تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس
نبذة في تأسيس مدينة أنطاكية
كان سلوقوس نكتاروس(الظافر) وهو أحد قواد الاسكندر المقدوني قد تقّاسَم مع القواد الآخرين

إمبراطورية معلمهم العالمية بعد وفاته، فكانت منطقة الشرق حتى بلاد السند تحت ولايته، كما آلت الإسكندرية وسائر الشمال الإفريقي إلى رفيقه بطليموس، وذلك في العام 300 ق.م.
ا

– أراد سلوقس أن يبني عاصمةً جديدةً له تتّمتع بالحصّانة بخلافِ السويدية (على مصب العاصي)، فصّعد إلى الجبل الأقرع في 23 نيسان 300 ق.م، وقدّم الضّحية “للإله زوس”، فجاءَ النَسرُ وحَمَل الضّحية، وطار بها إلى “جبل سيليبوس” وألقاها هناك. ثم عادَ في أول أيار فصّعد إلى “الجبل الأقرع” وقدّمَ الضّحية مجدّداً “للاله زوس”، فجاء النَسرُ ثانيةً، وحَمَلَ هذه الضّحية، وطارََ بها إلى موقعٍ حصينٍ على سفحِ “جبل سيليبيوس” محمّي من ظاهِِرِهِ بجبلٍ آخرْ، فأدرَكَ أن “الإله زوس” أرشدَه إلى موقع لعاصّمتِه المنّشودة. فبنى هذه العاصمة، وأسماها أنطاكية على اسم والده “أنطيوخوس”.
تميَّز موقِّعُ هذه المدينة، بوقوعِه على منحنى “نهر العاصي”، وقد جَمَعَ بين فوائِدِ البَّر والبّحر الذي كان قريباً، والعاصي كان صالحاً آنئذ للملاحة، حتى أن المراكب (مهما كان ثقلُ غاطِسها) تَمخُّر مياهُه إلى أنطاكية، وهناك كان يتمُ إفراغُ حمولَتِها.
ورَبَطَ “سلوقس” أنطاكية ببابلْ (وكانت أعظم مدن الشرق وهي عاصمة الشرق لدولة الإسكندر الفاتح) بطريقيّن معبدتيّن تسهِّيلاً لنقلِ الجيوشْ، وتَّشويقاً لانتقالِ التجارِ والِسلع. وسعى لتهلّينْ الشرقييّن من رعاياهم، فسهل لهم الإقامة في منطقة العاصي.
نشأتْ أنطاكية أربعة أحياء يُحيط بكلٍ منها سورٌ منيعٌ مزدوجٌ لا تزالُ آثاره بادية حتى الآن، وقد سميت ” تترابولس” ( تعريبها”المدن الأربع”). وجدير ذكره أن سلوقس أنشأ أربع مدن في عهده هي أنطاكية (على اسم والده) وسلوقية (على اسمه) وآفامية (على اسم زوجته) ولاوذيكياس(اللاذقية) على اسم أمه.
– وفي سنة 64 ق.م، فتحَ الرومان بقيادة بومبيوس سورية، فجعل أنطاكية عاصمةَ ولايةِ سورّية، ودَعاها “عين الشرق كله”، وجَعَلَها مقَّراً للحاكمِ الروماني العام للمشرق، وربَطَ بها “فلسطين” مع بعض الإستقلال الذاتي لخصوصية ديانة اليهود.
كنيسة أنطاكية

– ان كنيسةَ مدينةِ انطاكيةَ تعَّد من أقدَّم الكنائس بعد أورشليم، وقد قبلَت المسيّحية عقيَّب صعودِ الرب يسوع المسيح الى السماءْ بثلاثِ سنوات. وذلك أنه بعد استشهاد “القديس استفانوس” رجماً بيد اليهود في أورشليم سنة 37 مسيحية، جاء أنطاكية مؤمنون من قبرص والقيّروان، ونجحّوا في كرازَّتهم، وطارت أنباءُ نجاحِهم الى الكنيسة في اورشليم، فبعثت العاِلمْ العلامة برنابا الذي انضمت اليه جموع غفيرة، فتشجع على الذهاب الى طَرسوس، حيث أتى بشاول (بولس الرسول) الى أنطاكية، وأخذا معاً في التبشير هنالك بانجيلِ الرب يسوع .فازدَّهَرَتْ الكنيسةُ الأنطاكيةُ، واشتَهَرَتْ في العالم، ودُعَّيتْ فيها الكنيسة مسيّحية، وسمي فيها المؤمنون “مسيحيين لأول مرة”. فخرج منها المُرسَلونَ إلى أقطار العالمِ في الشرقِ والغرب، كما خَرَجوا من “دمّشق”، حيث زرعوا بذار الديّن المسّيحي مما جَعلَ لها حقّوقاً شرعّية على هذه الكنائس الجديدة في الأصقّاع الشرقّية. فلذلك نرى أسقف أنطاكية متقدماً منذ عهود المسيحية الأولى على سائرِ أساقفةِ الشرق، فهو الذي ترأّس المجامعَ المكانية في الشرق (أنقرة سنة 315 وقيصرية سنة 316). والتقاليدُ الشريفة تثبت لنا أن الرسولين بطرس وبولس أسسا كنيسة أنطاكية حوالي سنة 42 للمسيح ومعهما برنابا الغيور. وأن بطرس الرسول كان أول أسقف أُقيم عليّها ومكث على رعايتها ثماني سنوات أي من السنة 45 الى السنة 53 ،وكانت أنطاكية “عاصمةَ الشرق” في تلك الأيام، و تضُّم نحو 700000 نسمة.
– في سنة 325 مسيحية انعقد المجمع المسكّوني الأول في “نيقية”، واعترف لكنيسة انطاكية بالرئاسة على سائرِ أساقفة الشرق.
ثم جاء المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية سنة 381 مسيحية مثّبتاً أعمال المجمع الأول. واعترف المجمع المسكوني الثالث في أفسس سنة 431 مسيحية باستقلال “كنيسة قبرص” عن أنطاكية. ثم مَنحَ المجمع المسكوني الرابع سنة 451 مسيحية لقب “بطريرك” لأسقف أنطاكية. فالحوادث السياسية والهرطقات الدينية قد عملت على فصلِ بعضِ المقاطعات عن أنطاكية أيضاً وعلى تأسيس بطريركيات

خاصة لها، ومنها الكنيسة الآشورية في بلاد مابين النهرين وفارس التي دخلت في هرطقة “نسطوريوس” فحرمها المجمع المسكوني الثالث في افسس سنة 431 مسيحية، ثم انفصلت عن انطاكية السنة 498 مسيحية.
ومنها الكنيسة السريانية اليعقوبية التي سقطت في هرطقة “الطبيعة الواحدة”، التي حرمها المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية سنة 451 مسيحية، وانفصلت في سنة 513 مسيحية.
ومنها اتباع هرطقة “المشيئة الواحدة”، الذين حرمهم المجمع المسكوني السادس في القسطنطينية سنة 680 مسيحية ،الذين هم الموارنة أيضاً الذين استقلوا عن البطريركية الانطاكية بانتخاب أول بطريرك عليهم يوحنا مارون سنة 685 مسيحية ،وكانوا أول كنيسة اتحدت برومه مع وجود الفرنج في بلاد الشام في العام 1182 مسيحية، في عهد البطريرك أرميا العمشيتي، وأعلنت خضوعِها لبابا رومه.
في السنة 1050 مسيحية استقلت “الكنيسة الكرجية الأرثوذكسية” عن أمها كنيسة أنطاكية، وصارت كنيسة ارثوذكسية مستقلة مالبثت الكنيسة الروسية أن ضمتها اليه عام 1840 مسيحية ،ثم أعيد اليها استقلالها مع نجاح الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917مسيحية و تسمت “بطريركية جيورجيا”.

لغةُ الكنيسة الانطاكية
– بقيّ الكرسي الأنطاكي قروناً طويلة منذ نشأته حتى دخول المسلمين للمنطقة في عام 633 مسيحية، إكليروساً وشعباً، معروفاً بصبغته اليونانية، بالرغم من وجود شعب قليل في شمال وشرق سورية يتكلم السريانية. وهذا مايقلل وجود أحبارٍ سريان بين البطاركة والأساقفة وسائر رجال الاكليروس اليوناني الأصل واللغة، الذين كانوا يتولون شؤون الكرسي الأنطاكي المقدس. ومعلوم أمر مدرسة أنطاكية الشهيرة، وتلاميذِها الكثيرين مثل يوحنا الذهبي الفم وغيره ، وكذلك مدرسة اديسا أوالرها (اورفا)، ومدرسة نصيبين (ديار بكر). وهاتان المدرستان كانتا تدرسان اليونانية والسريانية معاً، وقد نبغ في هذه المدارس عدد عظيم من الرجال الذين من بينهم بطاركة وأساقفة لبقية الكنائس أيضاً. ومنذ أن دخل المسلمون أنطاكية سنة 635 مسيحية أخذت اللغة اليونانية تتضاءَل شيئاً فشيئاً إزاء العربية لغة الدولة الحاكمة، فاندثرتْ تلكَ المدارس ولم يبقَ لها من أثَّر…
ومما لا سبيلَ للسكوتِ عنه هو أنه منذاللحظة الاولى لدخول المسلمين بلاد الشام في سقوط دمشق، ان المسلمين كثيراً مااستعانوا بالسريان والآشوريين الذين كانوا يتكلمون السريانية (شقيقة العربية) فكانوا يقربوّنهم اليهم، ويستخدمونهم كأطباء وكتبة وموظفين… ويستخدمون بطاركتهم

وخصوصاً النسطورييّن منهم كأخصام الاكليروس الرومي الأرثوذكسي (كون المسلمين اعداء الروم) مسَّهلين لهم الاقامة في مناطق الكرسي الأنطاكي، تحقيراً للبطاركة الأرثوذكسيين، بعد أن كان أولئك الهراطقة لايجسُّرون على اجتياز حدود “بلاد فارس” إلى أنطاكية. وبالرغم من ذلك، بقيتْ اليونانّية لغة الكنيسة ورجالها حتى القرن الحادي عشر، وأساساً كانت هي لغةُ التبشّير ولغةُ الكتاب المقدس، ومن اليونانية يتم النقل الى اللغات الأخرى (عندها يعتبر الكتاب موثوقاً)، عندما ظهر لأول مرة رجالٌ يجيدون اللغتيّن معاً، فأمسى الشعب لايعرف لغة غير العربية، مما اضّطر بعض رجالُ الكنيسة الأفذاذ، لتعريب بعض الكتب الطقسية. وكان شيخ التعريب والمعربين الشماس عبد الله بن الفضل الأنطاكي المطران. فقد ظل اختيار الإكليروس بصورة عامة من الذين يعرفون اليونانية والعربية، وكان التبادل لا يزال بين رجال الاكليروس قائما ًدون تميّيز بين جميع الكنائس الأرثوذكسية، كما كان التضامن بين البطاركة الأربعة آخذاً مجراه الطبيعي فيما يتعلق بوحدة الإيمان، واحتمال المصائب في سبيله. ومن أجدى المواقف دلالة، الموقف الذي اتخذه الكرسي الأنطاكي أثناء حوادث الانشقاق الكبير والأخطر في العالم المسيحي سنة1051 مسيحية.
من ثم جاءَتْ غزوات الفرنج، فاحتل المجتاحون مدينة انطاكية في 29 حزيران 1098 . وكان يوم عيد الكرسي الأنطاكي، بعد حصار دام سبعة أشهر ارتكبوا خلالها من أنواع الاغتصاب والتدمير المنكرة ضد اخوانهم الأرثوذكسيين (بكل أسف) ما يندى الجبين منه خجلاً…فمنذ دخولِهم أنطاكية عزلوا بطريركها يوحنا السابع، بعد ان وضعوه في قفصٍ خشبي كالحيوانات، ودحرجوه على الجبل، فقضى شهيداً، وأقاموا مكانه لاتينياً اسمه “برنارد” …!

كذلك استبدلوا كل أفراد الاكليروس وكانوا يجيدون العربية علاوة على لغتهم الأصلية، وفي مدة حكم الفرنجة حوالي قرنين من الزمان، اضطُر البطاركةُ الشرعيون للإقامة في القسطنطينية. ونشير إلى أن الحملة الصليبية الرابعة السنة 1204م من غزوات الفرنج فتحت القسطنطينية واستباحتها بشكل لم يسبق له مثيل في الهمجية وتدمير المقدسات وانتهاك الأعراض والسبي والقتل سيما وأنه تم من اخوة في المسيح، لقد انتهكوا المقدسات ومارسوا العهر مع العاهرات والزواني على المائدة المقدسة في كاتدرائية آجيا صوفيا، ودخلوا الكنائس بسنابك خيلهم. واستمر احتلالهم لها مدة زادت عن السبعين سنة، وسرقوا ذخائر القديسين من كنائس القسطنطينية الى الفاتيكان والامارات الايطالية والغرب… وكان هذا الغزو قد اأضعف الدولة الرومية كثيراً مما سهل على السلطان العثماني محمد الثاني اسقاطها بعد نضال مرير دام بحصاره لها مع ضرب المدفعية والمنجانيق 24 يوما.
بلغ عدد البطاركة اللاتين على الكرسي الأنطاكي ستة الى سنة 1268م حينما فتح الظاهر بيبرس البندقداري أنطاكية بعد حصار، ودمرها واستباحها، وقتل وسبى شعبها البالغ 100000 نسمة وهو عارف حين حصاره لها أن جيش الفرنجة كان قد انسحب منها قبل وصوله (بيبرس) اليها، والتجأ إلى عكا منضماً الى قوات الفرنجة فيها تحت قيادة ملك عكا، ومع ذلك نفذ استراتيجيته بحق المكون المسيحي الوطني.
ولم يكن حال أورشليم وكرسيِّها الرسولي بأفضل من أنطاكية والقسطنطينية والإسكندرية على يد الغزاة الفرنجة الى أن دخل صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس (اورشليم) منتصراً والى يمينه مساعده المسيحي الأرثوذكسي عيسى العوام. وهكذا انقضى الوجود اللاتيني الروحي من المنطقة، الى أن أعاد الرهبان اللاتينيون تأسيس بطريركية في الشرق في اورشليم عام 1845 مسيحية شملوا بها كل اللاتينيين في بلاد الشام وجعلوا نيابتها الرسولية في حلب بدعم وحماية من القناصل، واستولوا بموجب الاتفاقيات مع الدولة العثمانية بتسهيل التجارة والتبشير وفتح ممثليات رهبانية بابوية لها مدارس وملاجئ ومستشفيات…، بمعونة السفراء الفرنسيين والنمساويين والممالك الكاثوليكية في الاستانة عند بلاط الخلفاء العثمانيين والولاة العثمانيين في الولايات استولوا على كنيسة المهد في بيت لحم، وجزء من كنيسة القيامة وكنائس أخرى. كما استولوا على بيت حنانيا الرسول بدمشق وجعلوه كنيسة وقاعدة لهم السنة 1847…
لقد ترك الفرنجة بعد طردهم، علاقات تجارية واقتصادية واسعة جداً بين الشرق والغرب فضلاً عن الرهبنات الكاثوليكية العديدة التي ثبتّت كيان الموارنة تحت سلطة بابا رومية بعد تعديل صورة ايمانهم للكثلكة في سنة 1182 مسيحية على يد البطريرك اللاتيني اينري سنة 1183 مسيحية، وبقية الطوائف المنشقة عن .
كما اسلفنا، كان الفرنجة عنصر بابوي منظم في منطقة البطريركية

الأنطاكية. ثم جاء بعد ذلك عصر المماليك والأتراك السلاجقة، وقد اشتهروا باضطهاد المسيحيين، والتعدي على الشعب والشراسة والظلم والانتقام.فكان عهد مؤلم لم يطرأ عليه اي تغيير هام لصالح الكنيسة سوى جهادها المستمر للدفاع عن كيانها، ولاستعادة قواها، وترميم بعض ماتبقى لها من ممتلكات وأوقاف.
– كان البطاركة الأنطاكيون يقيمون في مدينة أنطاكية الى حين دمارها على بيبرس 1268 . فكان من جراء ذلك تنقل خمسة بطاركة في أرجاء آسية الصغرى والقسطنطينية وقبرص. وبعد وفاة البطريرك الانطاكي مرقس الأول، تقرر نقل مقر الكرسي الأنطاكي الى مدينة دمشق المدينة الأهم في بلاد الشام، والمدينة الأهم روحياً بعد أنطاكية، إذ كان أسقفها يلي البطريرك في أنطاكية من حيث الأهمية، لذا تقرر أن ينادى بأسقف دمشق يواكيم، وهو الأسقف ال58 بعد الرسول حنانيا (أول اسقف على دمشق) بطريركاً انطاكياً. وبعد وقت وجيز توفي يواكيم، ونصب خلفه اغناطيوس الثاني سنة 1344م فكان أول بطريرك أقام في دمشق في دار البطريركية الحالية في دمشق القديمة. ومن ذاك التاريخ اتحدت سلسلة اساقفة دمشق بسلسلة بطاركة أنطاكية (الى ماشاء الله) وأصبح البطريرك هو أسقف دمشق.
في نكبة أنطاكية يقول المؤرخ الخوري ميخائيل بريك الدمشقي في مقدمة كتابه :” الحقائق الوفية في تاريخ بطاركة الكنيسة الأنطاكية مبتدأ بالبسملة:
” بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين، تعريف معرفة انتقال الكرسي البطريركي من انطاكية(1) الى دمشق الشام على مايلوح لي انه لهذا السبب، وماظهر لي فعله ان الملك الظاهر بيبرس البندقداري(2) سلطان مصر المشهور لما أن قصد يفتح أنطاكية وذلك سنة 666(3) كما هو في التواريخ مسطور أنه على حين غفلة من اهلها لأنه جاء بصنعةاليها ونزل عليها بغرة شهر رمضان فخرج اليه جماعة من اهلها يطلبون الأمان واشترطوا شروطاًيجيب عليها وزحف عليها فملكها يو السبت سابع رمضان.
وكان لما نزل عليها توهم هو والامراء والجند انها لن تؤخذ الا بعد سنة كاملة، وا والبؤس ن حصارها يطول عليهم فأقام الجيش عليها عدد 3 ايام وارادوا ان ينصبوا المجانيق للحصار. ونصب العسكر السلالم الخشب على الاسوار وصعدوا فلم يجدوا احداً يقاتلهم، فملكوا البلد ليلاً من غير علم اهلها ونهبوا الأموال والخيول والانعام وجميع مافيها، وقتلوا من اهلها أويد من اربعين الف وأحرقوا كنايسها. وسبوا واسروا اهلها واخذوهم لديار مصر… وقال في تاريخ آخر على ماحصل الى أنطاكية ولأهلها من الضر ( الضرر) والبؤس لاتوصفه الألسن ولا تحصيه الطروس (4) وتشتت اهلها في مصر وباقي البلاد وخربت الكنايسوتشتت المسيحيون وتزرعت بين العباد. فمن هذه العلة ايقنت انه لم يبقى للمسيحيين قوة ان يعيدوا الكرسي البطريركيةاليها كما الرسم المعتاد واتضح لي أن سبب ذلك الانتقال كان من هذا البلبال؟”

دير رؤية القديس بولس في كوكب
– بعد سقوط القسطنطينية بيد السلطان العثماني محمد الثاني سنة 1453 مسيحية حدّثَ رعبٌ شديد بين مسيحي الكرسي الأنطاكي (وكانوا نحو 90 %أرثوذكسيين ونحو10%من أصحاب الطبيعة الواحدة) وعلى الخصوص في الأماكن البعيدة او المنعزلة عن المدن، ودامت هذه الحال إلى أن فُتحتْ بلادُ الشام السنة 1517 مسيحية. ولحقتها مصر بقيادة السلطان سليم الأول، ولم يتورع الأتراك عن ارتكاب الأعمال البربرية والوحشية أثناء مراحلِ الاجتياحِ لكل المنطقة.
نشوء الكثلكة
في هذا العصربدأت تظهر طلائع البعثات الدينية البابوية بحملة تبشيرية، قام بها اليسوعيون الذين كانوا قد فرغوا لتوِّهم من وقف المد البروتستانتي في أوربة، وكثلكة أرثوذكس البانيا والساحل الشرقي لإيطالية .وكان ستار هذا المد التبشيري القول “بتعليم المسيحيين وإنقاذهم من براثن الجهل”. وكان اليسوعيون رجال علمٍ ومزودون بالمال الوفير، وقد جعلوا من عاصمة “ملة روم” أي “القسطنطينية” مركزاً لهم بحماية دوائر السلطنة وفق الإتفاقيات مع دوُّلِهم الأوربية وأولها فرنسا ومنطلقاً لتبشيرهم في كل دائرة الدولة العثمانية، وبالتحديد في بلاد الشام. وبسبب تكاثرِ عددِ المتعلمين على نفقة الفاتيكان بين “المسيحيين المتكثلكين”، وغيرهم،الذين أمسّوا أرثوذكساً بالإسم، وقد تلقوا العلم في ” مدرسة انتشار الايمان في رومة” وباللغة اليونانية والصلوات فيها أرثوذكسية وباللغة اليونانية.
وبسبب ذلك ازدادت الغّيرة عند الأرثوذكسيين لاقتباس العلوم، فلم يتمكن الرؤساء الروحيون من إجابة رغبة الشعب بفتحِ مدارس جديدة منظمة، وخاصة بالمجان، نظراً لحالةِ الفقرِ العامّْة عند الرعية والراعي، وعدم سماح السلطات العثمانية لهم بفتح هذه المدارس بموجب العادة في عهود الخلافة الاسلامية منذ البدء حيث لم يكن للمسيحيين لابناء كنائس جديدة ، وكذلك فتح مدارس، وكان التدريس يتم في كتاتيب ملحقة بالكنيسة، وبالحد الأدنى ولم يكن يسمح للمسيحيين العلمانيين فتح حتى مجرد كتاتيب خارج اسوار الكنائس، وان تم ذلك كان يحصل بالسر بعيداً عن أعينِ السلطات.
فأخذ البطاركة الأنطاكيون والمطارنة يجاهِّدون ويسافرون للخارج إلى اوربة الشرقية مستجدِين أكُّف الشعب الأرثوذكسي والرئاسات الروحية والرسمية، وخيريتهم لجمع الاعانات من أجل ترميم الكنائس الخربة في الكرسسي الأنطاكي المعذَّب، ومحاولة فتح المدارس. كما أخذت البطريركية تجتهد في تنظيم أمورها الداخلية لتواجه التحديات، وهاهو البطريرك العظيم مكاريوس بن الزعيم يسافر في السنة 1648 مسيحية الى رومانية وروسية والبلقان لجمعِ الإعانات، وقد دامت رحلته (ثمان سنوات) أصاب فيها من النجاح الشيء الكثير، وأقطع له الأمراء الحسنيو العبادة الأرثوذكسيون أوقافاً وأدياراً لصالح الكرسي الأنطاكي. ثم عاد مجدداً برحلة ثانية الى روسيا السنة1861 مسيحية استمرت لمدة خمس سنوات، وقد دوَّن ولده الأرشيدياكون بولس ابن الزعيم أحداث هاتين السفرتين، ولكنه توفي في طريق العودة قي بلاد الكرج (جورجيا) ودفن في تبليسي فأكمل والده وهو مكسور الخاطر بفقد ابنه، وتابع هو بيده تدوين احداث هذه الرحلة البطريركية الثانية.

– في فترة تغيبه، اغتنمت الإرساليات التبشيرية الفرصة لجهة فقر الشعب، من جهة، ومن جهة أخرى رغبته في اقتباس العلوم العصرية.
فأخذ الرهبان الغربيون يدخلون بيوت المسيحيين الأرثوذكسيين في حلب ودمشق ك “رجال علم وخير رائدهم في ذلك مساعدة اخوتهم في المسيح ” فاستغلوا ذلك واستثمروا سذاجة الشعب الأرثوذكسي المؤمن بأننا “جميعاً واحد”، وبشروّه بما يخالف عقيدته محرضِّين اياه على إعلان الاتحاد بكنيسةٍ رومية حينما يأتي الموعد للإنقلاب، وتدخلوا في أعمال البطريركية وفي انتخابات السدة البطريركية وفي رهبنة دير البلمند، ودفعوا بفريق من هؤلاء الرهبان وكانوا من حلب الى تأسيس الرهبنة الحلبية وكانوا قد أخذوا بعض الأولاد النجباء الراغبين بتلقي العلم الى رومة، لتهيئة الظروف المؤاتية للاتحاد مع الكرسي البابوي. وما أن جاءت نهاية القرن 17 ،الا وكان قد ظهر عدد كبير من الكهنة والعائلات أرثوذكساً بالاسم وكاثوليكاً بالفعل. وكان أول أسقف في قوام المجمع الأنطاكي المقدس نادى بالكثلكة هو أفتيموس الصيفي ربيب اليسوعيين ومدرسة روما، الذي صارمطراناً على أبرشية صور وصيدا بفضلهم وصيره البابا اول اسقف على الروم المتحدين برومة 1710، وبعد وفاة البطريرك اثناسيوس ابن الدباس الدمشقي سنة 1724 وهو آخر بطريرك وطني، رأى مطارنة الكرسي الانطاكي المقدس والشعب المحافظون على التعاليم الأرثوذكسية، أن أفضل وسيلة لمقاومة تيار الاستلاب نحو البابوية هي انتقاء بطريرك يوناني الأصل واللغة من اكليروس الكرسي القسطنطيني، على اعتبارأن الفرمانات الممنوحة لبطريرك القسطنطينية، أعطته الرئاسة على مسيحيي السلطنة العثمانية (بطريرك ملة باشي) اي رئيس الملة المسيحية، وأعطته حقوقاً وامتيازات عديدة تفوق تلك المعطاة لسواه من رؤساء باقي الكراسي الأرثوذكسية. فطلبوا منه ارسال بطريرك للكرسي الأنطاكي على عجل لوقف التدهور الحاصل وبشكل مخالف للقوانين للإنتخاب البطريركي التي اجراها الفريق المسيَّر بإرادة الرهبان الباباوين المتغلغلين في أوساط الشعب الارثوذكسي الدمشقي، تم انتخاب ورسامة ابن شقيقة افتيموس الصيفي الكاثوليكي المتوفي قبل عام من الانقلاب، وهو الخوري سيرافيم طاناس المتشبع بفكر خاله والرهبان الذين هيأوه كاثوليكياً ليكون بطريركاً وبعدما تسيَّد السيد طاناس عنوة البطريركية الأرثوذكسية والحقوها ببابا رومية، لاسيما وأن السيد طاناس ارسل الى البابا صك الخضوع له وللكثلكة البابوية. فقام البطريرك المسكوني برسامة السيد سلبسترس القبرصي راهب جبل آثوس بطريركاً وفق اختيار المطارنة الأنطاكيين واراخنة الشعب الدمشقي وهو إبن شقيقة البطريرك أثناسيوس الرابع الدباس وكان شماسه وهو اي ابن الدباس انتدبه امام الدمشقيين ليكون خليفته بعد وفاته نظرا لخصاله وفضائله وغيرته الأرثوذكسية، وكان سلفسترس قد التحق برهبنة جبل آثوس.،.
وهكذا تم خروج ماسموا “بالروم الملكيين الكاثوليك” من امهم الكنيسة الارثوذكسية بانقلاب غير شرعي، ومخالف للقانون دبّرته روما البابوية حضّرَت له طويلاً رهبانياتها طويلاً، واستولى منتخبهم كيرلس طاناس على الكرسي الانطاكي كما بينّا، ومع مجيء البطريرك سلبسترس الشرعي هرب طاناس ومعه كل شيء من حلل كهنوتية وآنية مقدسة جلبها معهم بطاركة انطاكية من روسيا واوربة الشرقية ورومانية الى دير المخلص مقر بطريركيته، واعلنوا انفصالهم عن امهم الكنيسة الرسولية الانطاكية الارثوذكسية حبا بالمنصب والرئاسةوانشأ طاناس ترتيبات اقامة طائفة مستقلة، ولها ابرشيات ورهبنات، وكان ذلك 1724. وقد احتفظوا بكل شيء أرثوذكسي من طقوس واللغة اليونانية، وترتيب الاكليروس وقيافتهم… وهذا ماسهّل كثيراً الاقتناصات اللاحقة، حيث ليس من خلاف سوى التبعية للفاتيكان وفي ذلك “الحماية والازدهار”.
هذه العوامل حدت بالكنيسة الانطاكية أن يكون على رأسها طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بطاركة يونانيون، جاؤا اليها اولاً من الكرسي القسطنطيني،عددهم ستة بطاركة، ثم ثلاثة من الكرسي الاورشليمي/ أعضاء رهبنة القبر المقدس اليونانية/.
دورالبطاركة اليونان على الكرسي الأنطاكي

جاء البطريرك سلبسترس على جناح السرعة عن طريق حلب، فاستقبلته رعيتها بترحاب وحفاوة، وكان وقتها الصوم الكبير، وأولمت له وليمة، وبتدبير مقصود وبنية سيئة من الرهبان الغربيين (بكل أسف) وقد طلبوا من الرعية وضع السمك على المائدة، وفي ذلك مخالفة للصوم الأرثوذكسي، فغضب البطريرك وقَلَبَ المائدة. وكانت هي الشرارة التي اشعلت الهشيم، فانقلب معظم أرثوذكس حلب كاثوليكاً
وأعلنوا العصيان. لذا نجد أنه ومنذ تاريخه أن رعية حلب صارت كاثوليكية بامتياز، وأثرت الكنيسة الناشئة بالاكليروس والرهبنات (وحتى ان اهم البطاركة كان السيد مكسيموس مظلوم حلبي وهو الذي بدأبه اعترفت الدولة العثمانية بكنيسته طائفة مستقلة عن امها الكنيسة الانطاكية الارثوذكسية بعد مائة سنة من الإنشقاق الفعلي وكان ذلك عام 1834مسيحية)، ويقيناً أن هذا الانشقاق ماكان ليتم لولا هذا التدبير المريب المرتب له بدقة وحذاقة وقد أثمر النتيجة المستهدفة، وانحاز معظم الحلبيين الأرثوذكس للكثلكة وصارت حلب قوة كبيرة كزحلة وصيدا….

وحالما وصل سيلبسترس الى مشارف دمشق، غادرها طاناس وأتباعه من الكهنة مع الرهبنات بالسرعة ومعه كل موجودات الكاتدرائية المريمية من حلل حبرية، وأواني مقدسة وايقونات اثرية أحضرها البطريرك ابن الزعيم، والبطريرك الدباس من العالم الأرثوذكسي. وكل موجودات الدار البطريركية الى دير المخلص في منطقة صيدا. فتحول من دير ارثوذكسي أبرشي الى مقر بطريركي كاثوليكي. كما استولى على كل كنائس الأبرشة فتحولت كاثوليكية، و استولى الكاثوليك بعد ذلك على العديد من الكنائس في أبرشية سلفكياس (زحلة والبقاع وصيدنايا ومعلولا ويبرود وقارة ومعرة صيدنايا مع العديد من أديارها…)
وهكذا تم انفصال فريق عزيز وغصن وارف من الشجرة الأرثوذكسية الأنطاكية، والتحق بالرئاسة البابوية التي لم تنجح في الحاق الكرسي الأنطاكي بها. وكذلك الحال بالنسبة لكرسيي الاسكندرية وأورشليم ،فأطلق عليهم تسمية الروم الكاثوليك، وتم الأمر عينه مع اتباع الكنائس الشرقية (السريان في بلاد الشام والأقباط في مصر والآشوريين في بلاد الرافدين، والارمن) فنشأت كنائس غربية من وسطها الشرقي الأرثوذكسي، وأقامت لها رومة رئاسات، ودعمتها بالمال وبكل اشكل الدعم اللازم للبقاء والاستمرار، وقد نشأت جميعها تقريباً في بدايات القرن 18.
في عام 1724 ومن مقره البطريركي في دير المخلص، أنشأ البطريرك الكاثوليكي كيرلس طاناس أبرشيات مقابلة للأبرشيات الأرثوذكسية، ودعمها بانشاء رهبنات حديثة بإشراف الرهبنات البابوية التي مدَّتها بكل مقومات النجاح، وانتشرتْ في كلِ الأبرشيات الأرثوذكسية، وفَتحت مدارس حديثة، واستفادت من دعم سفيري فرنسا والنمسا صاحبي الحظوة في البلاط العثماني، وجهدت في جذب الأرثوذكس ان كان بالمساعدات أو باستغلال الخلافات وخاصة في القرى على ترشيح كاهن أو مختار أوحتى مجرد خلافات عائلية علىميراث او زعامة العائلة، او ضد وجيه ارثوذكسي. فانقلبوا الى الكثلكة، وخاصة في حوران الفقيرة ومناطق أخرى…وحافظ المنشقون على طقوس كنيستهم الأم، بما في ذلك الابقاء على كلمة الأرثوذكسية في كتب الليتورجيا، وارتداء اللباس الكهنوتي الأرثوذكسي والتمسك أكثر باللغة اليونانية طقسياً، وخاصة في الوقت الحالي.

عرفت طائفة الروم الكاثوليك عصراً ذهبياً في فترة ” الحملة المصرية على بلاد الشام” لطرد العثمانيين وتأسيس مملكة عربية برئاسة والي مصر محمد علي باشا، وحصل الروم الكاثوليك على اعتراف من إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا قائد الحملة المصرية على بلاد الشام(1831 -1840) ببطريركية مستقلة. بدعم من كبير مستشاريه حنا البحري الكاثوليكي، وبمساعدة من الأمير بشير الشهابي الماروني الذي قاتل الدولة العثمانية الى جانب الحملة المصرية.
ثم اعترفت السلطنة العثمانية بهم بمساعي سفيري النمسا وفرنسا، استناداً على اعتراف محمد علي باشا الحاكم الفعلي وقتها، وانتقاماً من اليونان الأرثوذكسية، ومنهم البطاركة اليونانيون على السدة الأنطاكية. وبعد جولات مكوكية مكثفة قام بها البطريرك الكاثوليكي الشهير مكسيموس مظلوم الى العواصم الأوربية، صاحبة القرار في “الرجل المريض” (الدولة العثمانية) وإلى حاضرة الفاتيكان، وبتدخل مباشر من قيادات الرهبنات اللاتينية المقيمة في استانبول صاحبة النفوذ المتميز لدى الباب العالي، فاعترفت الدولة ببطريركية للروم الكاثوليك تحت اسم “بطريركية أنطاكية والاسكندرية واورشليم وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك” عام 1834 . وبادر البطريرك مظلوم على الفور لنقل المقر البطريركي من دير المخلص الى دمشق اثباتاً للوجود في دمشق عاصمة الكرسي الأنطاكي ولأهمية دمشق روحياً وادارياً وسياسياً. و”للتعويض عن كنيستهم المريمية المسلوبة منهم وفق الادعاء المكتوب في سجل كاتدرائية سيدة النياح للروم الكاثوليك بدمشق للسيد وسم كبكب”!!!!!
فاشترى مظلوم وأعيان طائفته الدمشقية من وكيل طائفة اليهود القرائين المندثرة كنيسها الكبير الواقع في “حارة الزيتون” (وكان الوكيل مقيماً في اسطنبول)، وحارة الزيتون هذه كانت اصلاً بستان زيتون فيها الكنيس اليهودي المحكي عنه، وحوَّل الكنيس الى كاتدرائية باسم سيدة النياح (مقابلاً للكاتدرائية المريمية الأرثوذكسية، وهي على اسم سيدة النياح أيضاً) لذلك نراها بحلة أثرية وبالحجر والأعمدة السوداء بسبب ان هذا الكنيس يعود الى اربعة آلاف سنة، وبنى الى جانبها ايضاً الدار البطريركية الكاثوليكية، وفي عام 1862 بنى البطريرك غريغوريوس يوسف المدرسة البطريركية في حرمها لتأهيل الكهنة.
التطورات التي مرت على الكرسي الأنطاكي في العصر الحديث

مّر على السدة الانطاكية منذ انشقاق الروم الكاثوليك السنة 1724 وحتى السنة 1898 ستة بطاركة يونان من الكرسي المسكوني (القسطنطيني) وثلاثة من الكرسي الأورشليمي. وجدير ذكره ان القرن 18 بكامله مع الثلث الأول من القرن 19 كان مثقلاً بالأحداث التالية
– ارهاق المسيحيين بالضرائب الباهظة، والقوانين الظالمة إجمالاً، والأرثوذكسيين تحديداً بسبب ثورات اليونانيين التحررية سنة 1770، و(1821 – 1830 ) بما في ذلك تسهيل نشاط البعثات التبشيرية البابوية في البلاد.

– بعض الحوادث الداخلية في الكرسي الأنطاكي والتنازع بين بعض الرؤساء على السدة البطريركية، ومناورات الرهبنات الأجنبية لاستثمار ولتوسيع كل خلاف في اكليروس والشعب في الكرسي الأنطاكي، بواسطة تلاميذها ومنهم رهبنات الروم الكاثوليك المزدهرة التي نجحت في الحصول على نتائج عظيمة الأهمية على حساب أنطاكية المعذّبة، ونجحت باستمالة العديد إلى الكثلكة للاسباب السالف ذكرها.

* المشاكل العاصفة مع الروم الكاثوليك المنشقين. بسبب دعمهم اللامحدود من قناصل الدول الاوربية الكاثوليكية كفرنسا والنمسا في دائرة سورية الطبيعية وسفراء هذه الدول المعتمدين في الاستانة، وبوقتها تم استلابْ العديد من الكنائس الارثوذكسية والأديرة من قبل الفريق الكاثوليكي بدعم من ذكرنا، لاسيما وانه كان قد تم إبرام اتفاقيات إعتبارا من القرن 16 بين فرنسا والدلة العثمانية تقضي بحماية الطوائف الناشئة والسماح بحرية التبشير الكاثوليكي، وفتح المدارس من قبل الرهبنات (كما أسلفنا أعلاه). وهذا كله كان محظورا على الارثوذكس رسمياً بفرمانات القيام به، عدا عن تقديم المساعدات المالية والمعنوية بسخاء للمنتمين الجدد. ولم يقتصّر ذلك على أرثوذكس الكرسي الأنطاكي بل ايضا الكرسي الأورشليمي، وأبناء الكنائس الشرقية كالسريان والأرمن والآشوريين وإنشاء كنائس كاثوليكية في كل طائفة، وكانت الاخيرة هي المسماة الروم الكاثوليك*.
إن قسوة السلطنة العثمانية على الأرثوذكسييين في بلادها لم يُعرَف الدافع اليها في ذلك الحين، إلا ما اكتُشِفَ وانتَشر مؤخراً من رسائل نابليون الى سلاطين بني عثمان، وفيها حيث يقول:”…فتشوا عن عدوكم الحقيقي داخل بلادكم لا في خارجها وهذا العدو هو الشعب الأرثوذكسي الذي تحميه روسيا داخل بلادكم كما تحمي سائر الأمم الأرثوذكسية الأخرى وفي مقدمتها اليونان …الخ…الخ…”
* فتنة 1860م الطائفية التي بدأت في جبل لبنان 1849م بين الدروز

والموارنة، وامتدت السنة 1860م الى زحلة فدمشق ومحيطها، وجبل الدروز وجبل الشيخ وقضى فيها عشرات الألوف من المسيحيين ودمرت قراهم وأحياؤهم، وفتحَتْ باب الهجرة لمن تبقى منهم حياً هرباً إلى بيروت أولاً ومنها إلى مصر والسودان والأميركيتين…وكانت فتنة مماثلة قد ضربت حلب عام 1850م .
كان آخر البطا ركة اليونان على انطاكية البطريرك اسبريدون الذي استقال وعادَ إلى بلاده سنة 1898.بضغط شعبي دمشقي عارم، فانتُخب مكانُه البطريرك ملاتيوس الدوماني الدمشقي من قبل المجمع الأنطاكي المقدس وعارضهم في ذلك 4 مطارنة يونان (حلب وكيليكيا وارضروم وديار بكر)، ولم تعترف الدولة عليه وتصدر فرماناً بتثبيته الا في عام 1899م اي بعد سنة من المراجعات المستمرة من وكيل البطريرك في اسطنبول السيد كمال بك قزح الدمشقي، وقامت البطريركيات (القسطنطينية، والاسكندرية وأورشليم ) بقطع الشركة مع البطريركية الأنطاكية، ولم تعترفْ بالبطريرك ملاتيوس لكونه وطني. وكان هو أول بطريرك وطني منذ وفاة البطريرك الدباس 1724 م ونشوء الكثلكة. هذا الحدث التاريخي عبَّر عنه ابو خلدون ساطع الحصري بأنه “أول خطوات ظهور القومية العربية في سورية”.

ولايسعنا هنا وبكلمة حق بحق معظم البطاركة اليونان، إلا أن نُسدي لهم صادق الشكر، اذا كنا منصفين لهم، ان العرفان لهم يحتم علينا بالإقرار بالخدمات الجلى التي أسداها هؤلاء الأحبار إلى الكرسي الأنطاكي، رغم بعض النقائص والهّفوات التي ارتكبها البعض منهم بقصد او دون قصد، وبعضهم لم يتصرف بنزاهة مع مال انطاكية، كمتوديوس، وخليفته ايروثيوس ووقفيتهما لعائلتيهما في اليونان…
ولكن كانت غيرتهم الارثوذكسية مشهودة ، فأخذوا يجاهدون بضراوة لحفظ كيانِ الأرثوذكسية في مشرقِنا، وإبعاد خطر الإستلاب الغربي عن الرعايا الأنطاكية بأعمالهم وكتاباتهم وترجماتهم، وكانوا يشرطنون الاساقفة ورؤساء الاديرة من اليونانيين الغيورين مع عدد صغير من الوطنيين من ذوي الأهلية، مجتهدين بإيجاد الأموال اللازمة لإنشاء المدارس رغم العقبات العديدة التي كانت تعترض سبيلهم، فقد استطاع البطريرك سلبسترس أن يحضر إلى هذه البلاد العالم الذائع الصيت ياكوفوس باطموس مع عدد من الأخصائيين اليونان في فتح وادارة المعاهد العلمية ولترجمة المؤلفات النفيسة، والمواعظ، وكتب الليتورجيا والتعليم المسيحي، وهذا ما وقف بوجه المنشورات والمطبوعات اللاتينية التي كانت تهطل على أبناء الكنيسة الأرثوذكسية، وعلى دحضّها دحضّاً ذريعاً، وقد كان البطاركة الأنطاكيون يسافرون بأنفسهم أو يوفدون ممثلين عنهم إلى العاصمة اسطنبول لكي يلاحقوا بإسمهم الدعاوي الكاذبة التي كان يلفقها أخصامهم الجدد ضد أبناء الكنيسة في انحاء البلاد زوراً وبهتاناً، وقد تمكنوا من منع المتكثلكين من لبس القلنسوة الارثوذكسية، وإلزامهم بلبس قلنسوة مختلفة بلون مور مسدسة الأركان، وفرضوا عليهم قص شعور رؤوسهم، واسترجعوا كنيسة القديس يوحنا الدمشقي من سالبها ايوانيكيوس مساميري الذي ادعى حين ارتداده من الارثوذكسية انه بناها من ماله الخاص!!! بينما بناها من أموال التعويضات المعطاة من السلطنة العثمانية عن دماء ومنهوبات والبيوت والخانات المدمرة في دمشق بفتنة 1860 ونقول هذا استناداً على السجلات البطريركية المدونة بعد انتهاء المأساة.
كان البطاركة اليونان يتمتعون بحظوة كبرى واحترام فائق لدى حكومة السلطات العثمانية بموجب براءة محمد الفاتح للبطريرك القسطنطيني جناديوس وخلفائه عند سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين. كما كان هؤلاء البطاركة بارعين في تمثيل الأرثوذكسية بمهابة وكرامة.
وجملة القول بأن البطاركة المسكونيون ، ومن ثم البطاركة الأنطاكيون، قاموا بجهاد بطولي مستمر، كون هذا العراك لاحقاً كان في ظروف سياسية غير مؤاتية للعنصر اليوناني، اي في عصر اضطهادات عثمانية بحقهم وثورات دامية وأدت الى إعدام البطريرك المسكوني شنقاً في عيد الفصح في فسحة دار البطريركية المسكونية، عقاباً له على قيام الثورة اليونانية، وعليه يمكننا الاستنتاج بأنه لو لم تكن هناك اسباب قاهرة ومحن قاتلة نزلت في الأرثوذكسية لكانت اوقفت هذا الهجوم عليها في الحال…
باشر مثلث الرحمات البطريرك ملاتيوس الثاني الدوماني الدمشقي، بالاصلاح الداخلي فأعاد فتح مدرسة البلمند الاكليريكية البطريركية واولى امورها الادارية والتدريسية للعلامة غطاس بطرس قندلفت خريج جامعة أثينا، وبتدبير ومتابعة علامة الكرسي مطران طرابلس غريغوريوس حداد منذ 1900، وبظرف سنوات قلائل تمكن من إرسال بعثة من الطلبة الإكليريكيين ليتمّوا دراستَّهم اللاهوتّية العليا في خالكي واثينا وروسيا، كما ان روسيا القيصرية قد خصصت مبلغ 4000 ليرة ذهبية إعانة سنوية ليد البطريركية الأنطاكية، كانت توزعها على الابرشيات المحتاجة، (كما توثق ذلك الوثائق البطريركية) وهي مقابل ايراد ممتلكات البطريركية الأنطاكية المرقومة في بساربيا ( صربيا) وقد أبطلت هذه الاعانة 1915، ولم يستطيع البطريرك الكسندروس طحان المعروف بحكمته وقيادته الأرثوذكسية اعادتها، بينما استطاع استرجاع الأمطوش الانطاكي في موسكو…
استمر قطع الشركة من قبل البطريركيات الارثوذكسية اليونانية (القسطنطينية، الاسكندرية واورشليم) مع بطريركية أنطاكية منذ عام 1899 حتى عام 1910م حيت اعترفت هذه البطريركيات الثلاث بالبطريرك غريغوريوس حداد بعدأربع سنوات من رسائله السلامية لهم اي من 1906، حيث ردّوا عليه عام 1910 كالعادة. ولابد من ذكر شخصية عظيمة ظهرت في دمشق لعبت دوراً محورياً في الإعداد للتعريب وهي الخوري يوسف مهنا الحداد/ الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي المعلم في مدرسة (كتّاب) بيته، والذي أعاد افتتاح مدرسة البطريركية (الآسية) ونظمها وفق الأسس الحديثة، وافتتح فيها فرعاً لاهوتياً اكاديمياً عام 1851 مع مدرسة عليا للموسقى الرومية يعني اقام كليتين جامعيتين في الآسية الدمشقية، انتمى اليهما رجال الأكليروس النوابغ تلاميذه الذين قاموا بعد ذلك بتغيير في السدة البطريركية الأنطاكية، وفي مقدمهم البطريرك الدوماني وبالتأكيد كان هذا خطاً جامعياً غير مسبوق في بلاد الشام، كان أسبق بحوالي عشرين سنة من الجامعتين اليسوعية والأميركية، ولولا استشهاده وفريق المدرسة ودمارها
عام 1860 لكان قد حقق طموحه، بتصيِّير الآسية اضافة الى كونها المدرسة الأولى والأقدم في بلاد الشام ( تأسست عام 1635م)، اول جامعة لاهوتية وعلمية، بعدما اعدَّ العدة لذلك مع تلميذه الغيور رجل الأعمال الثري والمحسن والارثوذكسي الغيور تلميذه في كتّاب بيته ثم في الآسية السيد ديمتري شحادة الدمشقي في اسطنبول .

أما في عامي 1836م و1840م وبعد ان انتخبه الشعب الأرثوذكسي الدمشقي بالاجماع كاهناً. انصرف الخوري يوسف الى الرعاية والاجتهاد للحفاظ على القطيع الأرثوذكسي وأبنائه في دمشق، وفي حاصبيا، وبلودان، وقد استطاع الحد من انتشار الكثلكة في دمشق وغيرها، ورد فريقاً كبيراً منهم للأرثوذكسية، كما أوقف نشاط المرسلين البروتستانت الانكليز وأعاد بعضاً من المعتنقين الجدد الى حظيرة الايمان.
وبالنسبة لمدارس الآسية (المدرسة الوطنية الأرثوذكسية البطريركية الدمشقية) فقد دَّرستْ في عهده مواداً جامعية إضافة إلى الدراسة اللاهوتية العالية.

وكما قلنا فإن تلاميذ هذا القديس، كانوا من قاموا بحراك النهضة الأنطاكية ومنها تغيير السدة البطريركية الأنطاكية، احتجاجاً على أعمال السيد اسبيريدون آخر بطريرك يوناني، وكانوا قد تولوا الكراسي الأسقفية في الأبرشيات الأنطاكية، اضافة الى علمانييّن عظّام كان ابرزهم السيد ديمتري شحادة الصباغ الدمشقي (المحكي عنه) الذي تغرب في القسطنطينية من 1846م الى 1890م ولعب دوراً قيادياً في نهضة الكرسي الأنطاكي. (سنتحدث عنه لاحقاً باذن الله).
البطاركة الوطنيون

وبالطبع فقد باشر البطريرك ملاتيوس اصلاحاً داخلياً بدأه بفتح مدرسة اللاهوت الاكليريكية في البلمندعام 1900 ، وبظرف سنوات قلائل تمكن من ارسال بعثة من الطلبة الاكليريكيين ليتموا دراساتهم اللاهوتية العليا في مدارس خالكي واثينا وموسكو. ثم أخذ بانتخاب مطارنة وطنيين لملء الأبرشيات الشاغرة ومنها كيليكيا (مرسين وطرسوس وأطنة …) التي انتُخب لها المطران الكسندروس طحان الدمشقي، الا أن الرعية في تلك الابرشية و كانت في معظمها يونانية لم تعترف به مطراناً عليها لكونه عربي كما تحكي الوثائق البطريركية.
– توفي البطريرك ملاتيوس الأول عام 1906م ومع كون فترة بطريركيته قصيرة وانتهت بوفاته بالسكتة الدماغية نتيجة الأتعاب النفسية التي لاتُحتمل التي عاناها في فترته القصيرة، الا انه مع ذلك حقق قفزات تصحيحية في الكرسي الأنطاكي المقدس.
انتخب خلفاً له مطران طرابلس غريغوريوس حداد من عبيه بلبنان، فكان خير خلف لخير سلف كما كان معاوناً له حين مطرانيته على طرابلس، في الحفاظ على البيعة الأرثوذكسية والجهاد لأجلها واستمر حتى وفاته عام 1928م.
شهد عهدالبطريرك غريغوريوس الرابع متغيرات جذرية على الصعد الوطنية والأرثوذكسية والدولية، ففي عام 1910م أعيدت العلاقات مع الكنائس الأرثوذكسية. وفي عام 1913م زار روسيا تلبية لدعوة القيصر نقولا، ورئس احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي.
طرد الأتراك والحكم الوطني
وفي فترة 1914 -1918 كانت الحرب العالمية الأولى بكل قسوتها ومآسيها من مجاعة سفربرلك وأوبئة وجائحات جراد، وموت بعشرات الآلاف من الأرثوذكسيين ،وغيرهم من ابناء لبنان والشام…، وهجرة كثيفة منهم الى الأمريكيتين.
وتشهد سيرة هذا البطريرك العظيم لأفعال الرحمة التي قام بها، وقد استدان بكثافة لتأمين إطعام الجائعين من كل الأديان والطوائف والشرائح. وقد حاز إعجاب الخصوم كجمال السفاح ثم الجنرال غورو فيما بعد، وإعجاب المحبين أمثال الشريف حسين بن علي أمير مكة، وولده الأمير فيصل، وقد انتزع من الأخير اعترافاً خطياً يقضي بأن المسيحيين العرب مواطنون من الدرجة الأولى، لهم ما لأشقائهم في العروبة والوطن من الحقوق والواجبات. وقد ورد ذلك الاعتراف في جريدة العاصمة مع صك المبايعة لفيصل ملكاً على سورية عام 1920 .
كان البطريرك هو الوحيد الذي ودَّعَ الملك فيصل في محطة قطارات القدم جنوب دمشق بعد “معركة ميسلون” في 24 تموز 1920 ودخول الفرنسيين دمشق منتصرين، وقد بكى فيصل من هذا الوفاء، وقد انفضَّ عنه

الجميع،خاصة عندما قال له البطريرك “ان هذه اليد التي بايعتك ستبقى وفية على العهد الى الأبد”. فانحنى فيصل محاولا ًتقبيل يد البطريرك، تماماً كما فعل قيصر روسيا نقولا عام 1913 في موسكو. انه موقف رائع بدلالاته ان يقبل ملك سورية فيصل ابن حسين بن علي شريف مكة المكرمة وملك العرب وخليفة المسلمين يد البطريرك!!.
الكرسي الأنطاكي في الإنتداب الفرنسي
منذ دخول الفرنسيين الغزاة سورية، وقف البطريرك غريغوريوس موقف المتحفظ منهم. فبادلوه العداء، وكانوا بذرائع شتى يتمنعون عن تقديم المساعدة والتعويض عن القرى الأرثوذكسية المنكوبة بهجوم الثوار الجهلة بخلاف القرى الكاثوليكية،وغيرها. ومُنع على الأرثوذكس المناصب العامة والوظائف وخاصة في الإدارات التي يسيطر عليها الفرنسيون كالجمارك والخط الحديدي الحجازي ومصلحة الريجي (حصر التبغ والتنباك). وعند وفاته حاولوا شق الكنيسة الأرثوذكسية إلى قسمين سوري ولبناني والعزف على هذه النغمة بإنشاء بطريركيتين ارثوذكسيتين في كل من سورية ولبنان بغية ضرب هذه الكنيسة الوطنية المتجذرة في هذه الأرض، وخاصة عندما حصلت الأزمة الأنطاكية بانتخاب بطريركين انطاكيين، فقد انقسم المجمع الأنطاكي المقدس الى فريقين انتخب أحدهم
مطران اللاذقية ارسانيوس حداد البيروتي، والفريق الآخر انتخب مطران طرابلس الكسندروس طحان الدمشقي. وقد تنادت البطريركيات الأرثوذكسية لوقف الخلاف بعد فترة 3 سنوات من 1928 الى 1931 عانى فيها الكرسي الأنطاكي من تشرذم وضياع بفضل مؤامرات الفرنسيين. وقد أفتت لجنة ارثوذكسية عليا مثلت البطريركيات الارثوذكسية بصحة انتخاب الكستدروس بناء على قانون الانتخاب البطريركي الأنطاكي. وقررت ان يحتفظ ارسانيوس بلقب بطريرك وتكون اقامته بطريركاً في اللاذقية ، ويتولى احد البطريركين السدة الأنطاكية فور وفاة الآخر. وتوفي السيد ارسانيوس 1933 في مستشفى القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في بيروت بعد مرض لم يمهله طويلاً، وكان للزيارة الأخوية التي قام بها الكسندروس الى المستشفى لعيادته، وقبلته، والصلاة لشفائه، وقع الصاعقة على الفرنسيين فأوقفوا دسائسهم، اذ ايقنوا بأن الكسندروس لم يقل في قوة الشكيمة ومقاومته عن سلفه غريغوريوس، وحاولوا التقرب منه ولكنه وقف منهم موقف الرافض للانتداب، وقام (وعلى علم منهم) بمد ثوار الغوطة بمايلزمهم من سلاح وذخائر ومؤن…
وفي عام 1935 حصلت أزمة جديدة اذ أنشأ السيد ابيفانيوس زائد مطران عكار “الكنيسة السورية الأرثوذكسية المستقلة”، فلم تعترف بها لا السلطات الرسمية السورية، ولا سلطات الانتداب، ولا البطريركيات الأخرى، وقد دامت فترة طويلة وشكلت خطراً على وحدة الكرسي الأنطاكي المقدس اذ صار لها اتباع في كل الأبرشيات، وإن كانوا قلة، الى أن تم حلها بعودة السيد ابيفانيوس الى طاعة المجمع.

في عام 1939 بدأت الحرب العالمية الثانية التي استمرت الى عام 1945 بمآسيها وما عكسته على الوضع الداخلي فأثر سلباً وبشكل كبير على الكنيسة الأرثوذكسية، ولكن موقفها الوطني بقي رافضاً للإنتداب الفرنسي وكان موقفاً مشرّفاً، حاز تقدير وإعجاب سائر الفعاليات في البلاد، كما كان الموقف ذاته من قضية فلسطين بدأ مع البطريرك غريغوريوس برفض وعد بلفور، واشتد مع البطريرك الكسندروس حيث بادر لىتشجيع رعيته الانطاكية الارثوذكسية للانخراط في جيش الانقاذ 1948 للدفاع عنها ضد العصابات الصهيونية وإلى مدّ يد العون من أجل تسليح الجيش السوري، وتحفيز المغتربين للتبرع الذين تجاوبوا مع نداءاته، ولم يبخلوا بالعطاء، حيث تولى توزيع تبرعاتهم على الجيش الوطني، والمقاومة الفلسطينية والعربية في فلسطين، وكان لمطارنة الكرسي الأنطاكي في الأبرشيات الفضل في جمع هذه التبرعات لصالح القضية الفلسطينية، كما فعلوا قبلاً حينما ضرب الفرنسيون دمشق بالمدفعية عام1925 ودمروا حي سيدي عامود العريق وقد احترق برمته فوزع البطريرك غريغوريوس معونات المغتربين الأرثوذكسيين على إخوانهم المسلمين الدمشقيين المتضررين. وعام 1945 حينما ضرب الفرنسيون دمشق ودمروا عدداً من الأحياء وقصفوا البرلمان وأبادوا حاميته. فقد وزعت التبرعات الواردة من أنطاكية الأرثوذكسية المهاجرة على جميع أبناء الوطن بدون تمييز بالدين والمذهب، وكان النصيب الأعظم للمسلمين الدمشقيين.
واستمر الموقف الوطني المعروف للكنيسة الأرثوذكسية يزداد تألقاً في العدوان الثلاثي على مصر، وهاهو البطل السوري الأرثوذكسي ابن اللاذقية والطالب في الكلية البحرية في مصر جول جمال يقدم ذاته دفاعاً عن مصر ويُغرق بعملية استشهادية البارجة الفرنسية “جان دارك” في قناة السويس. وقد اشاد السيد شكري القوتلي رئيس الجمهورية بهذا البطل في تأبينه له بالقداس الالهي الذي أقامته البطريركية لراحة نفسه في الكاتدرائية المريمية بدمشق مهنئاً البطريرك الكسندروس والطائفة الأرثوذكسية بالشهيد وان هذاليس بغريب على وطنيتها وقوميتها، وحضر مع رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء القداس الاحتفالي في المريمية لراحة نفس الشهيد والقى المغفور له القوتلي كلمة عظيمة الأثر بالإشادة بوطنية الأرثوذكس التي أثمرت بإستشهاد ابنهم اللاذقي المسيحي الأرثوذكسي دفاعاً عن عروبة واستقلال مصر. ومنح الشهيد وسام الاستحقاق السوري. وفعل الأمر ذته رئيس مصر جمال عبد الناصر فقلد الشهيد وساماً رفيعاً وارسل للبطريرك الكسندروس وسام جمهورية مصر شكراً لتهنئة البطريرك الكسندروس له بإنتصار مصر ودحر العدوان الثلاثي.

استمر الكسندروس على السدة البطريركية حتى وفاته عام 1958. وخلفه البطريرك العلامة السيد ثيوذوسيوس أبو رجيلي وهو من بيروت، واستمر حتى عام 1969 حيث توفي مفلوجاً في مستشفى الروم ببيروت وفي عهده تم وضع مشروع اقامة موقع رؤية القديس بولس في كوكب، واعادة تجديد المدارس الأسية، وتحديث العديد من الأوقاف لتدر ريعية لأبشية دمشق، فخلفه مطران حلب الياس معوض. كان البطريرك الياس الرابع راهباً ووطنياً سياسياً محنكاً وحمل لقب بطريرك العرب من مؤتمر لاهور الاسلامي الأول 1974 وقد شارك فيه والقى كلمة المسيحيين العرب عن القدس. وكان اول بطريرك يزور السعودية بدعوة من ملكها تكريماً له، وأيد المقاومة الفلسطينية والعربية من أجل استرجاع فلسطين والقدس. واستمرعلى السدة البطريركية الى 1979 حين وفاته ودشّن معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند. حيث خلفه البطريرك اغناطيوس هزيم، ويضيق بنا المقام عن تعداد انجازات البطريرك اغناطيوس الرابع العمرانية والروحية اضافة الى الرؤية الوطنية حيث نال بدوره لقب بطريرك العرب من مؤتمر الطائف الاسلامي وأسهم في وقف الحرب الأهلية اللبنانية وفي مؤتمر الوفاق الوطني اللبناني في الطائف 1989 ولقب بطريرك الوفاق الوطني اللبناني. ان أعظم مايسجل للبطريرك اغناطيوس الرابع تحقيق حلمه بتحويل البلمند من مجرد دير رهباني اكليريكي الى جامعة كبرى تنافس اكبر الجامعات العالمية عراقة. اضافة الى ان عدد الكنائس في دمشق وحدها قد ارتفع في عهده من اربع الى12 كنيسة وازداد عدد الأديرة البطريركية في عهده في سورية من3 أديرة الى7 أديرة ….الخ وان عدد الأبرشيات الأنطاكية بلغ حالياً 20 أبرشية تنتشرفي اربع جهات الدنيا. وان عدد ابناء الكرسي فيها يقر ب40 مليون ارثوذكسي انطاكي الانتماء يتطلعون الى مدينة انطاكية العاصمة الأساس والى دمشق قبلتهم اينما كانوا وحيثما حلوا.

توفي البطريرك اغناطيوس الرابع في 5 كانون الاول 2012 عن شيخوخة صالحة بعمر 93 سنة، فاختار المجمع الأنطاكي المقدس مطران اوربة الغربية السيد يوحنا (يازجي) خلفاً له وتم تنصيبه في كنيسة الصليب المقدس في دمشق باسم البطريرك يوحنا العاشر وعهده شمل وضعاً صعباً جداً لسورية الدولة الأكبر في بلاد الشام من حيث الرقعة الجغرافية والأهمية الأرثوذكسية عددياً وايمانياً ودورها العظيم في نشر المسيحية وخاصة دمشق التاريخ والحاضرة منصرة بولس الرسول ومنطلقه الى المسكونة وعاصمة الكرسي الأنطاكي المقدس سورية التي فيها قرابة ثلاثة ملايين ارثوذكسي عدا المسيحيين الآخرين من كنائس شقيقة اخرى حوالي مليون مسيحي، واستباحتها بحرب ارهابية ظالمة عليها وعلى مسيحييها وتم ذبح وخطف كهنة وخطف مطران حلب بولس مع مطران السريان الأرثوذكس عن حلب اضافة الى تدمير الكنائس والأديرة وتهجير الرعايا وشهد الشعب السوري بكل مكوناته هجرة مخيفة حملت ملايين منه الى المنافي القريبة والبعيدة وكان عدد المسيحيين عموماً والارثوذكسيين خصوصاً مخيفاً فتناقص عددهم بشكل غير مسبوق بالرغم من محاولات غبطته لوقف الهجرة…وتم فتح ابرشيات جديدة في اوربة لمواكب المهاجرين وإيجاد كهنة لهم ومحاولة مساعدة الباقين الذين يعيشون ازمات خانقة اقتصادية ومعيشية اضافة الى فقدان الأمن والخطف والقصف العشوائي للمدن والقرى والأفراد… في كل ابرشيات الوطن في سورية والعراق اما لبنان فأوضاعه السياسية الداخلية اعاقت انتخاب رئيس للجمهورية وسط ازمات معيشية واجتماعية حادةيعيشها هذا البلد الصغير جغرافياً والكبير في اهميته بالنسبة للكرسي الأنطاكي المقدس…
بقي ان نختم بأن عدد البطاركة على الكرسي واولهم بطرس الرسول وآخرهم يوحنا العاشر(الحالي) بلغ 166 بطريركاً. وأن عدد اساقفة دمشق منذ حنانيا الرسول حتى انتقال الكرسي البطريركي الى دمشق مع البطريرك أغناطيوس الثاني عام 1344 بلغ 58 أسقفاً لتتوحد سلسلة اساقفة دمشق مع سلسلة بطاركة انطاكية وليبقى الكرسي الأنطاكي خالداًكما دمشق عاصته الأبدية خالدة.


الحواشي
1- أنطاكية ثالثة مدن الامبراطورية الرومية وقاعدة الأباطرة في الشرق، واكثر المراكز المسيحية والثقافية في العصر الرومي، دُعيتْ”ثيوبوليس”اي “مدينة الله” ، وقد عرفها العرب بهذا الاسم ثم غلب عليها اسم انطاكية.
2- السلطان الظاهر البندقداري (1260-1277م) وهو اعظم سلاطين المماليك واشدهم ، اما نعته بالبندقداري فنسبة الى مولاه البندقدار اي رامي النشاب. شارك في معركة عين جالوت سنة 1260 ضد المغول، وكان ضمن المجموعة التي اغتالت السلطان قطز، ثم مالبث أن خلفه في السلطنة. تستند شهرته الى الحملات ضد الفرنجة والتي كانت بداية لخروجهم النهائي من البلاد الشامية.
3- استسلمت انطاكية الى الظاهر في 21 آذار 1268 وكانت لها علاقات ودية مع التتر أعداء المماليك فانتقم بيبرس من اهلها وحاميتها وقتل منهم نحو 16 الف وسبى حوالي مئة الف بيع بعضهم في اسواق مصر وغنم اموالاً طائلة. اما المدينة وقلعتها وكنائسها فقد أحرقها كلها، وكانت كارثة لم تنهض بعدها انطاكية (ابو الفداء- المختصر برجاوي الحروب الصليبية/ بابا دوبولس، كنيسة انطاكية)
4- من طرس وجمعها طروس.
مراجع البحث
+- رستم كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى.
+- الأسقف استفانوس حداد، تاريخ كنيسة أنطاكية.
+- المطران الكسندروس جحا، تاريخ الكنيسة المسيحية.
+- خير الله ضاهر،الأرج الزاكي في تهاني غبطة البطريرك الأنطاكي.
+- الوثائق البطريركية( دمشق- بيروت- حلب- القسطنطينية …
+- زيتون جوزيف، الآسية مسيرة قرن ونصف .دمشق1991
+- زيتون جوزيف، مخطوطنا “سيرة القديس يوسف الدمشقي”، النشرة البطريركية ،مجلة العربية(ابرشية السويداء)، كتابنا: ا”لآسية مسيرة قرن ونصف1991
+- زيتون جوزيف، كتابنا “زيارة البطريرك اغناطيوس الرابع الى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكية دمشق 1994 .
+- فهارس الابرشيات والاديار الانطاكية للوثائق البطريركية المحفوظة في المكتبة البطريركية والتي كشفناها واصدرها مركز الدراسات والابحاث الانطاكية بجامعة البلمند في الفترة من 1988-2008.
+- الخوري المؤرخ ميخائيل بريك الدمشقي:” كتاب الحقائق الوفية في تاريخ بطاركة الكنيسة الانطاكية”
ملاحظة نرجو من يود الاقتباس ذكر المصدر موقع د. جوزيف زيتون ونعتذر ان تمت ملاحقته قانونيا …


