العرق الواحد والدم المسفوك: عندما دفع أيضاً “روم المشرق” ثمن حرية اليونان

العرق الواحد والدم المسفوك: عندما دفع أيضاً “روم المشرق” ثمن حرية اليونان

إن الروم المشرقيين لم يقفوا موقف المتفرج أثناء أحداث ثورة استقلال اليونان، بل تحولت مدنهم وقراهم وأديرتهم إلى حصون للاحتضان والتكافل ومساندة إخوتهم، وتحمّلوا في سبيل ذلك أقصى العقوبات والقرارات السيادية الانتقامية، مدفوعين بانتمائهم العريق لعرقهم وجنسهم الرومي وإيمانهم الأرثوذكسي المستقيم.

إليكم الوثائق التي تروي قصة “الأخوة في الدم” من قلب الأرشيف:

1. فرمان إحباط إبادة الروم الشاملة (1821م):

عند اندلاع الثورة في نيسان 1821م، تملّك الغضب العارم الباب العالي، وطرح السلطان محمود الثاني مشروع فتوى دينية تبيح إبادة عرق الروم (Rum Genos) بالكامل في كافة أراضي الدولة العثمانية. لكن شيخ الإسلام في ذلك الوقت الشركسي خليل أفندي رفض التوقيع عليها لعدم شرعية قتل الأبرياء والنساء، مما أدى لعزله واغتياله فوراً، واستبداله بمرسوم عقابي قيد الحركة وجعل كل رومي أرثوذكسي مستهدفاً أمنياً حتى يثبت العكس.

المصدر : (سجلات الأحكام السلطانية العثمانية – دفاتر المهمة – إسطنبول).

2_ إنقاذ سبايا مجزرة خيوس في أسواق الشام (1822م)

عقب مجزرة جزيرة خيوس المروعة في اليونان وسبي آلاف النساء والأطفال، شُحنت كميات ضخمة من الأسيرات اليونانيات لبيعهن في أسواق العبيد الكبرى كدمشق وحلب. توثق سجلات المحاكم الشرعية صدمة أعيان ونساء الروم المشرقيين، حيث تداعوا بوازع إثني وقومي عميق لشراء مئات الأسيرات بأموالهم الخاصة وعتقهن وتخبئتهن سرّاً داخل المنازل والأديرة حمايةً لهن من الاسترقاق والأسلمة القسرية.

تم دمج نساء وأطفال جزيرة خيوس الناجيات من النكبة في العائلات الرومية المشرقية كأخوات وبنات ناجيات من أزمة جماعية، وقامت الأديرة والعائلات بحمايتهن عبر إصدار هويات ووثائق معمودية جديدة لحمايتهن من ملاحقة الجواسيس العثمانيين والباشي بوزوق، بينما تم زواج الكبار منهن ضمن العائلات الرومية وتبني الصغار وتربيتهم ضمن الثقافة الرومية و الكنسية الارثوذوكسية ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الرومي المحلي.

المصدر : (سجلات المحاكم الشرعية العثمانية في دمشق وحلب + مذكرات البديري الحلاق).

3_ مرسوم إعدام البطريرك الأنطاكي (1821م):

بالتزامن مع جريمة إعدام البطريرك المسكوني غريغوريوس الخامس في القسطنطينية، أصدر السلطان أمراً رسمياً بإعدام بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس كإجراء عقابي ترهيبي. تعمّد ولاة الشام إهمال هذا الفرمان وتأخير تنفيذه خوفاً من تفجر فوضى عارمة واضطرابات طائفية محلية لا يمكن السيطرة عليها، أو إثارة غضب روسيا القيصرية عسكرياً.

المصدر : (الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي – تقارير قنصلية حلب واللاذقية، المجلد 14).

4_ الفرمانات السلطانية الجماعية بنزع سلاح روم المشرق (1821م):

فور اندلاع الثورة، أصدر الباب العالي العثماني مراسيم أمنية عاجلة وصارمة طالبت ولاة سوريا، ولبنان، والقدس بالتجريد الفوري والكامل لكافة الأسلحة التي بحوزة الروم، بما فيها أسلحة الصيد البسيطة والدفاع الشخصي، لضمان شلل حركتهم، وترافق ذلك مع فرض عقوبات تمييزية مشددة في المظهر (مثل إجبار الروم في القدس على ارتداء ملابس سوداء قاتمة) لضبط مراقبتهم ومنع تنقلهم.

المصدر : (دراسة البروفيسور ثيوفيلوس بروسيس – Rebellion, Unrest, Calamity: British Reports on Ottoman Syria in 1821).

5_احتضان ولجوء عائلات “يوليو الأسود” القبرصية (1821م):

بعد مجازر يوليو الأسود المروعة التي شنها العثمانيون في قبرص والتي أدت لإعدام رئيس الأساقفة كبريانوس وثلاثة مطارنة وقطع رؤوس مئات الأعيان، فرت موجات من العائلات الرومية القبرصية بحراً. احتضن الروم الأنطاكيون إخوتهم في الدم، ولجأوا إلى تغيير أسمائهم وإدماجهم سرياً في العائلات والقرى المحلية لحمايتهم من الملاحقة العثمانية.

المصدر : (الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي – تقارير قنصلية لارنكا واللاذقية لعام 1821م).

Scroll to Top