تابع الهرطقات والشيع الجزء الثاني
تابع الهرطقات والشيع الجزء الثاني
الغَّنوصية
لما ظهرت المسيحية، دخل البعض من أتباع المعرفة الحقيقية العالية فيها، ولكنهم مزجوها، وكّونوا من مزجها بتعليم المسيحية الديني طرائق هرطوقية معروفة باسم غّنوصية.
التعليم الديني الحقيقي الغنوصي كان في أساسه مبادىء الفلسفة اليونانية الوثنية، واللاهوت اليهودي، والديانات الشرقية وخصوصاً زورا أسترا.
كان الغّنوصيون يفرضّون في طريقتهم حلاً لاجدال فيه لجميع مشاكل الوجود والحياة.
ظهرت الغّنوصيةْ وانتشرتْ في زمن الرسل، سيمون الساحر الذي كان يمتهن السحر، هو الذي كان أول من مثّل التعليم الغّنوصي. لهذا يُسمى رئيس الهراطقة.
جاء في اعمال الرسل ان سيمون الساحر هذا، سحر وأدهش شعب السامرة، وتقدم من الرسولين بطرس ويوحنا ليبيعاه مواهب حلول الروح القدس في قبول المهتدين الجدد، فطرده بطرس الرسول لأن مواهب الروح القدوسة المنتقلة بوضع الايدي لاتباع بالمال.
سيمون يهودي قبرصي، اكتسب العلم في الاسكندرية، وقد حفظ تعليم (فيلون) عن الكائن الوسيط بين الاأوهة والعالم (الكلمة الإلهية والعقل حسب تعليم افلاطون). فادّعى أنه هو قوّة الله المتجّسدة، أو إيون السامي الذي ظهر في سيناء بشخص الله الآب، وامام طيباريوس بشكل إبن، وعلى الرسل بشكل الروح القدس, وقدم مرافقته هيلانة كأنها حكمة الله المتجسدة، وهذا يعني بأنه لم يكتف بنشر مزيج من المبادىء اليهودية والوثنية والمسيحية.
في العصر الرابع صارت السيمونية وسيلة مادية للحصول على نعمة رئاسة الكهنوت بالمال.

– الكيرونثوسية
نسبة الى كيرونثوس المبتدع اليهودي الهرطوقي، وهو من الإسكندرية، وُجدَ في عصر الرسلْ، وكان يُحاول أن يؤّلف طريقة هرطّوقية غّنوصية.
قَدِم إلى أورشليم واقام فيها، ثم انتقل الى قيصرية فلسطين، فأنطاكية وعّلم فيها، ثم استقر في آسية الصغرى ولعله مات فيها.
مما دونه القديس ايريناوس عن هذا المبتدع أنه أزعج يوحنا الحبيب بتعاليمه وضلاله، وقد وصفه بقوله عنه: “كيرنثوس عدو الحق”
قال ايريناوس:”ان كيرونثوس أوجب حفظ السبت والاختتان وبقية فروض الناموس.”
ادّعى أن يسوع هو إبن يوسف ومريم، وأن ملاكاً من الملائكة خلق الكون، وآخر الذي هو الله، إله اليهود أعطى الشرائع والناموس، وأن شيئاً من الروح القدس المنبثق من الإله الأعلى، حلَّ على يسوع عند اعتماده في الأردن، فرافقه حتى الصَلْبْ، وأضاف القديس هيبوليتوس بأن كيرنثوس المبتدع، نفى قيامة السيد بعد الصلب، وأرجأها حتى”قيامة جميع الأتقياء”.
– المانوية
انظر بحثنا الوافي عنها هنا في فصلنا هذا ( الهرطقات).
– الآريوسية
تُنسَب إلىأريوس، وهو من أصل بربري، وُلد في ليبيا. نشأ في القرن الرابع، وصار أحد كهنة الإسكندرية.
اشتهر بتبّنيه لمجموعة من التعاليم، التي تدور حول الطبيعة اللاهوتية في المسيحية، التي أكّد فيها على تَفَرُد الآب، وتبعية المسيح للآبْ، ومعارضته، لما أصبح سائداً حول طبيعة المسيح، فأصبح الموضوع الرئيس الذي نوقش في المجمع المسكوني الأول في نيقية الذي عقده الامبراطور قسطنطين الكبير سنة 325م

في نشأة آريوس انه ولد في العام 280 في ليبيا، ثم سافر إلى أنطاكية والتحق بمدرستها الشهيرة، متتلمذاً للمعلم (لوقيانوس) وهو “باعث العقلية الآريوسية” فنَهلَ منه، الفلسفة اليونانية وعلوم اللاهوت، ففاق معلمه فيها، ثم انتقل إلى مصر، وهناك رُسِمَ كاهناًّ على أحدِ كنائسِ الإسكندرية.
بتأثير منه ومن مدَّرسي الفلسفة الأنطاكية والإسكندرية، انتشرت المناقشات والمجادلات الفلسفية بين الأساقفة والكهنة وعامة الشعب.
تأثر آريوس بتعاليم الغنوصية (مذهب العرفان الذي ازدهر في القرن الثاني في نطاق المسيحية، وأكدّ اصحابه المعرفة الروحية.)
العقيدة الآريوسية
استخدم آريوس مفاهيم الفلسفة البشرية وحدها، وقال إنه من بين الأقانيم الثلاثة في الله/ الآب وحده/ هو حقاً وجوهرياً إلهٌ منذُ الأزل، أما الإبن فليس إلهاً، ولا الروح هو إله.
زعمَ آريوس، أنه كان وقت وُجدَ الآب وحده، واعترفَ أن الآب هو قبل الدهور، ولكنه خليقة، إنما أعظم من كل خليقة مادّية، وغير مادّية. وأضاف أنه قد يصح القول عن الإبن إنه إلهي وفي صورة الآب، ولكن لا يجوز أن نقول عنه انه: “من جوهر الآب” لأنه يختلف في جوهره عن الآب، والبّنوة في المسيح، لا تُؤخذ بالمعنى الحقيقي الكياني، بل بالمعنى المجازي الأدبي. فنتج عن هذا الرأي ان المسيح غير مساوٍٍ للآب. بيد انه الوسيط بين الآب والخلائق، والوسيط في الخلق، وهو الذي في لحظة من الأزل خلق الروح القدس. وفي هذا كله اختلق آريوس إلهاً على صورة البشر.
لكن لما تفاقَم تأثير هرطّقته في الشعب، وانقسم الشعبُ في الإسكندرية بين مؤيدٍ ومعارضٍ، حرمَّه مجمعٌ محليٌ عُقدَ في الإسكندرية السنة 320م، فأصدر “كتاب الوليمة” وهو مزيجٌ من النثر والشعر، والأناشيد الخطيرة في تهديم كل، ما أوحى الله به، عن حياة الثالوث الأقدس، وتُنكر على الجنس البشري التأله، والإتحاد الحقيقي بالله، ولاتعترف للفداء بأي مفعول جذري في الطبيعة البشرية.
مجمع نيقية الاول 325م

تدخل (قسطنطين الكبير) بشكل حازم، وأمر بعقد مجمع مسكوني في مدينة نيقية بآسية الصغرى بين 20 ايار الى 19 حزيران 325م. وحددت قرارات هذا المجمع، أن المسيح من جوهر الآب وأنه واحد في الجوهر، وأقر الآباء المجتمعون في “الدستور النيقاوي” إيمانهم “برب واحد يسوع المسيح إبن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولودٍ غير مخلوق مساوٍ الآبَ في الجوهر”.
وقام الامبراطور قسطنطين بنفي اريوس الا انه عاد فعفى عنه، لكن القديس اثناسيوس رئيس اساقفة الاسكندرية رفض استقباله، لكن اتباعه سَعوا له ليُصبح من إكليروس القسطنطينية، إلا أنه توفي سنة 336م قبل دخوله المدينة، لكن الآريوسية انتشرت، وخاصة في اوربة الغربية، بين قبائل الجرمان والقوط… وأثَّرت كثيراً على الكنيسة فيها.



