سورية القديمة

سورِّية القدّيمة

سورّية بلدٌ يقع في الشرق الأوسط على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ويَحّدهُ من الشمال إلى الغرب آسية الصغرى والعراق والأردن وفلسطين ولبنان، وكانَ كتلةٌ جغرافيةٌ واحدة مع إقليم كيليكيا  السوري، قبل ان تقسمها ولمصالحه، بدون رحمة، يدً الغريبِ والمحّتل والغزاة الوافدين… سكينُ “سايكس وبيكو”، و”بلفور” اليهودي، والابتلاع التركي لكيليكيا 1920-1923 المرّتَّب من الحلفاء، (إرضاءً للأتراك الغزاة الواردين من الصين وسهوب آسيا الوسطى)،  مع مساحات من شمال سورية الحالية على طول الحدوديمثل 18000كم2، اضافة الى ولاية ماردين ديار بكر 1913،و سلخ لواء الاسكندرون 1939.

سوريّة واحدة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في العالم، والتي لاتزال حية وعامرة بماضيها وحاضرها وسكانها وهو فسيفساء متنوعة في الاقوام واللغات والاديان والمذاهب، وأيّدت هذه الحالة المعروفة تاريخياً الاكتشافات الأثرية التي يَرجِع تاريخُها إلى أولِ سكنٍ بشَّريّْ في حوالي 700,000 سنة مضتْ. قِدَمُ كهفٍ أو مغارةِ الديدّرية الواقع بالقرب من حلب وعددٍ من الاكتشافاتِ الهامّة، مثل  “تل العظام”، حيثُ كانَ سكناً لـ “إنسان الـنياندرتال” (أو الإنسان البدائي) في (منطقة دمشق) في ذلك الوقت، ومغاورَ وكهوف يبرود ومعلولا في منطقة القلمون وتل منين وعين الصاحب، والذي أستمر بالعيش فيها على مدى فترة طويلة.

ودمشق هي أقدمُ عاصمةٍ مأهولةٍ في العالم وتعود الى 10000سنة، وحلب اقدم مدن العالم وتعود الى 12000سنة وكذلك حماه…

يظهر أول دليل على البشر الحديثين قبل حوالي 100,000 عام كما يتضّح من اكتشافات الهياكل العظمية البشرية، والسيراميك والأدوات الخام. ويبدو أن هناكَ هجراتٍ جماعيةٍ في جميع أنحاء المنطقةِ أثّرَّتْ على مختلفِ المجتمعات، ولكّن نظراً لعدمِ وجودِ سجلٍ مكتوب لهذه الفترة، فمِنْ غيرِ المعروف سبب حدوثِها، إذا كانت قد حدثت !. وتم البّت بهذهِ الهّجرات من خلال الإكتشافات الأثرية في جميع أنحاء المنطقة، التي أظهرتْ تغيّيرات كبيرة في صناعةِ السيراميك والأدوات الموجودة في مواقع مختلفة. ومع ذلك، يُمكنْ تفسيرُ هذه التطوراتِ بسهولةٍ من خلال التبادلِ الثقافي بين القبائل في منطقة ما، أو ببسّاطة من خلال التطورات المتشابهة في عملية التصنيع، بدلاً من الهجرة الواسعة النطاق. ويشير “المؤرخ سودن” إلى أن:

“قد سعى العلماء إلى استنتاج التطورات المهمة بصفة خاصة، على سبيل المثال، الهجرات الشعبية، من التغيرات الثقافية التي يمكن قراءتها في البقايا الأثرية، وخاصة في المواد الخزفية…” ومع ذلك، يمكن أن تكون هناك تغييراتٍ متكّررة وكبيرة في نمطِ السيراميك، حتى لو لم يأت أي أشخاصٍ آخرين إلى الساحة!.

ويُعتقد أن تغيّر المناخ في المنطقة قبل حوالي 15,000 عام، ربما يكون قد أثّرَ على البشر للتخّلي عن نمطِ حياةِ الصيادين، وجامعي الثمار، وبدءِ حياةٍ زراعيةٍ، أو أن القبائّل المهاجّرة أدخلتْ الزراعة إلى مناطق مختلفة.

كتب “سودن”: “نحن نطلق على “عصور ما قبل التاريخ” تلك الحقب التي لم يتم فيها تدوين أي شيء بعد، دون أن نفترض بذلك أن أحداثاً ذات أهمية كبيرة لم تحدث بعد”.

تكمن أهمية “نظرية الهجرة الجماعية” في أنها توّضِحْ كيف أصبحتْ الزراعة واسعة الانتشار في المنطقة، حين حدث الأمر. ولكن مرة أخرى، هذه النظرية بعيدة كل البعد عن الإثباتْ!. ومع ذلك، من الواضح أن الحضارة الزراعية كانت مزدهرة بالفعل في المنطقة قبل تدجّين الحيوانات حوالي 10,000 قبل الميلاد.

بوجود آثارْ ل (33 حضارة) قامت وترعرعت ونمت، وازدهرتْ على “أرض سورية التاريخية” ( شرق المتوسط ), فتُعتبر  المخزنُ الأثّري والتاريخي الإنساني، التي منها انطلقت هذه الحضارات بثقافاتها المتقدمة، لتربُطَ الشرقَ مع الغرب، عبر إنجازاتٍ كثيرةٍ جداً، تركت بصماتٍ بارزة في تطور التاريخ البشري، فسورية التي سكنها الانسان الحجري منذ 300 الف سنة قبل الميلاد ( مغاور وادي اسكفتا ) في مدينة يبرود بمنطقة القلمون، وسكنها “الإنسان التيوليتي” في “كهف الديدرية” في شمال غرب حلب ( 100 – 40 الف سنة قبل الميلاد ) وأقدمُ استيطانٍ مستقر في “تل القرامي” بوادي “نهر قويق بحلب” ( 12 الف قبل الميلاد ) وأنتج حضارة زراعية في تلال الفرات ومنها تل العبر ( 10 آلاف قبل الميلاد )

مكتشفات اثرية
مكتشفات اثرية

التَسمّيةْ والتاريخِ المُبّكر

كانتْ “سورية” منطقة تجارية مهمة مع موانئ على البحر الأبيض المتوسط، قدّرتها إمبراطوريات بلاد ما بين النهرين المُتعاقبة.

يقسم “المؤرخ فيليب حتيّ” سورية الطبيعية إلى خمسِ مناطق طبوغرافية طولانية متوازية، تفّصِلُ بين البحرِ والباديةْ، أولُها هو السهل الساحلي، الذي يمتَّد على ساحل البحر المتوسط الشرقي، من شبه جزيرة سيناء حتى خليج الإسكندرونة، وثانيها هي سلسلة الجبال الغربية، وتبدأ من جبل سيناء في الجنوب حتى جبال الأمانوس شمالاً، وثالثها هو حوض التصدّع، ويبدأ شمالاً من المنعطف الغربي لنهرِ العاصي، ثم يستّمر جنوباً في سهل البقاع ووادي الأردن حتى البحر الميت، ثم وادي “العربية” حتى خليج العقبة، ورابعُها هو السلسلةُ الشرقية، وتبدأ من جنوبي حمص، ثم الحرمون فهضبة الجولان وتستمر في تلال “جلعاد” وهضبة “مؤاب” وأخيراً جبل “سعير” جنوبي البحر الميت، وخامسها هو “بادية الشام”.

أما مجمع اللغة العربية في دمشق فيقول بأن حدود “سورية المجوفة” هي بالشكل التالي: “الأراضي الواقعة بين جبلّيّ لبنان الشرقي والغربي، والممتدة إلى وادي التيم، ووادي بردى الغربي، وإلى أنطاكية، حيث تجري فيها الأنهُر المعروفة: (العاصي وبردى والليطاني [..] وكانت تخمها القديم من عَدّْوتّي البحر الميت إلى أنطاكية”

أشار المؤلف الروماني بومبونيوس  ميلا في كتابه: “كتاب الجغرافيا الثالث” ( باللاتينية: De situ orbis libri III) إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط باسم سورية (باللاتينية: Syria) وذكرها بطليموس بعده في كتابه “المجسطي” بنفس التهجئة للإشارة إلى ولاية سورية الرومانية.

في تاريخها المكتوب المبكر ، كانت المنطقة تعرف باسم Eber Nari- إيبر ناري (“عبر النهر”) من قبل بلاد ما بين النهرين، وشملت سورية الحالية ولبنان وفلسطين (المعروفة مجتمعة باسم سورية الطبيعية – بلاد الشام). يشار إلى إيبر ناري في أسفار الكتاب المقدس لعزرا ونحميا وكذلك في تقارير كتبها الملوك الآشوريون والفرس.

ماري المدينة المدورة
ماري المدينة المدورة

يقول بعض العلماء أن الاسم الحديث لسورية قد اشتق من عادة هيرودوت في الإشارة إلى بلاد ما بين النهرين بأكملها باسم “آشور”، وبعد سقوط الإمبراطورية الآشورية في عام 612 قبل الميلاد، استمر الجزء الغربي في تسميته “آشور” حتى بعد الإمبراطورية السلوقية عندما أصبحت تعرف باسم “سورية”. وقد اطلق التسمية الاسكندر المقدوني  وقد تم الطعن في هذه النظرية من خلال الادعاء بأن الاسم يأتي من العبرية، إنما من غيّر سندٍ للطّعن، وكان يُشارُ إلى سكان الأرض بإسم “Siryons- سيريونس” من قبل العبرانيين بسبب الدروع المعدنية لجنودهم (siryon” تعني الدروع، وتحديدا البريد المتسلسل، باللغة العبرية). هناك أيضا نظرية مفادها أن “سورية” مشتقة من الاسم الصيدوني لجبل الشيخ – “سيريون” – الذي فصل بين مناطق شمال إيبر ناري وجنوب فينيقية (لبنان الحديث ، الذي كانت صيدا جزءا منه)، وقد اقتُرحَ أيضاً أن الإسم أتى من السومرية، “ساريا” التي كان اسمها لجبل الشيخ. وبما أن تسميات “سيريون” و “ساريا” لم تكن معروفة ل“هيرودوت” ، وبما أن “كتاب الهيستوريز” لهيرودوت كان له تأثير هائل على الكُتّاب اللاحقين في العصور القديمة، فمِِنَ المرجَّح أن الإسم الحديث “سورية” مشتق من “آشور” (الذي يأتي من “آشور” الأكّدية وعين الإله الرئيس للآشوريين) وليس من العبرية، الكلمات السيديانية، أو السومرية.

المستوطنات البشرية

تعودُ المستوطناتُ المبّكرة في المنطقة، مثل (تل براك)، إلى 6000 قبل الميلاد على الأقل. من المفهوم منذ فترة طويلة أن الحضارة بدأتْ في جنوبِ بلاد ما بين النهرين في منطقة (سومر) ثم انتشرت شمالاً. ومعَ ذلك، فقد تحدَّتْ الحفرَّيات في (تل براك) هذا الرأي، وينقسم العلماء حول ما إذا كانت الحضارة قد بدأت بالفعل في الشمال؟ أو ما إذا كان من المُمّْكن أن تكّون هناكَ تطّورات متزامّنة في كلتا المنطقتين من بلاد ما بين النهرين. ومع ذلك، فإن الادعاء بأن “التاريخ يبدأ من سومر”، على حد تعبير الباحث صموئيل نوح كريمر، لا يزال مقبولا على نطاق واسع، بسبب اليقين من وجود ما يسمى بشعب عبيد في جنوب بلاد ما بين النهرين، قبل صعود المجتمعات المحلية في الشمال مثل (تل براك). وسيستمر هذا النقاش إلى أن يتم الكشف عن أدّلة أكثر حَسماً على التطّور المبّكر في الشمال، وفي الوقت الحاضر، يقدم كلا الجانبين في الحجّة ما يبدو أنه دليلٌ قاطع على ادعاءات كلٍ منهما. حتى اكتشافِ (تل براك) (الذي حفره ماكس مالوان لأول مرة في 1938/1937 م)، لم يكن هناك شك فيما يتعلق بأصول الحضّارة في بلاد ما بين النهرين. ومن الممكِّن بالتأكّيد أنّ تُساعد الإكتشافات المستقبّلية في البلدان الحديثة التي كانت ذات يوم بلاد ما بين النهرين في تحديد هذه النقطة، على الرغم من أن الأدلة على الحضّارة التي بدأتْ في (سومر) تبدو أكثر حَسماً في هذه المرحلة.

اما (مدينتا ماري وايبلا)  فهما مدينتّين في سورية القديمة، وكلتاهما تأسس بعد مدينة (سومر) (ماري في الألفية الخامسة قبل الميلاد وإيبلا في الألفية الثالثة قبل الميلاد)، وكلاهما استخدّمَ الخّط السومّري، و كلاهما عبدا الآلهة السومّرية، وارتديا الأزياءَ السومّرية.
كان كلٌ من هذّين المركزيّن الحضريّين مستودعاتٍ لمجموعاتِ الألواح المسمّارية الواسعة، المكتوبة باللغتين الأكاّدية والسومّرية، والتي سجلّت التاريخ المعاصر، والحياةِ اليومّية والمعاملات التجّارية للشعب، وشَمَلَتْ رسائلَ شخصّية. عندما تمَ التنقيبْ عن إيبلا في عام 1974، فقَّد وُجدَ أنَّ القصّر قد احترَّقْ، وكما هو الحال مع (مكتبة آشور بانيبال) الشهيرة في (نينوى)، خَبَزَت النارُ الألواحَ الطينّية، وحافظتْ عليها. في (ماري)، بعد تدميّرها من قِبَل (حمورابي البابلي) في عام 1759 قبل الميلاد، تم دفنُ الألواح تحتَ الأنقاضْ وظّلت سليمةْ حتى اكتشافِها في عام 1930 معاً.
لقد زودّت أقراصُ (ماري وإيبلا) علماءَ الآثار بِفَهمٍ كاملٍ نسبياً للحياةِ في بلاد ما بين النهرين في الألفية الثالثة قبل الميلاد.
عمريت
عمريت

سورية وإمبراطوريات بلاد الرافدين

تأسّستْ كلتا المدينتّين حوالي 4000-3000 قبل الميلاد، وكانتا مركزَّين مهمَّين للتجارةِ والثقافةِ بحلول عام 2500 قبل الميلاد. غزا (سرجون الكبير) (2334-2279 قبل الميلاد) المنطقة واستوعبها في إمبراطوريته الأكادية. سواء كان  (الغازي سرجون أو حفيده نارام سين) أو الإباليون أنفسهم، وقد دمّروا المدنْ لأولِ مرةٍ خلال الفتح الأكّادي فهي مسألة نقاش استمرت لعدة عقود حتى الآن، ولكن كلتا المدينتّين تعرضتا لأضرارٍ كبيرة خلال حقبة الإمبراطورية الأكاّدية، ونهضَّتا مرة أخرى تحت سيطرة الأمورييّن، بعد سقوط الإمبراطورية الأكّادية في الألفية الثانية قبل الميلاد.

في هذا الوقت أصبحتْ سورّية تُعرفُ باسم أرض أمورو (الأموريين). واستمر الأموريون في تسمّية الأرضِ الخاصةِ بهم، والقيامِ بتوغلاتٍ في بقية بلاد ما بين النهرين طوال تاريخها، لكن منطقة سوّرية انتُزِعَتْ باستمرارٍ من سيطرّتهم. نظراً لأنه تّم الإعتراف بها، كانتْ سوّرية منطقةً تجاريّة مهّمة مع موانئ على البحر الأبيض المتوسط، وقدّرتها إمبراطوريات بلاد ما بين النهرين المُتعاقبة. استولت (مملكة ميتاني الحورية) (حوالي 1475-1275 قبل الميلاد) على المنطقة لأول مرة وبنت (أو أعادت بناء) (مدينة واشوكاني) كعاصمة لها. تم غزوهم من قبل الحثييّن في عهد الملك الحثي سوبيلوليوما الأول (1344-1322 قبل الميلاد) الذي وضع الحكام الحثيين على عرش ميتاني.

كانت مصر تتمتع منذ فترة طويلة بعلاقات تجارية مع سورية (الاكتشافات الأثرية في إيبلا تثبت التجارة مع مصر في وقت مبكر من عام 3000 قبل الميلاد) وخاضت عددا من المعارك مع الحثيين للسيطرة على المنطقة والوصول إلى طرق التجارة والموانئ. كان سوبيلوليوما الأول قد استولى على سورية، قبل غزو الميتاني، ومن قواعده هناك، قام بتوغلات على الساحل في جميع أنحاء سورية الطبيعية، مما هدد حدود مصر. وبما أن القوات الحثية والمصرية كانت متساوية في القوة، لم يتمكن أي منهما من الحصول على اليد العليا حتى توفي سوبيلوليوما الأول وخليفته مرسيلي الثاني، ولم يتمكن الملوك الذين جاؤوا بعدهم من الحفاظ على نفس المستوى من السيطرة.

كانت (معركة قادش) الشهيرة في عام 1274 قبل الميلاد، بين المصرييّن والحثيّين حول المركز التجاري لقادش في سورية، بمثابة تعادل بين القوتين. وعلى الرغم من أن كليهما ادّعى النَصر، إلا أن أيّا منهما لم يحصل على هدفه، ومن المرجح أن تكون القوة الأخرى المتنامية في المنطقة قد لاحظت ذلك:

الآشوريون. كان (الملك الآشوري أداد نيراري الأول) (1307-1275 قبل الميلاد) قد طرد بالفعل الحثيّين من المنطقة التي كان يسيطر عليها الميتاني سابقا وخليفته تيكولتي نينورتا الأول (1244-1208 قبل الميلاد) هزم بشكل حاسم القوات الحثية في معركة نهريا حوالي 1245 قبل الميلاد. ثم حاول الأموريون تأكيد سيطرتهم بعد سقوط الحثييّن واكتسبوا الأرض، ثم خسروها لصالح الآشوريين على مدى القرون القليلة التالية حتى صعِدَت الإمبراطورية الآشورية الوسطى إلى السلطة، واحتلت المنطقة، واستقرت فيها.

الطوفان /ملحمة جلجامش
الطوفان /ملحمة جلجامش

زُعْزِعَ هذا الإستقرار السياسي من قبل غزوات شعوب البحر، وانهيارِ العصر البرونزي حوالي 1200 قبل الميلاد، وتغيّرت مناطقْ بلاد ما بين النهرين، مع قوات غازِية مختلفة (مثل الغزو العيلامي لأور في عام 1750 قبل الميلاد الذي أنهى الثقافة السومرية). استمر عدم الاستقرار في المنطقة، حتى اكتسب الآشوريون التفّوق مع صعود الإمبراطورية الآشورية الجديدة تحت حكم الملك أداد نيراري الثاني (912-891 قبل الميلاد). وسَّع الآشوريون إمبراطوريتهم في جميع أنحاء المنطقة، وصولا إلى بلاد الشام، وفي نهاية المطاف، سيطروا على مصر نفسها.

بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية في عام 612 قبل الميلاد، سيطرت (بابل) على المنطقة وعلى شمال وجنوب مدينتها، واحتلتْ سورية ودمّرت ماري. كتب المؤرخ بول كريواتشيك كيف أنه بعد غزو بابل لآشور “كان النصف الغربي من نطاق آشور لا يزال يسمى مقاطعة آشور- في وقت لاحق، بعد أن فُقِدَ حرف العلة الأولي،(آ) سورية. احتفظت الإمبراطورية الفارسية بنفس الاسم، وكذلك إمبراطورية الإسكندر وخليفتها الدولة السلوقية، وكذلك الإمبراطورية الرومانية التي كانت وريثتها” (207). في هذا الوقت كان الآراميون هم الأغلبية في  شرق  وشمال شرق سورية مابعد نهر الفرات، وأبجديتهم، التي تبناها (الملك الآشوري تيغلاث بيلسر الثالث) لتحل محل الأكّادية في الإمبراطورية، كانت في غرب سورية منتشرة “الآرامية الفسطينية” ومثالها الباقي (معلولا) وجيرانها من مدن القلمون السورية قدمت التاريخ المكتوب للمنطقة. احتل الفينيقيون، قبل هذا الوقت، المناطق الساحلية في سورية وأصبحت أبجديتهم، التي اندمجت مع أبجدية الآراميين (إلى جانب الكلمات المستعارة من الأكادية)، هي النص الذي ورثه الإغريق، وفي ذات الوقت وبذات المعيار اقتبس الاغريق من الفينيقية بعد تزاوج اللغتين والشعبين.

سورية والكتاب المُقدّس

كاتدرائية دمشق
كاتدرائية دمشق

سيطرت (بابل) على المنطقة من 605-549 قبل الميلاد حتى الاحتلال الفارسي وصعود (الإمبراطورية الأخمينية) (549-330 قبل الميلاد). غزا الإسكندر الأكبر سورية في عام 332 قبل الميلاد، وبعد وفاته في عام 323 قبل الميلاد، حكمت الإمبراطورية السلوقية المنطقة. وكانت القوة الكبرى التالية لها هي بارثيا حتى أضعفتها الهجمات المتكررة من قبل (السكيثيين)، وسقطت إمبراطوريتهم. رحب الشعب السوري بتيجرانيس الكبير (140-55 قبل الميلاد) من مملكة أرمينيا في الأناضول كمحرر في عام 83 قبل الميلاد واحتفظ بالأرض كجزء من مملكته حتى استولى بومبيوس الكبير على  انطاكية في عام 64 قبل الميلاد وضم سورية الى الامبراطورية الرومانية. ثُمَّ تَمَّ غزوها بالكامل من قبل الإمبراطورية الرومانية في 116/115 مسيحية. شكل العموريون والآراميون والآشوريون معظم السكان في هذا الوقت وكان لهم تأثير كبير على التقاليد الدينية والتاريخية للشرق الأدنى. كتب المؤرخ كريواتشيك، مستشهدا بعمل البروفيسور هنري ساغز، ما يلي:

“كان أحفاد الفلاحين الآشوريين، حسب ما تسمح به الفرصة، يبنون قرى جديدة فوق المدن القديمة ويواصلون الحياة الزراعية، ويتذكرون تقاليد المدن السابقة. بعد سبعة أو ثمانية قرون وبعد تقلبات مختلفة، أصبح هؤلاء الناس مسيحيين. هؤلاء المسيحيون، والجماعات اليهودية المنتشرة بينهم، لم يحافظوا فقط على ذكرى أسلافهم الآشوريين على قيد الحياة، بل جمعوها أيضا مع تقاليد من الكتاب المقدس. في الواقع، أصبح الكتاب المقدس عاملا قوياً في الحفاظ على ذكرى آشور حية. (207-208)

لاحظ المؤرخ برتراند لافون، من بين آخرين، “أوجه التشابه التي تكون واضحة في بعض الأحيان بين محتوى الألواح في ماري ومصادر الكتاب المقدس” (بوتيرو، 140). كريواتشيك، بوتيرو، والعديد من العلماء والمؤرخين الأكبر سناً منذ اكتشاف القرن 19  لكثير من بلاد ما بين النهرين القديمة والعثور على الألواح في القرن ال 20 في إيبلا قد كتبوا مراراً وتكراراً عن التأثير المباشر لتاريخ بلاد ما بين النهرين على الروايات التوراتية بحيث، في هذه المرحلة، ليس هناك شك في أن القصص الشعبية مثل سقوط الإنسان، قايين وهابيل، الطوفان العظيم، والعديد من الحكايات الأخرى من الكتاب المقدس نشأت في أساطير بلاد ما بين النهرين. ليس هناك شك أيضا في أن نمط التوحيد كما هو موضح في الكتاب المقدس كان موجودا سابقا في بلاد ما بين النهرين من خلال عبادة الإله آشور، وأن فكرة وجود إله واحد قادر على كل شيء ستكون أحد الأسباب وراء الادعاء (الذي تم الطعن فيه) أن الآشوريين كانوا أول من قَبِلَ المسيحية وأقاموا مملكة مسيحية: لأنهم كانوا على دراية بالفعل بفكرة وجود إله متعال موجود في كل مكان يمكنه أن يظهر نفسه على الأرض في شكل آخر. يوضح كريواتشيك هذا كتابة:

“هذا لا يعني أن العبرانيين استعاروا فكرة وجود إله واحد كلي القدرة وموجود في كل مكان من أسلافهم الآشوريين. فقط لأن لاهوتهم الجديد كان بعيداً عن حركة دينية ثورية تماما وغير مسبوقة. لم يكن التقليد اليهودي-المسيحي-الإسلامي الذي بدأ في الأرض المقدسة قطيعة كاملة مع الماضي، ولكنه نشأ من الأفكار الدينية التي كانت قد ترسخت بالفعل في أواخر العصر البرونزي والعصر الحديدي المبكر شمال بلاد ما بين النهرين، وهي النظرة العالمية للمملكة الآشورية، والتي من شأنها أن تنشر إيمانها وكذلك قوتها في جميع أنحاء غرب آسيا على مدار القرون التالية.

التراث الذي حافظ عليه الشعب السوري، يُزعم أنه يحتمل أن قد أثّر على تصوير الملوك والمعارك والأحداث، كما هو مسجل في العهد القديم، وحتى على رؤية الإله القائم من بين الأموات، كما هو مذكور في العهد الجديد بقيامة الرب يسوع المسيح. كان شاول الطرسوسي الفريسي المتعصب، الذي أصبح فيما بعد الرسول بولس مواطنا رومانيا من طرسوس في سورية  أنه حصل معه وفي وضح النهار رؤية يسوع بينما كان في طريقه إلى دمشق ليقبض على المسيحيين في دمشق، وكانوا الجماعة المسيحية الاولى خارج فلسطين وعميَّ مؤقتاً واقتادوه إلى دمشق حيث قام حنانيا الرسول اول أسقف لدمشق بعماده فأستنار بصره واهتدى الى المسيحية، وصار رسولها الأول..

اذن في دمشق السورية ارتفع أول مركز رئيس للمسيحية في سورية، في أنطاكية حصّل التدبير الإلهي بإقامة اول كرسي مسيحي في العالم ، ونال المسيحيون فيها لقب مسيحيين قبل اي مكان في العالم، ومن أنطاكية ذاع هذا الاسم مع تبشير رسل أنطاكية بولس وبرنابا وبطرس و…، وانطلقت أولى البعثات الإنجيلية من تلك المدينة.

تدمر
تدمر
طالما كانت سورية التاريخية بموقعها الجغرافي الذي يربِط ثلاثَ قارات (آسية، افريقية، واوربة) تشّكل مركز ثقلٍ تجاري في العالم القديم , بسيطرتها على طرق القوافل التجارية التي ربطت العالم القديم ببعضه اقتصاديا وثقافيا وحضاريا والمعروف لاحقاً بإسم (طريق الحرير) , فكانت هدفاً سَعَت كلُ الأمبراطوريات عبر التاريخ لغزوها، والسيطرة عليها للتحكّم بهذه الطرق، وبالتالي للتحكّم بحركة التجارة العالمية , كما شَّكَّلت سورّية جسر عبورٍ للتبادل الحضاري الثقافي بين هذه الأمبراطوريات، وخاصة بين الغرب والشرق، ولعب أهلها من أبناء إيبلا وقطنة وإيمار وماري وأوغاريت وممالك الآراميين، الدورَ الأبرز في تأمين هذا التبادل الحضاري، وكذالك لاحقاً عندما خضَّعت لحكم الآشوريين والبابليين والفرس والأغريق والرومان والروم والعرب، احتفظتْ الحضارات السوّرية بتقدّمها ,فهي كانت النبع الحضّاري، الذي غذّى قيامَ وتقدم حضاراتٍ سادَّت على الأرضِ السوّرية ثم بادتْ، فما قدمه العموريون والفينيقيون والآرامييون من قوانين نظمت كل شؤون الحياة ( انسانية، تجارية، زراعية، حقوقية، حرفية، علمية وثقافية… ) شّكَّل اساساً بَنتْ عليه الشعوبُ الغاّزية لسورية حضاراتَها في سورية.
كما بَرَع السوريون أن يكونوا روادها وبَرعّوا بها، فالفينيقيون أول من اتقن علم البِحار والتجارة البحرية مع حضارات المتوسط والأكتشاف، وبناء مستعمرات لهم على شواطىء المتوسط كقرطاج وفي مرسيليا…  ويقيناً انهم اول من اكتشف شواطىء الأمريكيتين وتركوا نقشاً بالفينيقية على مصب الأمازون، وكانوا رَسُل ثقافة، وتجارة،أكثر مما كانوا غزّاة.

وماذا عن الآراميين وانجازهم الأهم ” لغتهم ” لغة التجارة والديلوماسية في وقتها، وأصلاً امتدت الآرامية بفعل نشاطهم التجاري حتى سواحل الجزيرة العربية الشرقية، كما كانت الآرامية لغة الأدّب ويقول البعض بامتزاجها مع ثقافة الأغريق فظهرت الثقافة الهلنستية، وهذا القول محل نظر، لقد زودت سورية  روما بأباطرة عظماء ( العائلة السفرية وفيليب ابن شهب ) ورجال حقوق ( بابينيان الحمصي ) وغيره واعظم مهندسي العمارة ( ابولودور الدمشقي )، فسورية التي حُكِمت من روما لأكثر من 700عام، ساوت مدنها السورية بروما  ونهضتها العمرانية والثقافية والتجارية، فكانت تدمر لأكثر من 200 عام المركز التجاري الأهّم لروما في العالم، وعرفت استقلالاً ذاتياً وازدهاراً ما زالت اثاره تتكلم عنه.

المدن المنسية
المدن المنسية

الحضارة الهلنستية

بعد موت الإسكندر الأكبر، كانت منطقة شرق البحر المتوسط من نصيب السلوقيين، حيث قسموها إدارياً إلى عدد من الولايات هي ولاية سورية فأنشأ سلوقس عاصمته الاولى سلوقية على نهر دجلة، ثم انشأ انطاكية عاصمة ولاية كل سورية، والتي تعرف أيضاً باسم سورية الجوفاء وولاية فينيقيا وولاية فلسطين، أما القسم الصحراوي فدعي بالصحراء العربية وكان خارج الولايات السلوقية.

في عام 64 ق.م، أنهى بومبيوس القائد الروماني الحكم السلوقي وجعل سورية الجغرافية كلها ضمن ولاية سورية الرومانية ( باللاتينية: Provinica Syria) وأبقى عاصمتها أنطاكية عاصمة المشرق الروماني، وسمح للممالك العربية كالأنباط بالاحتفاظ بممتلكاهم الأصلية مقابل جِزيّة سنوية، وأصبحت اليهودية دولة خاضعة ضمن ولاية سورية مرتبطة بأنطاكية بنظام خاص يُتيح لليهود حرية عبادة إلههم. أما المنطقة الجنوبية فقد عرفت باسم الولاية العربية الصخرية. وبعد انقسام الأمبراطورية إلى شرقية وغربية، في عهد قسطنطين الكبير وتأسيسه القسطنطينية السنة 321م أصبحت ولاية سورية جزءاً من الأمبراطورية الشرقية، وكانت مقسمة إلى عدد من الولايات في حوالي القرن الرابع المسيحي، هي ولاية سورية الأولى وعاصمتها أنطاكية وولاية سورية الثانية وعاصمتها أفاميا، وولاية فينيقية الأولى وعاصمتها دمشق، وفينيقيا اللبنانية وعاصمتها حمص وولاية فلسطين الأولى وفلسطين الثانية وعاصمتاهما قيصرية وسيكثوبولس على الترتيب. أما الولاية العربية فأصبحت تعرف باسم ولاية فلسطين الثالثة وعاصمتها البتراء.

الولايات السلوقيةالولايات السلوقية

الولايات الرومانية حوالي العام 125م

روما، الإمبراطورية الرومانية الشرقية

كانت سورية مقاطعة مهمة في الجمهورية الرومانية، وفي وقت لاحق الإمبراطورية الرومانية. بفضل كل من يوليوس قيصر وبومبيوس الكبير المنطقة، وبعد صعود الإمبراطورية، اعتبرت واحدة من أهم المناطق بسبب طرق التجارة والموانئ على البحر الأبيض المتوسط.

في الحرب اليهودية الرومانية الأولى 66-73 مسيحية،( ولاية الشرق الرومانية وعاصمتها انطاكية) لعبت القوات السورية دوراً حاسماً في معركة بيت حورون (66 مسيحية)، حيث تعرضت لكمين نصبه لهم المتمردون اليهود وذُبحت القوات السورية. كان المحاربون السوريون يحظون بتقدير كبير من قبل الرومان لمهارتهم وشجاعتهم وفعاليتهم في المعركة، وفقدان فيلق السوريين أقنع روما بالحاجة إلى إرسال القوة الكاملة للجيش الروماني ضد المتمردين اليهود. وقد تم إخماد التمرد اليهودي من قبل القائد الروماني الشهير تيطس في عام 73 ميلادية مع خسائر فادحة في الأرواح.

ثم شارك المشاة السوريون أيضا في إخماد ثورة بار كوخبا اليهودية في يهودا (132-136 م) وبعد ذلك نفى الإمبراطور هادريان اليهود من المنطقة وأعاد تسميتها سورية باليستينا على اسم اصحاب الارض الاصليين (الفلسطينيين) الأعداء التقليديين لليهود المستوطنين الدخلاء.

ثلاثة أباطرة لاحقين كانوا سوريين بالولادة: إيلاجابالوس (حكم 218-222 م)، ألكسندروس سيفيروس (حكم 222-235 م)، وفيليب المكنى” العربي” (244-249 م). وأولى الإمبراطور يوليان (361-363 م)، آخر إمبراطور غير مسيحي لروما، اهتماما خاصا بأنطاكية كمركز مسيحي وحاول، دون جدوى، تهدئة الصراع الديني بين الوثنيين والمسيحيين في المنطقة التي عززها، عن غير قصد. بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، كانت سورية جزءا هاماً جداً من الإمبراطورية الرومانية الشرقية واستمرت كمركز مهم للتجارة والتجارة. في القرن السابع الميلادي،

دخول الاسلام

بدأ الإسلام ينتشر في جميع أنحاء المنطقة من خلال الغزوات فدخل المسلمون الى دمشق عام 635م، وفي عام 637 م، هزم المسلمون جيوش الإمبراطورية  الرومانية الشرقية في معركة الجسر الحديدي على نهر العاصي في سورية. أثبتت هذه المعركة الحاسمة بين الرومان والمسلمين قدرة العرب، وبعد سقوط أنطاكية والاستيلاء عليها، أصبحت سورية مندمجة في الخلافة الراشدية. وبعد دخول الاسلام وانتشاره في سورية في عصر الدولة الأموية، أصبحت دمشق عاصمة دولة الخلافة، التي امتدت من سفوج جبال الهملايا في الشرق إلى ساحل المحيط الأطلسي في الغرب وصولاً الى جبال البيرينة في شبه الجزيرة الأيبيرية، وكانت سورية الكبرى تخضع لحكم الخليفة  الأموي المباشر في دمشق. ثم تحولت سورية الجغرافية إلى إقليم يتبع الدولة العباسية بعد انتقال مركز الخلافة إلى بغداد، وسميت ولاية الشام، نسبة إلى مدينة دمشق، وقسمت إلى ستة أقسام إدارية سميت الأجناد، ومفردها جُند، وهي: جُند فلسطين، وجُند الأُردُن، وجُند دمشق، وجُند حِمص، وجُند قنسرين، وجُند العواصم. مع تراخي قوة الخلافة العباسية، أصبحت سورية الجغرافية أو أجزاء منها إقليماً تابعاً لدويلات مختلفة قصيرة العمر هي الطولونية والأخشيدية والحمدانية، وتلاهم السلاجقة والفاطميين قبل أن تتعرض أجزاء من الشريط الساحلي للحملات الفرنجية، ثم احتلال أجزاء من الأقسام الداخلية من قبل الغزو المغولي، ثم سادت فيها سلطة المماليك قبل أن ينتزعها العثمانيون منهم في عام 1517

الولايات الرومانية في الامبراطورية الرومانية الشرقية حوالي العام 400م.

لم تتأثر غالبية السكان في البداية نسبيا بتغيير الحاكم من رومي الى عربي مسلم.  ففي البداية حافظ  المسلمون على علاقة جيدة مع السكان، وهم من الأديان الأخرى، وسمحوا باستمرارِ ممارسة الطقوس المسيحية. ومع ذلك، لم يسمح لغيرِ المسلمين بالخدمة في جيش  الدولة الاسلامية من الراشدية الى الاموية الى العباسية و… ، وبما أن الجيش قدم عملاً ثابتاً وكذلك الادارة العامة بعد تعريب الدواوين زمن عبد الملك بن مروان، فقد اعتنق فريق كبيرمن السكان الإسلام وبالاخص السريان الكارهين للروم، وقد ساعدوا المسلمين في معركة اسقاط دمشق 635  وفي معركة اليرموك وفتح حمص وحلب طمعا بالحصول على وظائف. وكي لا يكونوا من اهل الذمة ويتوجب عليهم دَفعُ الجِزّية …  وكان آخر الموظفين المسيحيين الكبار هو القديس يوحنا الدمشقي الرومي في النصف الأخير من عمر الدولة الأموية، فيوحنا ابأ عن جد خدم الدولة الاموية بعد جده (كما كانوا في العهد الرومي) وذلك حقناً للدماء فتوسط سِّرجون جد القديس يوحنا  وكان وابا عبيدة بن الجراح متوافقين على حقن دماء الدمشقيين، والتسليم صلحاً، وفتح دمشق من باب الجابية بصلح مشرف عقده  سرجون مع ابي عبيدة بن الجراح، فخدم سرجون وابنه وحفيده يوحنا الدولة الاموية باخلاص ونزاهة وارسى نهجاً في الدول الاسلامية  بأن يكون مسؤول المالية مسيحياً بسبب نزاهته، فقد كان في الدولة الاموية امينان أي وزيران: أمين ديوان بيت المال وأمين ديوان الجند ، وتولى ديوان بيت مال المسلمين جد يوحنا سرجون وابنه، وحفيده يوحنا على التتابع، وفي النهاية ترك يوحنا الوظيفة  والتحق بالرهبنة في دير مار سابا  الرهباني بجانب القدس بفلسطين، وجدير ذكره انه كان هناك تحول مطرد لعدد من السكان المسيحيين الدمشقيين إلى الإسلام منذ دخولهم دمشق صلحاً مع ابي عبيدة وحرباً دموية مع خالد بن الوليد بدخوله بخيانة الراهب يونان اليعقوبي كاهن السريان من الباب الشرقي لدمشق ما ادى الى ازهاق ارواح 40000 مسيحي دمشقي… وهؤلاء من القديسين الشهداء في سنكسار الكنيسة الأنطاكية الرسولية، ويُعّيد لهم.

انتشرت الإمبراطورية الإسلامية بسرعة في جميع أنحاء المنطقة وأصبحت دمشق عاصمة الأمويين الذين كانوا زمن معاوية المحب للمسيحيين، مما أدى إلى ازدهار غير مسبوق لسورية بأكملها  في القسم الاول من الدولة الاموية التي كانت في ذلك الوقت مقسمة إلى أربع محافظات لتسهيل الحكم. أطيح بالأسرة الأموية من قبل فصيل مسلم آخر،  وهو الفصيل العباسي، في عام 750 ميلادية وتم نقل العاصمة في ذلك الوقت من دمشق إلى بغداد مما تسبب في تدهور اقتصادي في جميع أنحاء المنطقة. أعلنت اللغة العربية اللغة الرسمية لمنطقة سورية، وسقطت الآرامية واليونانية من الاستخدام.

نعم كان السوريون حتى وهم محتَّلين خاضعين، إلا أنهم كانوا رواداً بكل مناحي الحياة، لم يبخلوا بعلمهم وثقافتهم وحرفيتهم على العرب مع اقامة اول خلافة عربية اسلامية ( الخلافة الأموية )وقد استعان بهم منذ البدء معاوية ثم خلفاء بني امية بكل شيء،  استعانوا بهم لأدارة شؤون دولتهم ادارياً وثقافياً وتجارياً ومهنياً وعمرانياً، وسادت اللغة اليونانية في الدواوين والمراسلات والتداول النقدي للعملة الرومية الى عهد عبد الملك الذ عكس الحال كلياً، واستمر المسلمون بتوسيع رقعة دولتهم , وهكذا كانوا ايضا حتى عهد المأمون والخلافة العباسية , ولكن مع استقدام العباسيين للفرس وبعدهم الترك، الذين سيطروا على السلطة وعلى الخلافة تم إقصاء العرب والسورييّن عن ساحة الفعل السياسي والثقافي والإداري والعسكري، فاصبحت الخلافة اسلامية واسقطت كلمة عربية من عنوانها وضعفت الخلافة العباسية وتناهبتها أيادي السلاطين السلاجقة الترك والمماليك واخيراً العثمانيين , الذين قاموا بتغييرات ديمغرافية واسعة على حساب السوري والعربي النبطي والعربي الذي قدم من جزيرة العرب غازيا، وبات الكلام اليوم عن اي غالبية، وهو كلام موجه لغلاة العروبة وادعائهم انهم الغالبية السكانية في سورية، انه غير صحيح، فلو اجرينا دراسة تاريخية موثقة للأصول السكانية للسوريين , فسيفاجىء دعاة الأصل العربي، ان كثيرين منهم اصولهم ليست عربية صرفة، بل نشأت بتزاوج عبر التاريخ هذا  من اصول متعددة ، وفي سورية اليوم من العناصر التي مرت عليها وبقيت فيه كموزاييك تتكون من 18 اثنية وعرقية وجماعة دينية تسمت باسم عروقها الاثنية وكون اللغة العربية هي لغة السوريين، فلا يجزم هذا انهم من جذور عربية. ويتضايق كثيرون ان سمعوا بالأمة السورية ولكنها حقيقة دامغة ويتوجب ابعاد الصفة العربية على سكان سورية، فهم خليط تجانس غلفته اللغة العربية‘ فسكان اميركا الشمالية يتحدثون بالانكليزية ولكنهم ليسوا مواطنين بريطانيين على سبيل المثال وكذلك قارة اميركا الجنوبية واستراليا ونيوزيلندة…

قلعة حلب
قلعة حلب

هذا التاريخ السوري يؤكد أن البنَية السكانية للوطن السوري متعددة الجذور والأصول من شعوب كثيرة تزاوجت وتمازجت مع بعضها عبر الزمن، ولا يمكن القول بغاليبة اكثرية أرامية او يونانية أو آشورية وسريانية، أو  عربية، أو كردية، وارمنية وشركسية… أو غيرها أو سيادة أو صفاءِ عِرقٍ أو إثنية أو لغة أو دين أو مذهب، وأساساً لايوجد عرق صافٍ في كل البشرية، أو التحدث بمنطق الأكثرية والأقليات، وبمنطق نحن كنا…فهذا كله تحريف للتاريخ، الذي قام بتدمير شعوب لغيرها وممالك لغيرها والاستعباد والسبي والتزاوج…، فلو جزأنا الأكثرية (المدَّعى بها مثلاً اليوم في سورية الى قوميات /ولو في الدين الواحد/) إلى مذاهب وطوائف لكان جميع السوريين أقليات…

وللإنصاف ومن بعدِ تَتَبُع التاريخ الديموغرافي لسكان سورية، نجد انه في يوم من تاريخ سورية كانت هذه الاقليات الحالية بسبب مامر عليها من إضطهادات ومذابح وتهجير وارغام على تغيير الدين، هي المكُّون الأكبر من سكان سورية، ودلائل التاريخ أكثر من ان تعد، وهكذا فان الهوية الوحيدة التي يجبُ الدفاع عنها وحمايتها، هي الهوية السورية وهذه الارض السورية التي ضمت رفات اجداد مكوناتها عبر كل العصور وعليها وُلد الجميع، وأجدادهم دُفِّنوا فيها وشكلوا ترابها.

مصادر البحث

موقع عريق

سورية القديمة  جوشوا مارك تعريب سامي اطرش

سورية ارض الحضارات

موقع د.جوزيف زيتون هنا

د. رستم أسد تاريخ كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى

Scroll to Top