيانة للمسيح، فالآباء لم يصمتوا ترفاً، بل صرخوا في المجامع تثبيتاً للحق.

عندما يتكلّم الأرثوذكسي لحماية الإيمان، فهو لا يدين أحداً، بل يمارس واجب الأمانة؛ لأن الصمت هنا ليس فضيلة اتّضاع، بل هو تواطؤ مع مشوِّهي وجه المسيح.

المحبة التي يُتغنّى بها اليوم، هي عاطفية دنيوية بشريّة، لماذا؟ لأنها تريد أن تجمع الباطل مع الحق، الاستقامة مع الهرطقة، المُرّ مع الحلو، الكذب مع الحقيقة. تريدني أن أعبد الرب خالقي ومخلِّصي بطريقة عاطفية رومانسيّة… تريد أن تُلغي الغيرة الإلهية من قلبي، وتستبدل الحق بالتمثيل، متناسية أن الله محبة نعم، ولكنه نارٌ آكلة أيضاً. هذه المحبة المزيفة هي أفيون العصر؛ تخدّر الضمير وتعمي البصيرة لتمرير الهرطقة تحت شعار السلام والقبول، بينما في حقيقتها تفصل الإنسان عن الإله الحقيقي وتتركه في جحيم الجهل. إن محبة تغض الطرف عن تشويه وجه الله وعقيدته، ليست محبة بل هي خيانة موصوفة؛ لأن المحبة الحقيقية لا تفرح بالإثم والباطل، بل تفرح بالحق حتى الموت.

Paul Iyadlb عقب عليه

الرجوع إلى التاريخ والوثائق هو قمة متعتنا، فلنعد معاً ولنرى مَن الذي يحتاج إلى المراجعة والتدقيق!

ولكي نضع النقاط على الحروف وننهي خرافة “السيامة في المريمية”، التاريخ يوثّق أن كيرلس طاناس سِيمَ في عتمة الدهاليز والبيوت المغلقة (في مغارة) خوفاً من غضب شعب دمشق الأرثوذكسي الذي كان يملأ كنيسة المريمية رافضاً الانقلاب البابوي. والأساقفة الثلاثة الذين وضعوا أيديهم عليه كانوا ساقطين قانونياً ولاهوتياً؛ فكيف لسيامة منشقّة، من أساقفة غير قانونيين، في مغارة مظلمة، أن تصنع بطريركاً شرعياً؟!

الشرعية كانت ولا تزال مع البطريرك الأرثوذكسي سلفسترس الذي سِيمَ علناً وفق القوانين الكنسية المقدسة.

​أما محاولة اللعب على وتر “التدخل اليوناني” لابتزازنا عاطفياً، فهي حجة ساقطة لسببين يجهلهما مَن يقرأ التاريخ بعين طائفية:

​أولاً: كنيسة أنطاكيا الأرثوذكسية، عبر مطارنتها وإكليروسها الشرعي، هي التي طالبت واستنجدت بكنيسة القسطنطينية للتدخل السريع لإنقاذ الكرسي الأنطاكي من الغزو البابوي والقناصل الفرنسيين الذين كانوا يشترون الذمم بالمال.

​ثانياً: الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة جامعة. نحن في شركة إيمان واحدة؛ وعندما تدخل البدع والانشقاقات وتتشوه العقيدة المستقيمة، يصبح تدخل الكنائس الشقيقة واجباً إلهياً لحفظ وديعة الإيمان لحماية الجسد الواحد من الفساد.

​التدخل اليوناني جاء لحماية الأرثوذكسية الأنطاكية من اللتننة والذوبان في روما، ولم يأتِ ليتحدى شعباً أو يفرض عرقاً. الأصيل بقي في كنيسته مستنجداً بإخوته في الإيمان، والمنشقّ هو من ارتمى في أحضان روما ليفصل نفسه عن الشرق وتاريخه

بعض الردود والردود عليها

Joseph Khl

سيدي كاتب هذه الكلمات، تقول انك كنت كاثوليكي، ثم ذهبت الى الكنيسة الارثوذكسية. اذا انت منشق، ثم تسمح لنفسك بالكلام عن الروم الكاثوليك انهم انشقوا عن الكنيسة الارثوذكسية وانهم يأتمرون بأوامر روما، وأنها هي من تعين بطاركة الكنائس الشرقية. هنا اريد ان اقول لك انك بكل أسف لا تفقه شيأ من تاريخ كنيسة انطاكية التي لم تنفصل البته عن كنيسة روما بل كانت دائما على وحدةوشراكة تامة مع روما، ورسائل بطاركتها قبل العام ١٧٢٤، التي ما زالت محفوظة في أرشيف الفاتيكان، خير دليل على ذلك. اذكر منها رسالة البطريرك افتيموس كرمه والبطريرك مكاريوس ابن الزعيم، الذي خصصت له كتابا، قدّم له الطيب الذكر المطران بولس اليازجي. واضيف الى معلوماتك الناقصة الى ان بطريرك القسطنطينية، منذ العام ١٧٢٤، وحتى العام ١٨٩٩، كان يعين بطريرك انطاكية للروم الارثوذكس، أي انه كان بطريرك غير منتخب، وكان يوناني ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالكرسي الانطاكي، والبطريرك الغير منتخب هو بطريرك دخيل وغير شرعي. اما البطريرك الشرعي هو البطريرك المنتخب، وهذا ما كان وما زال يحصل عند الروم الملكييّن الكاثوليك منذ العام ١٧٢٤.

ان كلماتك التي دونتها على صفحتك مفعمة بروح التعصب الغير مجدي، والذي لا يحمل روح المحبة والانفتاح. اسمح لي أنك انسان يعيش من حطام الماضي، ولا ينظر الى المستقبل بروح المحبة، روح المسيح…

اما عصمة البابا التي تتكلم عنها، كانت قد تقررت أثناء المجمع الفاتيكاني الأول، ثم الغيت في المجمع الفاتيكاني الثاني.. هذا دليل آخر انك لا تفقه شيأ من تاريخ الكنيسة.

اخيرا اقول لك انني اضعت من وقتي بان كتبت ردا على كلامك الذي لا يستحق الرد و لا حتى القراءة لانه كلامي مبني على الحقد، وغير مبني على المحبة التي علمنا اياها السيد المسيح، احبو بعضكم بعضا واحسنوا الى مبغضيكم، وهذا ما فعلته معك.

رد الاخ شربل عل السيد Joseph Khl

Charbel G. Aad

صديقي الكريم، لقد عملتُ ما حلموا به بطاركتك ومطارنتك وكهنتك ولم يفلحوا، لقد اهتديت إلى الكنيسة الأم، الأرثوذكسية.

إفتيميوس كرمه، واجه ضغوطاً هائلة من الرهبان اللاتين ليوقع على “إقرار إيمان كاثوليكي” مستغلين حاجته للدعم. رسائله كانت لطلب الدعم العلمي والطباعي ولم تكن صك خضوع إداري أو عقائدي. ومكاريوس ابن الزعيم قام برحلتين طويلتين جداً إلى روسيا الأرثوذكسية (عام ١٦٥٢ وعام ١٦٦٦)، حيث استقبله القيصر الروسي والبطريرك نيكون كبطريرك أرثوذكسي شرعي، وشارك في مجامع موسكو الأرثوذكسية وعاد بأموال طائلة لترميم الكنائس الأنطاكية وسداد ديونها. لو كان مكاريوس كاثوليكياً أو خاضعاً لروما، لما استقبله قياصرة وروسيا وبطاركتها، ولما أمضى سنوات يخدم ويصلي على المذابح الأرثوذكسية الروسية. وموتهما (أي إفتيميوس كرمه ومكاريوس ابن الزعيم) في حضن الكنيسة الأرثوذكسية دون أي حرمان كنسي هو أكبر دليل على أرثوذكسيّتهما.

نأتي الآن إلى النغمة المكررة التي تحاولون عزفها دائماً للهروب من حقيقة انشقاقكم، وهي نغمة “البطاركة اليونان والتعيين بين ١٧٢٤ و١٨٩٩”:

تتباكى على تعيين بطاركة يونان للكرسي الأنطاكي وتسميهم “دخلاء وغير شرعيين”؟ يا لقصور النظر التاريخي! فرض القسطنطينية لبطاركة يونان بعد عام ١٧٢٤ كان إجراء طارئاً وحالة طوارئ كنسية لحماية ما تبقى من الكرسي الأنطاكي التاريخي من القرصنة والسرقة التي دبّرتها إرسالياتكم الأجنبية (اليسوعيون والفرنسيسكان). ​الشرعية في المفهوم الكنسي المستقيم لا تُقاس بجنسية البطريرك (سواء كان يونانياً، عربياً، أو روسياً)، بل تقاس بأمانته للإيمان القويم وثباته في جسد الكنيسة الواحدة المتَّصل بالرسل. هؤلاء البطاركة اليونان، ورغم كل الملاحظات الإدارية عليهم، حافظوا على الإيمان الأنطاكي الأرثوذكسي التاريخي كما تسلمناه من الرسولين بطرس وبولس، ولم يبيعوا الكرسي لروما.

تتفاخر بأن بطاركتكم منتخبون منذ ١٧٢٤؟ عن أي انتخاب تتحدث؟ انشقاقكم عام ١٧٢٤ وتنصيب “كيرلس السادس طاناس” لم يكن عُرساً ديمقراطياً، بل كان مؤامرة مطبوخة في أروقة قناصل فرنسا والإرساليات اللاتينية لشق البيت الواحد بالمال والنفوذ السياسي الغربي. ​وإذا كنتم أحراراً وتنتخبون بشرعية، فهل تجرؤ على إخباري ماذا يفعل بطريرككم المنتخب بعد كل انتخاب؟ يذهب راكعاً إلى روما طالباً “درع الشركة” (Pallium) من البابا! فإذا رفض البابا منحه إياه، طارت شرعيته وتبخر انتخابكم “الحر”!

أنتم لا تملكون صلاحية تثبيت بطريرككم دون صك غفران وتثبيت من “السلطان المطلق” القابع في الفاتيكان. فمَن هو الدخيل وغير الشرعي؟ مَن يحمي كنيسته في المجمعية الأرثوذكسية، أم مَن تحوَّل إلى مجرد إبرشية تابعة لشرق لاهوتي غريب؟

هنا أصل معك إلى ذروة الكوميديا التاريخية واللاهوتية في رسالتك؛ حين تدّعي بثقة غريبة أن عصمة البابا “تقررت في الفاتيكاني الأول وأُلغيت في الفاتيكاني الثاني”!

يا عزيزي، قبل أن تتهمني بأنني “لا أفقه شيئاً”، اذهب واقرأ كتاب التعليم المسيحي لكنيستك الكاثوليكية (المقال التاسع، أؤمن بالكنيسة المقدسة الكاثوليكية، البند ٨٩١)، واقرأ معه الدستور العقائدي للمجمع الفاتيكاني الثاني نفسه “نور الأمم” (المادة 25)، لترى بأم عينك أن المجمع لم يلغِ العصمة مطلقاً بل ثبّتها وأكّد عليها. من المخجل جداً أن تحاضر في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية وأنت لا تعرف عقائد كنيستك الكاثوليكية التي تدافع عنها!

أما محاولتك الوعظية باتهامي بـ”التعصب” والعيش على “حطام الماضي” لأنني كشفتُ الحقائق، فهي مردودة عليك. المحبة المسيحية الحقيقية مبنية على الحق والاستقامة، وليست شعارات عاطفية تُستغل لطمس التزوير التاريخي. لذلك، وفّر وعظك ونظرياتك عن المحبة لنفسك، واذهب أولاً واقرأ تاريخك جيداً قبل أن تتجرأ على محاورة أرثوذكسي يعرف تماماً أين يقف.

أنا رجعتُ إلى الأصل، والعودة إلى الأصل أمانة. أما أنت، فيؤسفني أن أقول لك إنك تعيش في رواية تاريخية وهمية، وتجهل عقائد كنيستك لاهوتياً (كما رأينا في فضيحة جهلك بعقيدة العصمة)، وتجهل تاريخ كنيستي كنسياً.

للعلم فقط، أنا أرسلتُ لك سابقاً ٣ مقالات تفصيلية توضح هذا التاريخ الحقيقي غير المزوّر، ولكن يبدو أنك لم تقرأها أو فضّلتَ تجاهلها لتستمر في تكرار نفس الأسطوانة المستهلكة.

Charbel G. Aad

يتابع الاخ شربل

حين أكتب عن الروم الكاثوليك، لا تتوارد إلى ذهني إلّا هذه الآية: “رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ.” (يع 1: . هذا التقلقل بين الكثلكة والأرثوذكسية، لا يجدي نفعاً، بل خطر يفسد أكثر ممّا يصلح. وكما يقول الأب أغابيوس أبي سعدى المخلّصي إنّ الكنيسة الملكيّة تُعتَبر كاثوليكية الهوى، أرثوذكسيّة الهُويّة، مثل هذا القول لا يستقيم.

لا يمكن للإنسان أن يعبُد ربَّين، لأنه إمّا أن يبغض الواحد ويحبّ الآخر كما يقول الرب يسوع. هذا “الجسر” الذي تتعلَّلون به، لا يقود إلى وحدة، بل هو تناقض صارخ. يقول الأب أبي سعدى إنّ الملكيّون يحيون في شركة مع الحبر الرومانيّ ويتبنّون تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، ومن جهة أخرى، متعلِّقون بالتراث الليتورجيّ والهيمنوغرافيّ والإيقونوغرافيّ الأرثوذكسيّ البيزنطيّ، تراث الآباء الأجداد. وهذا الكلام ينافي الكتاب والتاريخ والإيمان والعقل والمنطق.

نحن مع النبي إيليا الغيور نقول لهم: “«حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ». (1 مل 18: 21). إن كانت الأرثوذكسية (وهي كذلك) الكنيسة فاتبعوها، وإن كانت الكثلكة فاتبعوها.

أمّا بعد، ماذا أضافت شركتكم مع روما؟

بكلّ أبحاثي لم أجد أيّ إضافة مبارَكة بل العكس تماماً، وجدتُ بعض البطاركة الملكيّين، مثل غريغوريوس الثالث (لحّام)، لديهم شوق وتوق وحنين إلى الوحدة مع الأرثوذكس، ولكن العائق هو البقاء في شركة كاملة مع الكنيسة البابوية! أليس بين السطور ما يدلّ على هيمنة بابوية؟ كيف يمكن أن يتمّ ذلك؟ أن تكون في شركة مع اثنين في حين أنه لا يوجد شركة بين الاثنين هذين؟!؟!

شربل يوحنا