البطريرك الأنطاكي يواكيم الخامس وزيارته إلى روسيا (1586) ودوره في تأسيس بطريركية موسكو
البطريرك الأنطاكي يواكيم الخامس وزيارته إلى روسيا (1586)
ودوره في تأسيس بطريركية موسكو
من هو البطريرك يواكيم الخامس؟

البطريرك يواكيم الخامس (ابن ضو) من برج صافيتا، 1567-1568 وكان قبلا مطران طرابلس في جدول البطاركة عند حسان خير الله
يقابله عند. د. اسد رستم … البطريرك دوروثيوس الرابع (1541-1543) ويواكيم الرابع 1543-1567 وترتيبه 42 بعد المائة.
بطريركيته
أقامه الدمشقيون على سدة البطريركية بعدما اتهموا سلفه ميخائيل بارتكاب مخالفات فانقسمت الرعية بين الاثنين مع مارافق ذلك من تعديات.
الرحلة الى روسيا

تحرك البطريرك يواكيم عام 1584 لزيارة روسيا، وبعد ان اجتاز البلدان اليونانية، زار هو وبطريرك الإسكندرية سلفسترس 1569-1590) ميتيليني أيضاً. وفي نهاية 1585 قرر أن يذهب شخصياً الى موسكو. واجتاز ليوندوبولس(لفوف) واسس في 1كانون الثاني 1586″ الأخوية الدينية” الشهيرة التي بقيت أجيالاً. ركيزة للأرثوذكسية(1)
ونعلم من رسالة له، كتبها في سفرته، انه في 16 كانون الثاني كان في ليوندوبولس، وجد هناك كثيراً من عدم الإنتظام وقلة الأخلاق. وجد كهنةً تزوجوا مرة ثانية بعد ترملهم، ووجد كهنة وشمامسة مشرطنين وهم يعيشون خلافاً للناموس مع النساء بدون صلاة ولا إكليل.
ولم يكتف البطريرك يواكيم بالانتقادات والتوبيخات الشفوية، بل حّرر فيما بعد رسالة منتقداً انتقاداً لاذعاً تجاوزات القوانين الشريفة، وأوامر الكنيسة الارثوذكسية ملوحاً بأشد العقوبات ومناشداً الضمائر بإصلاح الأخطاء والإنحرافات، كُتبت الرسالة اولاً بالعربية، ثم ترجمت إلى اليونانية كما ورد على هامش النص اليوناني المكتوب الواصل إلينا.(2)
مكث البطريرك يواكيم في ليوندوبولس بضعة أشهر، وفي 19 أيار 1586 أخبر بطرس خفوروستين فوثيفود تسرنيغوف قيصر موسكو ثيوذور الأول إيوانوفيتش (1584-1598) أن تجاراً روسيين قادمين من القسطنطينية وصلوا الى تسرينغوف، وأخبروا انهم رأوا بطريرك انطاكية يواكيم في ليوندوبولس، وعلموا أنه آتٍ إلى موسكو. ولكنهم لايعلمون إن كان قدومه سيكون عن طريق تسرنيغوف، أو عن طريق سمولنسكي، وطلب بطرس أوامر القيصر حول استقبال البطريرك اذا كان سيمر بتسرنيغوف.

فأسرع القيصر باصدار أوامره المتعلقة باستقبال البطريرك الأنطاكي يواكيم والتشريفات، ولكن البطريرك فضل طريق سمولنسكي. فأعلم أندريا فوثيفود سمولنسكي القيصر أن سيصل مع البطريرك وحاشيته المؤلفة من 14 رجلاً و19 حصاناً.
الوصول إلى موسكو
وصل البطريرك في الخامس من حزيران 1586، واستُقبل بالحفاوة والتكريم على بعد 12 فرسخا من المدينة. ومن هناك أرسل كتاباً إلى القيصر مادحاً وواصفاً اياه ب”الشمس المنيرة والمدفئة من بعيد كنيسة الشرق المنكوبة المتألمة”، ثم طَلب الإذن بزيارة موسكو” لأنه كُتب “من يقبل نبياً باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ومن يقبل بطريركاً باسم بطريرك فأجر بطريرك يأخذ.” (3)
فتعاطف زعيم روسيا بكل سرور مع هذه الزيارة الغير متوقعة، ولأول مرة تشاهد روسيا بطريركاً مسيحياً ارثوذكسياً، لأنه لم يفكر أحد قبل يواكيم أن يقوم بمثل هذه الزيارة. وقد تقرر إذن أن يجري له ثلاثة استقبالات وليس واحداً في طريقه من سمولنسكي الى موسكو، واستقبله المرة الثالثة فوغيارُس ايفان فسيفولوزكي.
وصل البطريرك الى موسكو في 17 ايار سنة 1586، وأُنزل في منزل سيريميتييف. ولكن حضوره الى القصر تأجل أياماً. وأراد الزعيم الروسي أن يعرف قبلاً بصورة غير رسمية مقصد سفرة البطريرك ورغباته، حتى يرتب أفكاره في المحادثات مع زائره. واخيراً وفي 25 حزيران جيء بالبطريرك يواكيم بمظاهر إحتفالية لائقة إلى القصر.

استقبله القيصر ثيوذور ايفانوفيتش وكان جالساً على عرشه ومحاطاً بالبوايار. نهض القيصر قليلاً فباركه البطريرك وسأله عن صحته. وأراه البطريرك الانطاكي كتاب البطريرك المسكوني، في ترجمة روسية على الأرجح، عن حاجات بطريركية أنطاكية الإقتصادية الكبيرة والضرورية، وقدم إليه هدايا “ذخائر قديسين مختلفة” كالمعتاد من زائري موسكو(4). فقَّبلها القيصر بتقوى واحترام ودعا البطريرك الى تناول طعام الغداء على مائدته.
في هذه الاأناء زار البطريرك الكنيسة الكاتدرائية التي على إسم رقاد السيدة العذراء، حيث كان هناك متروبوليت موسكو ديونيسيوس(1581-1586) لابساً بدلته الاسقفية كاملة ومحاطاً بعدة رؤساء كهنة وإكليريكيين آخرين لابسين جميعهم حللهم الكهنوتية.
وكان متروبوليت موسكو واقفاً على عرشه الأسقفي فانحدر خطوات قليلة، واستقبل البطريرك، وباركه هو اولاً !!! ذلك لأن ديونيسيوس” الاديب النحوي الحكيم”، وحسب مفاهيم الروس كمتروبوليت موسكو “رومية الثالثة”وكل الروسيا، ورئيس كنيسة دولة مستقلة، كان يعتبر نفسه أعلى من زائره الآتي بقصد طلب الإحسان، بطريرك انطاكية.
ظَهر يواكيم مندهشاً بانزعاج من مباركة المتروبوليت الروسي له، وأخفى انزعاجه للحاجة والضرورة، ولكنه قال في نفسه: “أنه كان الأولى قانونياً بالمتروبوليت ان يأخذ البركة من البطريرك”.
ثم وقف البطريرك مقابل كرسي القيصر وتابع الخدمة الالهية. وبعد ذلك انتقل إلى القصر لأجل الغداء. مدت المائدة في القاعة الذهبية وجلس البطريرك عن يمين القيصر، ووبعد الغداء انسحب البطريرك الى بيت سيريمنييف.
فكرة بطريركية روسية

وتسبب مجيء البطريرك يواكيم غير المتوقع إلى روسيا بإثارة تساؤلات ومناقشات حول “الرتبة البطريركية” وضرورة “تأسيس بطريركية روسية في موسكو”. وهذه الفكرة كانت تراود الروس منذ زمن. وتبنى هذه الفكرة القيصر ثيوذور وأعلنها اولاً في جلسة سرية أمام مجلس البوايار، وقال لعلّ العناية دبَّرت محيء بطريرك انطاكية يواكيم إلينا لتحقيق هذه الفكرة. فقُبل اقتراح القيصر لدى العموم وتقرر أن يُرسل بوريس غودونوف إلى البطريرك يواكيم ليبحث معه هذه القضية.
ويظهر أن البطريرك يواكيم أظهر أنه ليس من اختصاصه وحده، أن يقرر هذا الأمر. وعندئذ رجاه الروس أن ينقل رغبتهم عند عودته إلى البطريرك المسكوني وبقية البطاركة وإلى رؤساء أديار سيناء وجبل آثوس، لكي يتم برأيهم جميعا هذا العمل العظيم من أجل روسيا الأرثوذكسية.
فأعرب البطريرك يواكيم عن شكر الشعوب الارثوذكسية الرازحة تحت النير التركي على إحسانات القيصر الروسي، ووعد أنه بعد عودته الى الشرق، سيتفاهم مع بقية البطاركة حول تأسيس البطريركية الروسية.

نُقل الى القيصر الروسي وعد البطريرك الانطاكي يواكيم الإيجابي، فسُّر بذلك وأرسل اليه عطايا وافرة، وأمر أن يُهيئُوا له ماهو من أمر وداعه وسفره.
وفي أول تموز طلب البطريرك يواكيم أن تُعطى له فرصة لزيارة اديرة موسكو، بعد موافقة القيصر. فزار في 4 تموز دير تسوذوف الشهير ودير لافرا على إسم القديس سرجيوس، حيث استقبل بالتكريم والحفاوة. وفي 17 تموز زار القيصر لتوديعه، وأخذ منه مجدداً عطايا غنية. ولمْ يُبقِه القيصر على الغداء، بل أمر أن تُعطى له ولحاشيته اغذية ومؤون وافرة..
بعد ذلك زار البطريرك الانطاكي يواكيم كنيستي البشارة، ورؤساء الملائكة، حيث قدَّم اكليروس البلاط طلبات وابتهالات من أجله. ولم يزُر كنيسة نياح والدة الاله هذه المرة. وودّع على كل حال المتروبوليت ديونيسيوس، وان يكن قد وقف منه موقف المتعالي.
العودة إلى الديار الشامية
وفي 11 آب غادر البطريرك يواكيم موسكو مودعاً بتكريم، ورافقه ميخائيل غاركوف حاملاً مساعدات القيصر لبطريركيات الشرق وادياره وناقلاً أمر الملك بمتابعة قضية تأسيس البطريركية الروسية.
ليس معروفا بالضبط متى وصل البطريرك إلى الشرق. ولكن كان قد مضى عام كامل على الإنتظار الروسي للرد بشأن منصب البطريركية الروسية بفارغ الصبر، حين وصل الى موسكو في حزيران 1587 نيقولاوس اليوناني وصرح انه مُرسَل من البطريرك المسكوني ارميا الثاني (1572-1579، 1580-1584 ،1586-1595) والبطريرك يواكيم الخامس الأنطاكي لكي يُعلِن ان البطريركيّن المذكوريّن دعيا بطريركي الإسكندرية وأورشليم الى مجمع ينظر في تأسيس بطريركية روسيا.
رحلة البطريرك الأنطاكي يواكيم الخامس الثانية إلى روسيا (1586)
وجاء في أخبار أخرى أن مرسلي الروس مرافقي البطريرك يواكيم حين عادوا الى موسكو، أخبروا، أن البطاركة الأربعة، قبلوا مبدئياً تأسيس بطريركية روسية، لكنهم قرروا ان يذهب الى روسيا البطريرك المسكوني ارميا. وهذا الخبر لا يتفق مع سير الوقائع السالفة، ومع موقف البطريرك ارميا الثاني عامة حول مطالب الروس تأسيس بطريركية، وان يكون هو وحده في مجيئه الى روسيا.
وعلى كل حال، أكمل البطريرك يواكيم وَعدَه الذي وَعد به الروس وقيصرهم. ويظهر أن هذا المقترح نُوقش بينه وبين البطريرك المسكوني ارميا الثاني، وأنَّ طلبَ الروس قد قُبِلَ مبدئياً.
لكن إرميا الثاني قرر أن يذهب شخصياً الى موسكو لطلب مساعدة الروس للكرسي المسكوني، ولم يخطُر له ان الروس لن يتركوا الفرصة الفريدة بحضور البطريرك المسكوني تفوتهم من اجل تحقيق توقهم الكبير بتأسيس بطريركية في موسكو.
وبالفعل ذهب المسكوني ارميا في 1588 الى موسكو ومعه إيروثيوس متروبوليت مونيمفاسيّس، واضطر في مطلع السنة الجديدة أن يؤسس بطريركية موسكو، وان يثبت هذا الإجراء بقرار مجمعي فيما بعد.
وجاء البطريرك الأنطاكي يواكيم إلى القسطنطينية عام 1590 فوقع القرار المجمعي الأول حول تأسيس بطريركية الكنيسة الروسية(5). وفي شهر آب من العام نفسه، ذهب إلى القاهرة ومعه إثنان من رؤساء الكهنة الأنطاكيين فشرطن ملاتيوس بيغان بطريركاً على الإسكندرية. وعاد إلى دمشق واخذ يدير بسلام كنيسة أنطاكية، وتفقُد ابرشياتها كلها حسب العادة المحفوظة.
ومرض مرضاً ثقيلاً ذلك الراهب الذي كان قد اتهم البطريرك السابق ميخائيل فطلب أن يعترف عند البطريرك يواكيم. فدُهشَ يواكيم اذ سمع من الراهب أنه وشى وشاية كاذبة عليه. ولم يشأ البطريرك أن يسامح الراهب الواشي، وأخذه حزن شديد لأنه عادى وصارع سابقه البطريرك(6) مستنداً على شهادة الواشي الكاذبة. وتوجه

في إحدى جولاته إلى أبرشية حوران وتوفي هناك إما مريضاً حسب بعض الروايات(7) او مستشهداً غيلة (اغتيال) مع تعذيبات. (8)
مات في 7 تشرين الاول 1592، ودُفنَ على الأرجح في مدينة بصرى.
الخلاصة
كانت زيارة البطريرك الانطاكي يواكيم الخامس لروسيا بدون شك من اهم احداث حياته البطريركية. لقد كان الأول من بطاركة انطاكية وبقية الكراسي الارثوذكسية الرسولية المشرقية، الذي زار تلك البلاد، وفتح الطريق لبطاركة الشرق وباقي المطارنة إليها. وهو أول من أثار بإيجابية وحماس تأسيس بطريركية موسكو بين بطاركة الشرق. ومنذ ذلك الوقت جاءت روسيا البعيدة المنفردة الى علائق مباشرة مع ارثوذكسية الشرق المضطهدة.
وأفاد هذا الحادث كلا الطرفين، روسيا التي اندفعت بهذا الإنفتاح الروحي الأرثوذكسي إلى ازدهار داخلي وخارجي، والكنائس الارثوذكسية الرسولية الشرقية وغير الرسولية التي وجدت روسيا مساعداً شجاعاً كريماً وحامياً لها من عسف السلطة العثمانية المستبدة وظلم ولاتها وعمالها.
مصادر البحث
1) ا. كريولوفسكي،1904 ب.30-35
2) خريسوستموس، بابا دوبولس تاريخ كنيسة انطاكية ،ص(737) تعريب الاسقف استفانوس حداد
3) ب. نيقولايفسكي,بيتروبولس 1879,ب.370
4) ن. كابتيريف 1885, ب.60
5))w. REGET.ANALecta Byzantino Russica. Petropolis, 1890,P.87
6) البطريرك ميخائيل السابع ( انتخب قبل 15 حزيران1576-25 كانون الاول 1592/4كانون الثاني 1593)
7)اثناسيوس الثالث الانطاكي
8)الارشيدياكون بولس ابن الزعيم.


