مستشفى القديس بندلايمون العظيم في دمشق/ مستشفى الروم الدمشقي

دار البطريركية بدمشق

 

 

 

 

 

مستشفى القديس بندلايمون العظيم في دمشق/ مستشفى الروم الدمشقي

مقدمة تاريخية

– تدلنا الترويسة الموجودة على أوراق الجمعية أن التأسيس الأولّي كان للمستشفى وجمعيته، جمعية السيدات الأرثوذكسية لمستشفى القديس بندلايمون العظيم في دمشق، يعود إلى عام 1894 زمن البطريرك اسبريدون وهو آخر بطريرك يوناني اعتلى السدة الأنطاكية بين 1891-1898 حيث اكرهته المقاطعة الدمشقية الشعبية بسبب ضعف ادارته على الاستقالة عام 1898 بقيادة الكهنة في دمشق، والتي دُعمَت لاحقاً من مطارنة المجمع الأنطاكي مجتمعين. وكانت فترة نهوض للحس الوطني في الكرسي الانطاكي، وقد وصف العلامة السوري ابو خلدون ساطع الحصري حدث اعتلاء السدة الانطاكية من الاكليروس الوطني الأنطاكي وكان أولهم البطريرك الدمشقي ملاتيوس الدوماني “انها بداية لحركة التحرر العربي”. وكانت الرعية الدمشقية تكافح للتطوير بإمكانياتها المتواضعة، وتَّدلنا كتب تاريخ الكرسي الأنطاكي كالدكتور  أسد رستم ، و الأديب ظاهر خير الله الشويري… والمجلات الأنطاكية والوثائق المعاصرة على نمو الحس المجتمعي والوطني، ومحاولات تأسيس جمعيات علمية وثقافية وصحية وخدمية وجمعيات ذات النفع العام كمياتم الصبيان والبنات…  في كل الأبرشيات، قبل المطارنة والكهنة والمجالس الملية ورجالاتها الأفاضل، وخاصة في زمن التنوير من قبل “المتنورين الشوام” ارباب الفكر الوطني، وكان منها هذه الجمعية التي اعتمدت على هذا البيت الوقفي ( دار جمعية القديس بندلايمون لتربية اليتيمات بدمشق) وقدمت من خلال الأطباء القلة الخدمات الطبية والصيدلانية لأبناء دمشق، وخاصة الفقراء منهم. واستمر الحال بطيئاً بسبب الفقر الشديد للرعية الدمشقية، حيث لم تتعافى بعد المصالح الحرفية والتجارية من مأساة 1860 والتدميرية الضارية للمجتمع الدمشقي المسيحي عامة، والأرثوذكسي خاصة.  وكانت هذه المرحلة بمثابة تمهيد لعودة رئاسة الكرسي الأنطاكي للإكليروس الوطني، التي كان الانشقاق الفريق البابوي الكاثوليكي 1724  بزعامة السيد كيرلس طاناس ومحاولته والرهبان الذين شقوا الصف الأنطاكي الأرثوذكسي الاستيلاء على الكرسي الأنطاكي المقدس بانقلاب خططت له الرهبنات بدقة خلال أكثر من قرن  لترتيب هذا الانقلاب، والذي انتهى بالانشقاق المؤسف تأسيس بطريركية تابعة لبابا رومه عام 1724 وقيام المجمع الأنطاكي المقدس ومتقدمي الشعب الأرثوذكسي الدمشقي بالطلب من البطريرك القسطنطيني لرسامة سلبسترس القبرصي  يوناني وإرساله إلى دمشق على جناح السرعة لضبط الأمور على أساس المكانة التي لبطريرك القسطنطينية في السلطنة العثمانية ( بطريرك ملي باشي) وكان أول البطاركة اليونان هو البطريرك سلبسترس القبرصي وحتى استقالة البطريرك اليوناني اسبريدون المحكي عنه اعلاه عام 1898 وانتخاب مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني وهو من دمشق بطريركاً أنطاكياً باجماع مطارنة الكرسي الأنطاكي الاثوذكسيين عليه.

تعد هذه الفترة فترة البطريرك ملاتيوس نقطة تحول بارزة في قيام نهضة أرثوذكسية وطنية شاملة في دمشق عاصمة الكرسي الأنطاكي وفي بعض الأبرشيات الأنطاكية.

فقد كان في دمشق جمعيات: جمعية نور الإحسان الأرثوذكسية المحدثة عام 1868، وهي جمعية خيرية والأقدم تأسيساً والأشد فعالية في دمشق، وجمعية القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية وكانت جمعية ثقافية احدثت عام 1884، احدثت مدرسة القديس يوحنا الدمشقي، وجمعية القديس جاورجيوس الأرثوذكسية لدفن الموتى أحدثت عام 1888 ومهمتها الأساس الخدمة الجليلة وهي الاهتمام بمدفن الرعية ودفن أبنائها، إضافة إلى كونها جمعية خيرية تقدم الإحسان للمعّوزين من أبناء الرعية وتؤازر جمعية نور الإحسان الأرثوذكسية ( وقد برز هذا التضافر بأجلى بيان في مأساة مجاعة السفر برلك (1914 -1918)، وجمعية السيدات لمستشفى الروم الدمشقي المحدثة عام 1894 وبتوجيهاته بدأ الإهتمام يتَنامى على صعيد تأسيس جمعيات جديدة وأخويات في كنائس الرعايا تهتم بكل الشأن الكنسي والرعوي. ولكن من المؤسف له أن عهده البطريركي كان قصيراً وكان الضغط عظيماً عليه بسبب المقاطعة الارثوذكسية من البطريركيات ذات الصبغة اليونانية، والفقر المادي العام، بالرغم من كل الاصلاحات العلمية لاهوتيا وعلميا و… فتوفي مأسوفاً عليه بالسكتة الدماغية مطلع عام 1906 بعد ان اقام مطارنة لكل الابرشيات المترملة وزار الابرشيات الانطاكية وله الزيارة التاريخية لأنطاكية ولواء الاسكندرون عام 1900 الشهيرة، وكان قد هيأ الأرضية المناسبة لانتشار هذا العمل الجماعي الأرثوذكسي في دمشق.

شعار الكرسي الانطاكي
شعار الكرسي الانطاكي

جمعية السيدات الأرثوذكسية لمستشفى القديس بندلايمون العظيم بدمشق

اهتم  مثلث الرحمات البطريرك المجاهد ملاتيوس الدوماني 1898 بالمستشفى الأرثوذكسي الدمشقي، أو مستشفى الروم الدمشقي الذي تأسس بهمة شعبية دمشقية، وبامكانيات محدودة مع تأسيس جمعيته عام 1894 ايماناً منه  بدور المرأة  في النهضة الانطاكية الارثوذكسية الشاملة وايماناً بمشروع المستشفى الخَّيِّرْ والجليل اقتداء بالاخوة في بيروت الذين أسسوا “مستشفى الروم” البيروتي الشهير والمتميز منذ تأسيسه وحتى اليوم، وجعلوه مركزا صحيا واستشفائياً زاهراً وذي شهرة مرموقة/ “مستشفى القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس” الذي كان قد تأسس كفكرة في عام 1878 في الرميل/ الجميزة بعهد وتشجيع ودعم مطلق من مطران بيروت ولبنان غفرئيل شاتيلا الدمشقي (1870-1902) وذلك بتقديم المحسن السيد بنايوت فاخوري عضو المجلس الملي في “أبرشية بيروت ولبنان” غرفتين من بيته لاستخدامهما كعيادة ومركز للمرضى الداخليين. ثم تطورت الفكرة إلى مستشفى أرثوذكسي (كمستشفى خيري غير ربحي)  لمعالجة أبناء الرعية واسهم العديد من وجهاء وأراخنة الملة الأرثوذكسية البيروتية. وهم من الطبقة البورجوازية ومن كبار تجار بيروت الذي كان يتشكل منهم معظم المجتمع البيروتي الارثوذكسي مع بعض المسلمين السنة وحتى الأمس القريب.

وكان معظم التجار وارباب الحرف في بيروت، من المسيحيين الارثوذكسيين الذين شكلوا وقتئذ “البورجوازية الارثوذكسية البيروتية”، وتبّاروا لرفع شأن هذا الصرح الخيري الجليل في عام1898. وقد حذا الشوام الأرثوذكسيون، كما أسلفنا، حذو إخوتهم البيروتيين منذ عام 1894 متحدين معاندة البطريرك اسبريدون لكل مشاريع التطوير والتحديث.

مع مطلع فترة وطنية السدة الأنطاكية 1898، واندفاع الرعية خلف البطريرك ملاتيوس الدوماني وإثباتها أن أبناء الوطن، قادرون على قيادة الكنيسة الأنطاكية وتطوير دورها بكل شيء، ومع  التأكيد على الفارق بين البنية الاقتصادية بين المجتَّمعَيّنْ البيروتي البورجوازي الغني المتمثل بكبار التجار في بيروت ولبنان ومهارتهم في التجارتين البحرية والبرية، وأصحاب المصالح والحرف الكبار فيهم، لاسيما وكان الروم الارثوذكس  يشكلون اكثر من 60% من سكان بيروت، وقد ازدادت نسبتهم العددية بلجوء الشوام الارثوذكس الناجين من مجزرة 1860 الى بيروت، بعكس المجتمع الدمشقي الارثوذكسي الذي كان في مجمله مستور الاحوال ومن طبقة الحرفيين والصناعيين الصغار، وكانت الحرف والمهن عائلية متوارثة وان كانت كل المهن والحرف في ايديهم لمهارتهم بها، إلا ان التجارة لم تكن في متناولهم، ولكن في العقود التالية لمجزرة 1860 وبعد النقص الحاد في الشباب والرجال بسببها وهجرة فريق كبير من الناجين، بات معظم ارثوذكس دمشق من  المستورين الذين يعملون لقوت يومهم، ان لم نقل ان معظمهم من الفقراء المعوزين كما تشير الوثائق البطريركية، الذين كان عددهم قد تكاثر بتحول كل الناجين من ارثوذكس دمشق الباقين فيها الى الفقر المدقع ودمار مشاغلهم وخاناتهم وبيوتهم وفقدان اولادهم وآبائهم قتلاً أو تهجيراً… وباتوا يشكلون فقط الربع المتبقي بعد استشهاد النصف في مذبحة 1860 ولجوء الربع الناجي الى بيروت واستقرارهم بقيادة الخوري عبد الله الفرا والدكتور عربيلي واستقرارهم  في تلة الاشرفية الدغلية، فأقاموا مخيمهم كلاجئين فيها ثم بنوا بيوتهم تدريجيا بمعونة اشقائهم البيروتيين الموسرين ومدرستهم التي  أنشأها وأدارها ودَّرس فيها الدكتور عربيلي وكنيستهم البيتية فيها، ومن ثم صارت محلة الاشرفية مقصد ارثوذكس بيروت ولبنان لذلك اصطبغت بداية بالصبغة الارثوذكسية الشاملة (ولاتزال) قبل ان يحصل تغيير ديموغرافي من خلال استقرار بقية الطوائف المسيحية النازلة من جبل لبنان…

هذا كان حال الشوام المسيحيين عموماً والأرثوذكسيين خصوصاً، لا سيما وقد وَفَدَتْ هجرات معاكسة لاجئة فقيرة من وادي التيم( حاصبيا وراشيا…)  ومن اقليم العجم (عرنة وقلعة جندل ومجدل شمس و جباتا و قطنا و الجولان التي عانت من هجمات الدروز في 1860 ومن ثم في مايسمى الثورة السورية الكبرى 1925-1927 واستقرت في معظمها في حي الميدان الدمشقي، وكان يعد ضاحية للإتجار بالحبوب والغلال والمواشي والمنتجات الحيوانية ( ولاتزال بعض الشيء) وقد تمتعت هذه الضاحية الدمشقية بالأمان 1860 بعكس محلة المسيحيين في المدينة دمشق، بفضل مشايخ الميدان وعقلائهم والمغاربة أتباع الامير العظيم عبد القادر الجزائري، حيث لم تحصل إغتيالات للمسيحيين إلا بعض الحالات الفردية، مع التركيز على العقاب الذي طال مرتكبيها من اهل الميدان ومشايخهم الكرام وكثَّرتْ أعداد المسيحيين وتسمت حارات بأسمهم كساحة الرياشنة والتيامنة…

كان حال ضاحية  الميدان بعكس حال مدينة دمشق القديمة المحاطة بأسوارها، حيث تدّمر حيُّ المسيحيين الممتد من منتصف منطقة البزورية عرضاً من الباب الصغير الى محلة العمارة وباب السلامة باتجاه الشرق عبر القيمرية (آيا ماريا) والجورة (آغورا ” الساحة باليونانية”) والفرايين وبات توما إلى الشرق، “باب شرقي” وأُحرقت ودُمِّرَت البيوت والكنائس وحارات القيمرية والجورة ومئذنة الشحم…وكل الكنائس…ودور البطريركيات، واولها الصرح البطريركي الأرثوذكسي والمريمية، وقد استشهد فيها وفي محيطها ستة آلاف ارثوذكسي نصفهم من دمشق، (في مقدمهم الخوري يوسف مهنا الحداد القديس يوسف الدمشقي الذي استشهد في محلة مئذنة الشحم المسيحية مدخل البزورية والشاغور (بعكس الحال الآن)) واستشهد معه اخوته كهنة دمشق الخمسة ونجا فقط الخوري عبد الله الفرا الذي لجأ مع اللاجئين الأرثوذكس وعائلته إلى أشرفية بيروت) والنصف الآخر من اللاجئين من اقليم العجم وجبل الشيخ وحوران وجبل الدروز…

…لذلك عمّ الفقرُ بشكل لا مثيل له، بالرغم من تقديم الدولة بعض التعويضات التي صادرتها من القَتَّلة، وذلك ليعيد من تبقى من المسيحيين بيوتهم المحروقة والمدمرة.

لذلك لم يكن في مقدور اية جمعية احدثت في العقود الاربعة الاخيرة التالية للمجزرة والمبادرات النضالية الشعبية الدمشقية الأرثوذكسية ( وكذلك بقية الطوائف) إلا لتقديم  بعض الخدمات المجانية لهذا الشعب المنكل به… وان كان بعض افراده قد تحسن وضعهم المعنوي من معلمي الحرف والكارات من نجارة وسدي حرير وصدف وموزاييك وبناء ونحاتة الحجر وصياغ… (وإعادة النهوض من سمات الدمشقيين) بعد هذه الكارثة المدمِّرة، الا انهم لم يكونوا قادرين على تمويل جمعيات نفع عام، والإنفاق عليها باستمرار، والبطريركية تقريباً غائبة في عهد البطاركة ايروثيوس وجراسيموس واسبريدون، ولا مشاريع تنمَوية. و في الواقع كانت هذه المبادرات الأرثوذكسية الشعبية بالرغم من كونها خجولة، لعدم وجود الإمكانيات، إلا أنها قامت ببعض الخدمات من خلال تأسيس جمعيات مؤقتة، جعلت الفقراء مطرحاً لخدماتها وبالمجان، أو بسعر الكلفة للقادرين. اي انها اتسمت  بالصفة الخيرية، وعدم الربحية، كحال المدارس الارثوذكسية الدمشقية (الآسية ومار نقولا والقديس يوحنا الدمشقي)، وكانت هذه الجمعيات أساساً، تقدم لهم الخدمات بالمجان فعلاً، ومنهم “مستشفى القديس بندلايمون الأرثوذكسي” باسهام فاعل من المجلس الملي الدمشقي وبتوجيهات ودعم من البطريرك المجاهد ملاتيوس الدوماني منذ انتخابه عام 1898، والذي يُعَّدُ عهدُه عهد ثورة إصلاحية نهضّوية ليس فقط على مستوى ابرشية دمشق كونه مطرانها وبطريرك أنطاكية بنفس الوقت، و ابرشية حوران والجولان…. بل على مستوى كل الكرسي الانطاكي بعد  حوالي قرنين من الركود، واستلاب ابناء الكنيسة الأرثوذكسية بكل المشوقات التبشيرية من بابوية وبروتستانتية … وخاصة التعليم بالمجان في المدارس المذكورة والاستشفاء والمساعدات المالية والعينية “ما في لاتين ، مافي طحين!”.

الحظيرة وهي المستشفى الاهلي عند المسيحيين وخصص لمرضى الجذام والامراض السارية في النصف الثاني من القرن 19 وجميعها تعرض للدمار بكارثة 1860
الحظيرة وهي المستشفى الاهلي عند المسيحيين وخصص لمرضى الجذام والامراض السارية في النصف الثاني من القرن 19 وجميعها تعرض للدمار بكارثة 1860

فتَّم ترميم بيت المستشفى مجدداً في “محلة الخمارات” شمال الكاتدرائية المريمية، واعتُمِدَت له التسمية الدارجة وقتئذ هي”الحظيرة”،  وكان للروم الارثوذكس في دمشق ثلاث “حظائر” وهي لاترقى ان تسمى مستشفيات صغيرة، بل كانت غرف عزلٍ للأمراض السارية والأوبئة المتفشية وهي تحتوي على غرف متتابعة اشبه بمهاجع المستشفيات الحالية، وقد أمر البطريرك ملاتيوس الدوماني المجلس الملي بتطوير الحظيرة الأكبر، وتم توسيعها بشراء بيت مجاور من أحد أبناء الرعية ضُّم إليها، وتولى الوجيه يوسف بك السبع عضو المجلس الملي الدمشقي والوجيه عبده قدسي ترجمان القنصل الروسي بدمشق، وغيرهما من الغيورين اعضاء المجلس الملي واطباء دمشقيين ويونانيين من أبناء كيليكيا كانوا من الأطباء العسكريين في الجيش العثماني خطوات التطوير في الفكرة والمكان.

وشمل التطوير وضع مشروع نظامها الداخلي في عام 1902،  الذي صادق عليه المجلس الملي الدمشقي مصادقة اولى. ورفعه الى غبطة البطريرك ملاتيوس فصادقَ عليه على الفور، ودعمه بمبلغ وافر من جيبه الخاص (كما فعل مع بقية الجمعيات لتنشيطها) إضافة إلى ما خصّصه “المجلس الملي البطريركي الدمشقي” وعلى ما يبدو فقد كان “لجمعية نور الاحسان الارثوذكسية”، وهي أكبر الجمعيات الخيرية الدمشقية، وأقدمها تأسيساً (كما مر)، واغزرها في الإمكانيات المالية لملكيتها بعض العقارات الوقفية التي تدر ريعية منتظمة، دوراً في التمويل بأمر من غبطته إضافة الى تحويل وقفيات بطريركية، لإسم ومنفعة المستشفى، وبعض التبّرعات من القلة الموسرة في دمشق، وتم تجهيز مهاجع الحظيرة الكبيرة، بتحديث الأسِّرة والتجهيزات الطبية منذ 1898، وآوَتْ  فيها بداية بعضَ المسنين العاجزين المقطوعين الذين ليس لهم من معين… وقام أطباء الملة الدمشقيين واليونانيين الوافدين الى دمشق بالتبرع في معالجة المرضى بالمجان في هذه المستشفى…

ودعا غبطته إلى إجتماع تأسيسي، ضمّ مجموعة السيدات المؤسسات، وعددهن اثنتا عشرة سيدة من خيرة العائلات وأكثرهن ثقافة، والاطباء، وهيئة المجلس الملي، وكهنة المقر البطريركي… ووجهّهم بتوجيهاته، وتم اطلاق العمل على الفور. وبدأ غبطته بتقديم مبلغ من المال، داعياً الجميع الى التبرع وفق إمكانياتهم، وتم تخصيص دكانتين وقفيتين مؤجرتين لايجاد تمويل سنوي مستمر للمستشفى.

البطريرك ملاتيوس الدوماني
البطريرك ملاتيوس الدوماني

مشروع النظام الاساسي للجمعية الذي تمت المصادقة عليه من غبطته عام 1902

نص المشروع

يعتبر هذا التاريخ 1902 هو تاريخ إحداث “مستشفى الروم الدمشقي” 

المؤسس “جمعية السيدات الارثوذكسية لمستشفى القديس بندلايمون في دمشق المصّدق عليه من غبطة البطريرك الأنطاكي الوافر القداسة والاحترام بعد مطالعة وموافقة القومسيون البطريركي الزمني في دمشق.

1) تدعى هذه الجمعية”جمعية السيدات الأرثوذكسية لمستشفى القديس بندلايمون في دمشق”

2) تتألف هذه الجمعية من أعضاء عاملين من السيدات العقائل الأرثوذكسيات وعددهن إثنتا عشرة. ومن اعضاء مساعدين وهم أطباء الملة الذين يعتنون بمرضى المستشفى. ومن أعضاء شرف بدون حصر عدد، ولا بأس من قبول الأوانس ذوات الاستعداد المناسب في سلك هذه العضوية العاملة.

3) اذا ارادت عقيلة او آنسة أن تدخل عضو شرف فعليها ان تقدم للمستشفى هدية مرة واحدة خمس ليرات فرنساوية حين دخولها. وحين وقوع محلول في العضوية العاملة ينتخب الأعضاء بالصوت السري من يلزم لها من أعضاء الشرف.

4) المقصد من الجمعية العناية بالمرضى من ابناء الملة في مستشفى القديس بندلايمون بتقديم الأطباء والخدام ولوازم المعيشة والطبابة والتمريض وجميع لوازم المعيشة بلا مقابل من الفقير وبمقابل مناسب من سواه.

5) يجتمع أعضاء الجمعية العاملون مرة في الاسبوع، ومذكراتهم تنحصر في شؤون وصوالح المستشفى فقط ولا تتناول مباحثات أخرى.

6) اذا غاب عضو لغير علة مرض أو سفر أكثر من شهر غياباً متتابعاً فيحق للحمعية أن تتباحث وتقرر إعفاءه من العضوية وانتخاب خلف له.

7)  للجمعية في الوقت الحاضر رئيس، وعند انفكاكه يصير للجمعية رئيسة من الأعضاء بالانتخاب برأي البطريركية وتثبيتها.

8) للجمعية الحق ان تجتمع وتنتخب بالصوت السري في الشهر الأول من بداءة العام الجديد، لأجل العمل بكل العام نائبة للرئاسة وكاتبة للوقائع والتحريرات ومحاسبة وأمينة صندوق وأمينة أمتعة وفي كل اسبوع تتولج إثنتان من الأعضاء لمناظرة المستشفى بحسب الاتفاق الذي يتخذ لذلك تحت اسم ناظرتي المستشفى.

9) الرئيس أو الرئيسة يفتح كل جلسة ويطرح المواد للمذاكرة ويجمع الأصوات ويحفظ نظام الجلسات ويمضي المراسلات وللنائبة في غيابهما نفس الحقوق التي لهما.

10) الكاتبة تقَّيد كل الوقائع في سجل الجمعية ويوقع الأعضاء الموجودون في نهاية كل جلسة على أعمال تلك الجلسة. ولها الحق بإمضاء المراسلات بعد إمضاء الرئاسة وختم الجمعية.

11) يجب ان تعرض التحارير على الجمعية في احدى جلساتها للمصادقة عليها قبل إرسالها. وان اضطرت الحال لإرسال تحرير قبل عرضه على الجمعية فيعرض على الهيئة القانونية التي تجتمع في اول جلسة بعد ذلك.

12) المحاسِبة تقّيد كل حسابات الجمعية من داخل وخارج المستشفى فتقَّدمه ناظرتا المستشفى. ومايتعلق بالصيدلية منه، فبمعرفة الطبيب ومصادقته، وعليها ان تقدم حساباً في كل شهر للجمعية في جلسة قانونية.

13) أمينة الصندوق تقبَض كل واردات الجمعية وتصرِف ما يلزم للجمعية بحسب قراراتها، وتمسك دفتر صندوق لعموم حساب الجمعية داخلاً وخارجاً. وهي مسؤولة عن الدراهم التي تبقى عندها، بشرط أن لا تزيد عن الألفي غرش، ومتى زادت تلتزم بوضعها عند الصراف الذي تعيّنه الجمعية بقرار ومسؤولية الجمعية.

14) إن السندات التي تُنَّظَم لأمر الجمعية تكون باسم الرئيس او الرئيسة وأمينة الصندوق من مال الجمعية وتحفظ في في صندوق الجمعية على مسؤولية أمينة الصندوق.

15) أمينة الأمتعة تستلم بالعدد كلَّ أمتعة المسنتشفى، وتقّيدها بدفتر بيدها وتسَّلِمْ ما يلزم عند الإقتضاء  وتبيّن ذلك بدفتر أمانة الأمتعة.

16) تعتبر الجلسة قانونية متى تألفت من نصف الأعضاء والرئيس، ولا يعمل بقرار إلا إذا كان صادراً باجماع الآراء أو بالأكثرية. واذا تساوت الأصوات فللمترأس حق الترجيح.

17) اذا استعفى أحد الأعضاء فعليه ان يقدم استعفاءه كتابة للجمعية، واذا قررت قبوله انتخبت عوضه.

18) مركز الجمعية في مستشفى القديس بندلايمون في دمشق.

19) ختم الجمعية محفور اسمها عليه هكذا (جمعية السيدات الارثوذكسية لمستشفى القديس بندلايمون في دمشق سنة 1902) (ملاحظة تم تصنيع خاتم آخر يحمل تاريخ 1905) ويحفظ بأوضة الجمعية في جَّرار له مفتاحان بيد الكاتبة والمترأسة لاستعمالها حين الحاجة.

20) على الجمعية أن تقّدم إلى قومسيون الملة حساباً سنوياً عن مدخولها ومصروفها وعن مرضاها وبعد الإطلاع عليه يُطبع وينشر بكراس سنوي.

21) واردات الجمعية تكون من إشتراكات الأعضاء وأفراد الملة، ومن التهاني، ومن إحسانات التعازي متى كُلفَت الجمعية لحضور حفلات الجنائز، ومن الوَصّيات والوقّفيات التي تُوهب أو تُوقف للمستشفى، ومن المرضى ذوي اليسار، ومن واردات صينية الجمعية التي توضع أيام الآحاد والأعياد عند مدخل موقف (جناح) السيدات في الكنيسة.

22) على الجمعية أن تضع قسماً من مالها محفوظاً في احد البنوك المهمة كرأسمال لايُمَّس إلا بإجماع الآراء.

نظام المستشفى

1)  المستشفى خُصص لفقراء الطائفة من ابناء المدينة ومن خارجها، ويُقبلون فيه مجاناً بواسطة أحد الأطباء وبشهادة رئيسهم الروحي.

2) يمكنْ قبول المرضى غير الفقراء في المستشفى، بشرط أن يدفع أحدُهم ستة غروش او نصف ريال أو ريالاً مجيدياً عن كل نهار يصرفه في المستشفى بنسبة المحل الذي يأخذه، وذلك في مقابلة الطعام والتطبيب والمنامة والأدوية.

3) لا فرق بين الأغنياء والفقراء عند دخولهم المستشفى وعلى كلٍ أن يرضخ لقوانينه وان يقبل الطعام الذي يُقدم له بموجب إشارة إليه.

4) لايجوز لأحد أن يتناول طعاماً غير المقدم له بأمر الطبيب واذنه سواء كان من المستشفى أو من أهل المريض.

5) ممنوع التدخين في غرف المنامة قطعياً.

6) اذا شاء أحد من ابناء الطوائف الغربية أن يدخل المستشفى فعليه أن يدفع للمستشفى مايدفعه أمثاله من الطبقات الاجتماعية الثلاث.

7) قبول المرضى يكون بإشارة الطبيب وعلم ناظرتي المستشفى.

8) عيادة الأهل للمرضى تكون مرتين في كل اسبوع نهار الأربعاء ونهار الأحد من الساعة الثانية الى الساعة السادسة افرنجية.

نظام الأطباء

1) يجتمع الأطباء كل يوم للمباحثة في أحوال مرضى المستشفى ومطالبهم.

2) لكل طبيب الحق بإدخال المرضى المعوَزين عند وجود المحل الفارغ بعد ان يُعلم ناظرتي المستشفى عن نوع مرض المستدعي.

3) من الضرورة إعلام ناظرتي المستشفى إذا كان مرض الطالب من الأمراض المعدية، فلا تقبلان فيه، لأن عمدة المستشفى لا يمكنها في الوقت الحاضر أن تقرر مكاناً للأمراض المعدِية. وعليه لايمكن قبول ذي مرضٍ معدٍ.

4) اذا استنسب أحد الأطباء إجراء عملية في المستشفى لأحد من غير المرضى الموجودين فيه، فيمكنه إجراء العملية على شرط أن يؤدي رسماً معيناً للمستشفى، يقرر بمخابرة ناظرتي المستشفى ومعاونيه الأطباء الكرام.

5) اذا وجد الطبيب أنه يلزم إحضار أدوية أو غيرها للمستشفى فعليه أن يصَّرح برأيه كتابة للجمعية للمذاكرة بشأنه وتقرر مايلزم.

6) على الطبيب ان يُعلم ناظرتي المستشفى بكل مايراه من التقصير في الخدمة. وبعد تنبيه المقصر ثلاث مرات يبَّلغ الأطباء الجمعية عن المقَّصر لأجل رفضه لعدم قيامه بواجباته.

7) يتعاضد الأطباء معاً في معالجة المرضى في المستشفى وذلك في غياب مقدم المريض منهم واما بحضوره فهو المسؤول عنه.

8) كل طبيب له الحق أن يعطي الملاحظات ويناظر على ترتيب  ونظافة المستشفى ويبدي أفكاره خطاً أو شفاهاً في جلسات الجمعية وللناظرتين وللخدام اذا لزم.

في عهد البطريرك غريغوريوس(1906-1928)

البطريرك غريغوريوس الرابع

توفي البطريرك المجاهد ملاتيوس الدوماني مطلع عام1906 وكانت في جعبته الكثير ولكن الله اختاره الى جانبه بعد اكثر من ستة عقود جاهد بها لمصلحة الكرسي الانطاكي منها من عام 1864 الى عام 1898 بانياً لأبرشية اللاذقية، وزارعاً فيها نهضة روحية هائلة استمرت حتى الآن بشكل مزدهر، ومن ثم حوالي نيف وسبع سنوات في السدة البطريركية منها سنة قائمقاماً بطريركياً ومن ثم بطريركاً لم تعترف به السطنة العثمانية الا بعد سنة بعرقلة من المسكوني. لذلك مات بالسكتة الدماغية…

خلفه على السدة بالاجماع مطران طرابلس غريغوريوس حداد فكان خير خلف لخير سلف، وقد استمرت المقاطعة له لمدة قاربت أربع سنوات من قبل الكراسي البطريركية اليونانية الشقيقة مطلع 1910، ومن يتغلغل في الوثائق البطريركية في عهد البطريركين الدوماني وحداد يدرك حجم المعاناة التي عاناها كل منهما على المستوى الرعوي والاجتماعي والمالي…بزمن الاحتلال العثماني… ومع ذلك اجترحا المعجزات لرفع شأن الملة الانطاكية وبالذات في دمشق كون البطريرك يشغل بنفس الوقت منصب مطران دمشق…وشهد عمل الخير والثقافة والعمران وبناء الأبرشيات التي كانت قد قاربت على الإستشهاد نهضات عظيمة قامت بها من كبوتها.

ومع ذلك دمشق ازدهرت جمعياتها رغم محنة السفر برلك، والمجاعة المخيفة، والحرب العالمية التيأفقدت الوطن شبابه استشهاداً او هجرة وتحديدا… كان حجم الكارثة على المسيحيين عموماً وابناء الرعية الارثوذكسية المتواضعة مالياً مهولاً، فتصدى البطريرك غريغوريوس بجبروت الهي وقدّم المعونات، وفتح ابواب البطريركية لإطعام الجياع بغض النظر عن الدين والمذهب وصار يصرف منحاً شهرية  لكل عائلات الرعية وغيرها من الكنائس الاخرى، وحتى المسلمين لأنهم “عيال الله” كما كان يقول…

تكرر هذا الحال بقيام الثورات ضد المحتل الافرنسي منذ 1920 الى ان كانت الثورة السورية الكبرى بين 1925-1927 مماثلة لمحنة السفر برلك فالجهلة من الثوار هاجموا القرى المسيحية في حوران وجبل الدروز وجبل الشيخ ومرجعيون والقنيطرة ومجدل شمس وجباتا وبقعسم… والكل لجأ إلى دار البطريركية في دمشق الى حضن البطريرك غريغوريوس وافترش الدار البطريركية وأكل من مائدتها بعدما فقد ارزاقه تدميرا وحرقاً ونهباً. وأعطى البطريرك كل عائلة معونات تكفيها مؤونة التسول على أرصفة دمشق. والبطريركية أساساً افقرتها مجاعة سفر برلك قبل عشر سنوات، وقد رهنت وباعت اوقافها واواني كنائسها الذهبية والفضية وليس من معيل ومساعد عدا عن فقدان الأمان والتهجير والهجرة خارج الوطن. ومع ذلك وبالرغم من التعب الصحي عند البطريرك غريغوريوس الحنون تابع في رعايته للجمعيات كلها وكان منها للمستشفى النصيب الوافي… وطلب المجلس الملي وفق توجيه غبطته ومتابعة وكيله المطران زخريا من هذه الجمعيات عقد هيئاتها العامة وتقديم بيان أاعمالها وميزانياتها المنصرمة ومشروع موازناتها القادمة الأمر الذي يقف المرء عنده عاجزاً عن ايجاد تفسير لهذه النعمة والبركة التي عاشت بها دمشق الارثوذكسية فترة الثورة السورية الكبرى، ولم تتوقف المدارس البطريركية في حوران وجبل الشيخ وجبل الدروز وأبرشية دمشق وريفها بقيادة الارشمندريت الهمام العالم جرمانوس بندقجي الدمشقي الذي رعى المدارس وأوجد لها التمويل، عندما كانت الرعايا فاقدة لكل شيء بسبب الثورة…ومع كل الأخطار كان يتنقل بين قرى جبل الشيخ والجنوب السوري والقنيطرة مراقباً التدريس وموجهاً ومرمماً…

اما المستشفى فقد توقف عن العمل طيلة السنتين الكارثيتين، وتحَّول إلى مستوصف، قدّم ما أمكن من الخدمات لأبناء الرعية وسواها، ورفعت جمعية المستشفى ميزانيتها وبيان أعمالها عام 1927 وبينت فيه، ان للجمعية دكانتين احداهما للنجارة مؤجرة بقيمة تسع ليرات عثمانية سنوياً والاخرى للأنوال (النسيج الحريري) مؤجرة بقيمة سبع ليرات عثمانية سنوياً، وان لها كمبيالات على البعض…لكنها كلها لا تُسمِن ولا تُغني من جوع.

ودفعت الادعاءات الباطلة والتقولات المفترية الظالمة على جمعية المستشفى بقولها رداً ”التي لم تنقطع يوماً منذ تأسيسها الى هذا اليوم عن القيام بأعمالها سوى في وقت الثورة، وهي ولئن كانت مؤخراً قد حولت المستشفى الى مستوصف فإنها في الوقت نفسه تعالج المرضى من الفقراء وتعطيهم الأدوية مجاناً، وتستعمل الغرف التي عندها لإيواء الغرباء والراهبات والمقطوعين من المرضى الذين يأتون اليها من المدينة والقرى المجاورة في كل مدةٍ بعد اخرى، مما يدعو إلى الثقة بالمستشفى وتأييده محافظة على شرف الملة امام الامم من جهة، وحفظاً لذكرى المؤسسين مثل البطريرك ملاتيوس المطوب الذكر والمرحوم يوسف بك السبع وغيرهما من جهة أخرى ولايخفى ان هذا المستشفى يمتاز عن غيره بإغنائه الفقراء عن دفع الرسوم التي يقدمونها عند الإستشفاء عند الأجانب وبإعطائهم ماداموا في حاجة العلاجات مجاناً، لا سيما إنه مع الالتفات الحي، يقدر ان يستقبل فيما بعد، من يدخل إليه من ذوي الإمكان سواء كانوا من المرضى او العجزة بقيمةٍ يُتفق عليها فضلاً عن الفقراء بوجه الإجمال وذلك غب ان يُعين له رئيس همام وفيّ نرجع اليه لدى الاقتضاء يقوم معنا بتكثير عدد الأعضاء والإهتمام بتوسيع العمل عاماً فعاماً، وعلى كل فان الرأي الموفق للمفوض الملي ( المجلس الملي) بعد مراجعة غبطته والله ولي السداد.”

(انتهى الاقتباس من كتاب رئيسة واعضاء الجمعية المرفوع الى المجلس الملي مع الميزانية عن عام 1927 وماسبق بتاريخ 30 ايار 1927)

مشروع دمج جمعية المستشفى مع جمعية عضد اليتامى

في 11آب شرقي و24 غربي 1927 وبتكليف من المجلس الملي (القومسيون البطريركي الزمني) رفع السيدان امين بطرس قندلفت واسكندر رومية تقريرهما إلى المجلس الملي عن وضع الجمعيات الدمشقية الثلاث، وهي جمعية القديس يوحنا الدمشقي، وجمعية القديس جاورجيوس، وجمعية القديس بندلايمون، وقد بيَّنا في تقريرهما موثوقية ضبط حساباتها، وأن أعمالها سائرة بكل أمانة واخلاص وأعطى التقرير بياناً وافياً عنها…  وهنا  نحن وفي معرض بحثنا عن “جمعية المستشفى” نوضح ان السيدين امين واسكندر  رفعا الاقتراح التالي ادناه لضغط النفقات:

-“الغاء جمعية مستشفى القديس بندلايمون وإدغامها مع “جمعية عضد اليتامى” لتصبح الجمعيتان جمعية واحدة تحمل اسم ” جمعية عضد اليتامى للقديس بندلايمون” على شرط ان يبقى المستوصف الموجود حاليا وتحسين احواله على حسب ظروف الحال واعطاء الطابق الأعلى الى اليتيمات فنكون بهذه الحالة قد اقتصرنا تلك المصاريف  الباهظة نظراً لعجزنا المالي المعروف ونكون ساعدنا فكرة اغلب الطائفة المتنورة لانقاص عدد الجمعيات التي يُئنُ من كثرتها. وعليه فالجمعية الآنفة الذكر( الجديدة) تقوم بتعليم البنات اصول الخياطة والتطريز وماشاكل ويُلغى قسم التدريس ( كان الميتم عبارة عن مدرسة لتعليم اليتيمات) بحيث تتعلم الطالبات في مدرستنا (الطائفية) اي مدرسة الآسية البطريركية للاناث ومقابل ذلك تدفع الجمعية شهرياً للمدرسة المذكورة القيمة التي يعينها المجلس الملي.

وافق المجلس الملي برئاسة الوكيل البطريركي المطران زخريا زخريا على التقرير المذكور ( وكان البطريرك غريغوريوس في حالة استشفاء ونقاهة في دير سيدة صيدنايا البطريركي) ووجه المطران زخريا في 28 ايلول 1927 إلى الجمعيتين وكان الرد في 8ش/21ت1 غ 1927 من قبل رئيسة جمعية عضد اليتامى الارثوذكسية السيدة عفيفة ابو شعر مرفوع إلى رئيس واعضاء المجلس الملي حيث قالت ان الجمعيتين تذاكرتا ووجدتا أن الانضمام غير ممكن:

“1- لأننا بكل مشقة قائمات بالميتم ولا يمكننا ان نشترك مادياً مع جمعية القديس بندلايمون لفتح المستوصف أيضاً.

2- لأن ساحة المستشفى صغيرة وغرفه قليلة لا تستوعب التلميذات ( اليتيمات)…وباشرت المدرسة من نهار الاثنين ضناً بالوقت وبالأجرة التي كنا قد دفعناها على الدار من ذي قبل…”

وعلى هذا استمرت كل جمعية بالعمل ضمن مهامها  الى ان تم توقيف العمل بالمستوصف عام 1939 بسبب وضعه المالي المتردي وعدم قدرته على تغطية تكاليفه وعدم قدرة الجمعيات، وأولها  “جمعية نور الاحسان الارثوذكسية” من دعم استمرارية هذا العمل المبرور بالرغم من انها كانت المؤسسة والداعمة له حتى تاريخ ذلك، لأن الضائقة الاقتصادية  شاملة والأوقاف كانت قد بيعت لسداد رهنيات  وديون البطريركية بمجاعة سفر برلك وفي الثورة السورية الكبرى بين 1925-1927 واطعام كل المهجرين من جبل الشيخ والقنيطرة وجبل الدروز وحوران ومنحهم تعويضات نقدية بتوجيه البطريرك غريغوريوس حداد… وحملت “جمعية عضد اليتيمات” اسم “جمعية القديس بندلايمون لتربية اليتيمات” وآلت إليها كل مساحة المستشفى وفقاً على مايبدو لقرار البطريرك الكسندروس طحان (1931 – 1958)  والمجلس المالي.

وقام عدد من الاطباء مجداً برئاسة الطيب الذكر كوسى اوغلو ومعه الدكتور انستاس شاهين وغيرهما وبتشجيع من البطريرك الكسندروس بتشكيل “جمعية المستوصف الخيري عام 1944” واتخذت مستوصفها في ساحة الخمارات (الى الآن) مقابل دار المستشفى الملغى الذي صار لجمعية ميتم البنات ويمارس هذا المستوصف مهامه الخيرية وشبه المجانية بالكامل منذ ذاك التاريخ وحتى الآن بكل الامكانيات المتاحة وكل من يقصده بغض النظر عن الدين والمذهب وبتطوع مشكور من الأطباء بمختلف الإختصاصات، واليوم حدث اختصاصاته بالرغم من ضيق الأحوال فيالسنوات العجاف في الازمة السورية.

المستشفى الانكليزي بدمشق
المستشفى الانكليزي بدمشق

– في عام 1952 توقف المستشفى الإنكليزي في القصاع  عن العمل الذي أقامته البعثة الطبية الانكليزية  في العقد الأخير من القرن 19 في بساتين القصاع وتولى السيد”جورج العلاوي”وكيلاً عن البعثة منذ تاريخه. التي قررت مغادرة سورية…

ولما كان الوكيل ارثوذكسياً غيوراً من صيدنايا  ولتجديد مشروع مستشفى جديد للروم بدمشق تم التواصل مع البطريرك الكسندروس لبيعه المستشفى، بهدف إعادة  فتح وإحياء المستشفى الارثوذكسي مجدداً،  لكن المبلغ المطلوب كان وقتئذ كبيرا ولا طاقة للبطريركية على حمله خمسة ملايين ليرة سورية، وغير موجود اصلاً. حاول البطريرك المساومة على مبلغ ثلاثة ملايين وفق شهادات الشهود انما دونما نتيجة، عندها تخلَّت البعثة الانكليزية عن بناء المستشفى و فق الأصول القانونية في سورية، وسلمته بدون مقابل الى الحكومة السورية التي حولته الى “مستشفى الزهراوي للتوليد وامراض النساء” فيما منحت البعثة الانكليزية الأراضي المحيطة الى السيد العلاوي مكافأة له وتعويضاً عن خدمته المستشفى، وتم ذلك وتوثق في السجل العقاري… ثم بنى المذكور عليها بناية العلاوي.

البطريرك الكسندروس الثالث 1931-1958
البطريرك الكسندروس الثالث 1931-1958

– تولى البطريرك اغناطيوس الرابع السدة البطريركية 1979-2012 وفي منتصف التسعينات كانت بناية “مستشفى الطبي الجراحي” الشهير لمؤسسه الدكتور نخمن واقعة تحت عجز مالي، وكان يضم عدد كبير من أطباء الملة الارثوذكسية الذين اشترى كل منهم حصة سهمية إضافة الى ادارة المستشفى واقنعوا غبطته لتكون البطريركية شريكاً ممتازاً في ملكية بناء المستشفى…  وفي النتيجة لم تستفد البطريركية من كونها الشريك الممتاز اذ لم يكن المشروع رابحاً وفق المأمول قتمت تصفية الشركة واستردت البطريركية ما ساهمت به…

الخاتمة

كان موضوع المستشفى الارثوذكسي البطريركي الدمشقي حلماً جميلاً  ولايزال يراود كل دمشقي ارثوذكسي، ولكن من ملاحظة تاريخ مستشفى القديس بندلايمون هذا الذي جهدنا جهداً في البحث وكتابة تاريخه، ندرك كم هي المعاناة مع نقص التمويل وحتى درجة انعدامه في وقت من الاوقات…

اليوم للبطريركية مستشفى الحصن البطريركي في وادي النصارى، الذي كانت قد قدمته “الجمعية الحصنية المغتربة في اميركا” واوقفته الى البطريركية بدمشق، لتضمه الى اوقافها وتديره بمعرفتها، وتم ذلك  بموافقات رسمية حسب الاصول المرعية في سورية ويعد هذا المستشفى اليوم الواقع في بلدة الحواش بوادي النصارى معلم استشفائي ومركز طبي وجراحي متميز مابين حمص واللاذقية وفيه كل الاختصاصات… ويسير من نجاح الى نجاح…

Scroll to Top