الطفل يسوع يعمل مع يوسف النجار نجارا

الحلقة المفقودة في حياة ربنا يسوع المسيح على الأرض

الحلقة المفقودة في حياة ربنا يسوع المسيح على الأرض

“…كيف هذا يعرفُ الكُتُبَ ولم يتعلمْ…”

(يوحنا ٧: ١٥)

توطئة

يقف المؤمن العادي والباحث والناقم على المسيحية وتعليمها القويم امام سؤال محير منذ بدء الكنيسة التي اطلقها ربنا له المجد بعنصرته وصوته المقدس ” اذهبوا وتلمذوا كل الأمم…” والسنة نوره التي حلت على رؤوس ال٧٠ في علية صهيون، فطفقوا يتكلمون بلغات مختلفة وهم جليليين وبسطاء، وقد صيرهم الروح الإلهي حكماء ومجاهدين قلبوا العالم حينما اطلقهم للبشارة وفعلوا المعجزات وكلهم واتباعهم واتباع اتباعهم رووا ارض المسكونة بدمائهم الطاهرة طيلة ٣١٣ سنة، فأزهرت الكنيسة…

منذ ذاك الوقت والسؤال ذاته انه لم ينص الانجيل المقدس القانوني ببشاراته الأربع عن حياة ربنا يسوع المسيح من عمر ١٢ سنة وحت ٣٠ بدء دعوته التي بدأت بتجميعه لتلاميذه الاثني عشر…

 اين امضى هذه الفترة؟ ما الذي عمله…؟

وتتصدر التكهنات السخيفة الإجابات! والبعض من المغرضين وبسخافة التخمين والقول المزعوم يجزمون انه ذهب الى الهند وتعلم شريعة بوذا، وعايش رهبان بوذا… ويستدلون برسومات البوذية وصور بوذا على جدران معابدهم واديرتهم، وعندهم ان ايقوناتنا الرومية صورة عن رسومات معابد بوذا وان الرهبنة المسيحية تناسخت عنها رهبنة انطونيوس الكبير ورفيقه باخوميوس.!!! الاصيلة وما نشأ عنها من مدارس رهبانية…

ونحن وان كنا من جملة المؤمنين البسطاء المنتمين للمسيحية ببساطة وبعيدا عن اللاهوت نؤمن بكل القناعة بيسوع له المجد رباً وانساناً، ونرد عليهم ان ترهاتهم نحو اكتسابه له المجد من البوذية وسواها التي يسوقون لها، وانه ذهب الى الهند… ليتعلم الحكمة البوذية والسحر ل ايمكن لاي عاقل ان يقبلها فهل يتعلم الرب الخالق يسوع من مخلوقه بوذا…

يسوع لم يكن لا مدعي نبوة، ولا نبي، يسوع هو الرب الخالق…

بوذا وامثاله من حكماء آسية ومنهم من اسس اديانا لاتزال حتى الان كبوذا وكونفوشيوس هم مخلوقات الخالق هم بشر… بينما يسوعنا هو الرب الخالق والرحيم الذي تنازل بحكمة لا نفهمها نحن البشر ليفتدينا من معصيتنا تجاه ابيه السماوي المساوي له في الجوهر وتم ذلك بمرافقة الاقنوم الإلهي الثالث الروح القدس الذي لازمه في حياته البشرية من السنة ٣٠ الى السنة ٣٣ وختمها على الصليب وقام بمجده الإلهي وصعد الى السماء وجلس عن يمين الله الآب…

ونضيف

الطفل يسوع يعلم في المجمع في اورشليم
الطفل يسوع يعلم في المجمع في اورشليم

انه في الحقيقة، لم ترد في الكتب الرسمية، المعَّولْ عليها في كنيستنا المقدسة الارثوذكسية الرسولية، آية أو جملة، تدل أو تلمح، الى مكان إقامة سيدنا له المجد في عمره الأرضي من السنة الثانية عشرة الى السنة الثلاثين. ومن المؤكد الثابت ان تاريخ حياته، منذ حملت به امه العذراء الطاهرة حتى صعوده الى السماء، وجلوسه عن يمين الآب، مقتبس من الأخبار الوارد ذكرها في الأناجيل الأربعة، وما يليها من الاسفار المقدسة من اعمال الرسل ، حتى “رؤيا القديس يوحنا” تتخللها رسائل القديسين الأطهار: بولس ( وعددها ١٤ رسالة)، ويعقوب (رسالة واحدة)، وبطرس (رسالتان)، ويوحنا (ثلاث رسائل)، ويهوذا (رسالة واحدة)، ومجموع هذه الاسفار المقدسة معروف ومشهور “بالانجيل الشريف” وقد منيت سهام الذين تصدوا لزحزحة حقيقة بعضها أو جملتها بالفشل التام. ولدينا بعض الكتب من هذا القبيل وهي منسوبة الى القديسين بطرس وبولس   ويعقوب وتوما وبرنابا وسواهم، غير انها مدسوسة أي مزورة Apogrypha ولا تعتمدها كنيستنا الا من باب الفكاهة والاخذ بالعلم وليس غير.

ومن أراد تتبع اخبار ربنا يسوع له المجد في الانجيل الطاهر يرى مثلاً أن الرسولين متى ولوقا ينشران الأخبار الخاصة بميلاده، ولم يرد ذكرها في انجيلي مرقس ويوحنا، اذ ان الأول منهما يبتدئ بسرد الحوادث المتعلقة باعتماده في نهر الأردن، والثاني يذكر الحوادث الخاصة بدعوة الرسل وما يلي ذلك، فالرسول متى يذكر بصراحة واختصار ان الأسرة المقدسة المكونة من يوسف ومريم ويسوع عادت بأمر الرب من مصر الى نواحي الجليل وسكنت” في مدينة تدعى ناصرة ليتم المقول بالأنبياء أنه يدعى ناصرياً” (متى ٢ : ٢٣)، وهنا يسكت متى سكوتاً تاماً، الى أن يقول ما له علاقة بعماد المسيح في نهر الأردن: ” في تلك الأيام أقبل يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهود. حيئذ اتى يسوع من الجليل الى الأردن الى يوحنا ليعتمد منه” (متى ٣: ١ و١٣).

اما الرسول لوقا فإنه يضيف الى ذلك خبر تطهير العذراءء وصعودها الى اورشليم لتقدم طفلها للرب في اليوم الثامن من حياته وذلك ” على حسب ما كتب في ناموس الرب” (لوقا٢ : ٢٣). “ولما اتموا كل شيء” ( أي افراد الاسرة المقدسة) ” على حسب ناموس الرب رجعوا الى الجليل الى مدينتهم الناصرة، وكان الصبي ينمو ويتقوى ممتلئاً حكمة وكانت نعمة الله عليه” (لو٢ :٣٩ – ٤٠).

وفيما بعد ينفرد الرسول لوقا، دون بقية الرسل الانجيليين، في ذكر خبر ذهاب الاسرة المقدسة الى اورشليم في ” كل سنة في عيد الفصح” (لو ٢ :٤١) الى ان يذكر خبر صعودها اليها، وكان ذلك الصبي يسوع قد بلغ اثنتي عشرة سنة” ( لو ٢ : ٤٢) ويسرد فيما يلي خبر بقائه في ” هيكل اورشليم” دون ان يعلم بذلك “ابواه” ولقائه فيه ” بعد ثلاثة أيام … وكان جالساً فيما بين المعلمين يسمعهم ويسألهم” (لو ٢ :٤٦) ورجوعهم الى الناصرة بقي خاضعاً لهما” وكان يتقدم في الحكمة والسن والنعمة عند الله والناس” ( لو٢ :٥١ – ٥٢).

عند هذا الحد تقف اخبار الانجيليين الاطهار في سرد تفاصيل حياة المسيح، ومن العبث ان نطلب ما يتعدى ذلك في كتبهم، الا  ما يختص بعماده في الأردن بيد يوحنا السابق، وكان اذ ذاك في السنة الثلاثين من عمره. ومن أراد ان يملأ هذا الفراغ من عندياته مستنداً الى ما يقرأ  في كتب غير سليمة – نظيفة، فان اخباره من أولها الى آخرها ملفقة مدسوسة ومزورة لا قيمة لها من وجهة تاريخية. فمن ذلك يرتأي البعض ان المسيح قد قضى المدة الكائنة ما بين السنة الثانية عشرة والثلاثين من عمره منتظماً في مدرسة طبريا لتلقي الدروس العالية، اننا نعلم فضل هذه المدرسة على العلوم الدينية اليهودية، ففيها استقر السنهدريم بعد خراب اورشليم، وهناك جُمعَتْ “المشنة” أي ناموس اليهود التقليدي الماسودة، وهي كتاب تحريك (تشكيل) كلمات التوراة مع شرح نحوي ومعنوي عليها. لكن ليس لدينا من سند نقول عليه الرأي القائل بأن الرب يسوع تتلمذ في معاهد طبريا الرفيعة واخذ منها شهادات عالية تؤهله ان يصد بها براهين الذين تعمدوا مناقشته ومنافسته وصده في المسائل القانونية المتعلقة بشريعة موسى واقوال الأنبياء. ويقول غيرهم انه تتلمذ في مدارس مصر او في مدارس بلاد الهند حيث تعلم الأعما الشعواذية والسحر ( كما بدأنا هنا) التي نرى ظواهرها وبواطنها في العجائب والغرائب التي قام بها في حياته العامة من بدء كرازته الى حين صعوده الى السماء.

ان مدة اقامته في مصر كانت محدودة في أيام طفولته، وليس من المعقول المقبول ان يتدرج الطفل في العلوم الرفيعة التي تتطلبها قسوة وشدة ضغط مثل تلك الدروس ويرجح رجال البحث بان ربنا يسوع له المجد اقام مع والدته ويوسف حارس بتوليتها مدة لا تتجاوز السبع سنوات ولم يعودوا اليها، ومن المضحك المبكي ان نزعم انه له المجد والسجود زار بلاد الهند ليتعلم الحكمة والديانة البوذية او لاي سبب اخر من الأسباب. ومن المعلوم واعتماداً على الكتب السليمة أن الآيات والعجائب المقرونة بحياة المسيح ليس لها صلة ما بأعمال الشعوذة التي نراها في بعض الأماكن أو نسمع عنها، والعجيبة هي ظاهرة تحدث بقوة الهية خارقة مجرى العادة الطبيعية، وتأتي غالباً لإثبات ارسالية من جرت على يديه او فيه. والعجيبة الحقيقية هي فوق الطبيعة لا ضدها، تحدث بتوقيف نواميس الطبيعة لا بمعاكستها، ولنا في فعل الإرادة مثال يظهر لنا حقيقة امر العجائب اذ بها ترفع اليد، وبذلك نوقف ناموس الثقل، ويتسلط الله على قوى الطبيعة ويرشدها ويمد مدارها او يحصره لأنها عوامل لمشيئته ويناط فعل العجائب بالله وحده، او بمن سمح له بذلك. واذا آمنا بالمسيح ابن الله القادر على كل شيء والعديم الخطيئة، لم يعسر علينا تصديق آياته وعجائبه.

يقوم ايماننا المسيحي على العقيدة بأن المسيح هو انسان كامل، واله كامل، وانه في مثل هذه الحالة، لم يكن (كما اسلفنا في التمهيد لتدوينتنا هذه) بحاجة الى اخذ المعارف والعلوم على أساتذة في المدارس، مع الإشارة بأنه ” كان خاضعاً لأبويه” وذلك بحكم الطبيعة. والتعليم الأول كان في حضن الام بلا شك، ويشير التلمود الى هذا حين يُذكرُ بين اقوال الحكماء المأثورة، قولاً للحبر اليهودي حناي المشهور، مؤداه ان معرفة الناموس Nomos

الشريعة ينالها الذين رضعوا لبانها في أحضان امهاتهم. وانا لنرى قدر الأمهات الصالحات في فلسطين، ولا في شواهد العهد القديم فقط، ولا في مدح الأمهات في سفر الامثال، ولا في اقوال ابن سيراخ، بل نراه في المرأة اليهودية في العهد الجديد. ان كثيرا من الفروض الدينية التي تقوم بها ربات الببوت اليهودية منذ القدم، مثل عشاء السبت، واشعال مصباح السبت وسواها. كل هذه امثلة حية لواجبات عرفها بكل شك كل طفل صغير وهو عالق في اهداب ثياب امه. وحتى قبل ان يستطيع تتبعها  وهي تقوم بهذه الواجبات، فان عينيه لا بد قد انجذبتا- وهو بعد في ملف الطفولة- نحو ” المزوزة” المعلقة على قائمة الباب، وقد كتب عليها اسم الله العلي العظيم. وكان الداخلون والخارجون يلمسون في هيبة ووقار هذا الاسم الكريم. ثم يقبلون اصابعهم التي لمست هذا الصندوق الصغير المقدس. وفي الرأي الشائع. كان هذا الصندوق رمزاً للحراسة الإلهية على بيوت العبرانيين، وشعاراً منظوراً للنشيد البهج القائل: ” الرب يحفظ دخولك وخروجك من الآن والى الأبد”. وقبل ان يذهب الطفل الى المدرسة، كان عقله يتأثر تأثيراً ميقاً بالصلوات الفردية والمتحدة، والطقوس المنزلية سواء أكانت أسبوعية في أيام السبوت، او دورية في الأعياد والمواسم.

في منتصف الشتاء كان يحتفي كل بيت يهودي بعيد النور فتضاء في الليلة الأولى شمعة واحدة، وفي الليلة الثانية شمعتان، وهكذا الى الليلة الثامنة ، وكان الطفل يتعلم ان هذه كلها رموز وذكريات لتدشين الهيكل وتطهيره وإعادة مراسم العيادة فيه على يد يهوذا المكابي  قلب الأسد. وبعد هذا يجيء في بكور الربيع عيد البوريم، وهو عيد استير ونجاة شعب إسرائيل على يديها. وقد اختص هذا العيد بكثير من أسباب المتعة والبهجة والصخب والقصف. وفي عيد الفصح كانت الاسرة تذهب الى اورشليم، وبحسب الشريعة اليهودية يتحتم على الصبي اليهودي مراعاة الاحكام والوصايا وحضور الأعياد في اورشليم حين يبلغ الثالثة عشرة من عمره، وهو يصير عند بلوغ هذه السن كما يقولون “ابن الوصية” او “ابن التوراة”، وهذا ما تفرضه الشريعة، ولكن الواقع ان السن القانونية لممارسة هذه الفرائض كانت تسبق هذا التاريخ بسنة على الأقل او سنتين، وعملاً بهذه العادة ذهب يسوع مع ابويه في اول فصح له بعد بلوغه الثانية عشرة الى اورشليم (لوقا ٢ : ٤٢) مع زمرة من الناصريين. وتدلنا الآية على انه كان من عادتهم ان يصعدوا الى اورشليم في كل سنة. ولكن تحريم الخبز المختمر في خلال الأسبوع كله لم يكن يمر دون ان يحدث أثره العميق الخالد في اذهان الأطفال الصغار في البيت. وبعد عيد الأسابيع يجيء الصيف بنوره واشراقه. ولا شك ان حصاده الذهبي وثماره الناضجة تذكر بتكريس باكورات الأشياء واطايبها للرب. وحينما يجيء الخريف وتتساقط الأوراق عن الشجر، يحل عيد رأس السنة الذي يتحدث عن رصد تصرفات الانسان في سجل الدينونة العظيمة، وعن تقرير المصير خيراً كان او شراً. ثم يعقب هذا صوم يوم الكفارة بما يحفه من مظاهر الرهبة والخشوع وذكريات لن تمحوها من الاذهان والخيالات كر الأيام. واخيراً يجيء أسبوع “عيد المظال”، الذي كانوا يقيمون فيه اخصاصاً من ورق الشجر للاستمتاع بالسكن فيها، ويقدمون شكر الحصاد ويتمنون حصاداً اوفر في عام جديد.

تلك وسواها من العادات التقوية والمواسم السنوية التي شب عليها المعلم الإلهي يسوع في انسانيته على الأرض، كانت مدرسة طفولته وصباه، ومدرسة البيئة التي يعيش فيها الانسان هي اكبر واعمق مدرسة في حياته في الحاضر والمستقبل. اما فيما يختص بالأفكار المتحررة والنزعات الوثابة فيمكن قسمة اليهودية الى قسمين: قسم الشمال الذي فيه الجليل ومن ضمنه الناصرة، المدينة التي عاش فيها الطفل يسوع مع والدته، والقسم الثاني اورشليم. على ان كل الأعمال الحسنة والمبادئ السامية صدرت من القسم الأول وهو الشمال. اما أورشليم فكانت متمسكة بالتقاليد القديمة كل التمسك. ومن الشمال خرجت الكنعانية المتواضعة، ومريم المجدلية، ويوسف الرؤوف، والعذراء مريم. ولولا الشمال لم تتسلط اورشليم روحياً وادبياً على العالم.

وكانت الطبيعة في تلك الجهات الشمالية في غاية الجهل ومنهى الرونق، فكأنها خلقت لتملي على الناس وتوحي اليهم نور المبادئ الأدبية السامية. فانه بينما ترى نواحي اورشليم جرداء تقريبا، ترى الجليل ونواحيها خصبة يانعة الخضرة، تكتسي ارضها في شهري آذار ونيسان بساطاً سندسياً جميلاً وحيواناتها الصغيرة الوادعة، وتطور تبعث البهجة في نفوس الناظرين، ولست ترى بلداً في العالم جباله اجمل من جبال تلك الجهات. ولا ريب ان يسوع كان يحب الجبال من حبه لجبال وطنه. فانه كان كثير الصعود الى الجبال، وفيها القى مواعظه وعمل فيها اعظم اعماله وعجائبه. وكان اذا صعد اليها تغيرت هيئته وازدادت نفسه الكريمة بلاغة وحكمة.

في وسط هذه الطبيعة الجميلة الوادعة والمشرقة بدأ يسوع يعلم، فكان تعليمه عبارة عن نزهة دائمة وسرور دائم. ويقال انه كان يسير احياناً الى القفار المحرقة التي تلي بلاد الجليل ويقيم فيها للتأمل، ولكنه هناك كان لا يجد الا اله أيوب، اله القوة والصرامة والعقاب. اما حين رجوعه الى الجليل فإنه كان يجد تحت سمائها وسط آكامها الخضراء ومروجها الفيحاء. اله المحبة والسلامة، اباه وابانا الذي في السموات. وكان في كل عام من السنة الثانية عشرة من عمره، يحج مرة الى اورشليم مع حجاج الناصرة، وهناك يختلط بشعبه ويقف على ما كان يجول في نفسه، فكأن الحج كان عبارة عن التقاء أبناء الشعب اليهودي في اورشليم مرة في كل عام.

ولما مات يوسف انتقلت مريم العذراء بولدها الى قانا الجليل، ربما كان اصل العذراء نفسها من تلك المدينة (يوحنا ٢ :١)، وقد صرف فيها المعلم العظيم قسماً من شبابه وظهرت اول أعماله ( يوحنا ٢: ٣ -١١). وكان السيد نجاراً كيوسف، ولم يكن ذلك مما يحط شأن الانسان في ذلك الزمان، اذ قد جرت عادة اليهود يومئذ بوجوب تعليم كل منقطع الى الشؤون العقلية صناعة ما. ولذلك فان كثيرين من اكابر علماء اليهود يحسنون صناعات، مثل “ابي يوحنا” الذي كان إسكافاً، و” ابي اسحق” الذي كان حداداً، والرسول “بولس” الذي كان حائكاً وصانع “خيام” ( اعمال ١٨: ٣) وسواهم. ولا نعرف كيف ابتدأ يسوع تعليمه ولكننا نعلم بأنه ترك لقب ” السيد” لمن شاء ان يلقب به ولقب الله بلقب احلى واسمى منه اعني: “ابانا”. وعلى هذا الأساس بنى تعليمه السامي الذي يجعل البشر اخوة على الأرض والخالق في السماء أباً رؤوفاً بهم شفوقاً عليهم تواباً رحيماً يطلع شمسه على الخطأة والابرار.

ولما بلغ سن الرجولة باشر عمله العظيم، وقد اتخذ فيه طريقاً جديداً لم يكن معروفاً في ذلك الحين، اذ انه قرن أقواله السامية بأعمال إلهية، حسبها البعض، من المغرضين والزنادقة وحتى الملحدين بأنها نوع من الشعوذة والتمويه والخداع.

لم يكن ربنا يسوع له المجد اكيد من هذه الفئة من المحتالين، بل كان انساناً كاملاً والهاً كاملاً، وكل ما قام بعمله في رسالته العظيمة يعود الى حالته تلك، وليس لأعماله العجيبة صلة بما ينسب اليه من اعمال الشعوذة. ان كافة اعماله وتعاليمه تبرهن على انه ” ليس من هذا العالم”.

ويجدر بنا ان ندون هنا للتاريخ والحقيقة ما كتبه احد علماء المسلمين السيد عبد الوهاب النجار، مدرس التاريخ الإسلامي وصاحب كتاب ” قصص الأنبياء”. ” ان المسيح عليه السلام، نشأ نشأة محمودة لا غبار عليها، وانه كان غيوراً على الدين منذ صغره، حريصاً على تفهم حكمه واسراره. وانه كان يختلس من وقته ما يقوي به معارفه ويثبت به علمه ويجالس العلماء ويناقشهم ويسألهم ويجيبهم، فالبيئة التي تمرس بها في صباه وشبابه بيئة علم وحكمة ودين. وسكتت الاناجيل عن المسيح من عهد ان كانت سنه اثنتي عشرة سنة الى ان بلغ تسعاً وعشرين (والصحيح ثلاثين). فأين كان يسوع في هذه المدة وهي سبع عشرة سنة؟ اما الاناجيل فساكتة عن ذلك وان كان في بعضها ما يشير الى ان اباه وامه سكنا في الناصرة. ولكن كيف يبقى ساكناً ولا يحتاج العلماء والكتبة في الكتاب وتفسيره في الأعياد كما هي عادته؟ ولم يذكر انه رجع الى الهيكل او عمل عملاً ما يتعلق بالدين؟ اما الاوربيون والباحثون منهم فيقولون انه ذهب الى الهند وتلقى تعليم بوذا وآداب البوذية. ولما عاد الى وطنه وأخذ في التعليم والوعظ كانت تعاليمه محاذية لتعليم بوذا في الحث على تكميل  النفس وتهذيبها. غير انهم يقولون ان مقارنة تعليم المسيح بتعليم بوذا تبين ان تعليم بوذا كان سلبياً بالحث على تجريد النفس من الشرور، واما تعليم المسيح فكان إيجابياً يحث النفس على البذل وفعل الخير للأعداء والأوداء…الى آخره”.

الى ان يقول بصراحة: “أما الذي أعول عليه في هذا فهو تفويض علم شأنه في السبعة عشر عاماً الى الله تعالى”.

انتهى الاقتباس من كلام السيد عبد الوهاب النجار…

هروب العائلة المقدسة الى مصر
هروب العائلة المقدسة الى مصر

لقد ولد الطفل يسوع وتربى وترعرع وكبر في وسط طبيعة ضاحكة غاية في الجمال وفي منتهى الرونق، فكأنها لتملي على الناس وتوحي اليهم نور المبادئ الأدبية السامية. في مثل تلك البيئة المشبعة بجمال الطبيعة وروعة الهدوء والسكينة، عاش السيد المسيح من السنة   الثانية عشرة الى الثلاثين. ولما دنت ساعة الانطلاق اخذ ينشر تعاليمه الفائقة ويقرنها بأعمال آيات  ومعجزات  مستمدة من الوهيته ، ولبث على هذه الحالة حتى سلم روحه الى ابيه السماوي، ولم نلمس في مجموعة أقواله وأعماله ما ينم عن شعوذة او نتيجة وخلاصة دروس عالية، حصل عليها بموجب شهادات مدرسية عالية، اذ انه لم يعرف في حياته البسيطة الهادئة غير مدرسة القرية، ولم يعمل غي عمل خطيب امه العذراء، ولم يترك قريته متغرباً في بلاد نائية طلباً لزيادة العلم والتحصيل، وكل ما يعرفه هو قريته الضئيلة وما يجاورها وما حواليها من بلاد الجليل والسامرة واليهودية.

اما تعاليمه فلم تكن ضد الشريعة الموسوية. لكنه أكملها. ومما ساءه منها انها تضع وسيطاً بين الانسان وبين الله وتحبذ الاشتغال بأعراض الأمور وظواهرها عن جواهرها وبواطنها. ولذلك كان عدوا لدوداً للتفاصيل التي كانت تخنق الأصل، وكان ضد الكهنة الذين لم يكن  لهم شغل غيرها. ويبدو لنا ان حالة يسوع هذه الراهنة كانت السبب الأكبر والوحيد في اختلاف الاشاعات والأخبار التي دارت حول شخصيته الفذة في تاريخ بني الانسان وسيدنا يسوع المسيح كان إنساناً كاملاً، وإلهاً كاملاً.

خاتمتنا

مايهمنا ان ربنا له المجد بدأ كرازته بعماده على يد يوحنا المعمدان الذي كان يعلم الناس ويعظهم بقوله ” آمنوا وتوبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” ولما تم عماد ربنا في نهر الاردن ظهر الثالوث الاقدس  اذ كان الابن الذي لبس الجبلة الشرية لخلاصنا كان صوت الأب يقول:” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” وظهر الروح القدس على رأس يسوع على شكل حمامة.

من هذا الوقت بدأت كرازة الخلاص مع يسوعنا الانسان الكامل ما خلا الخطيئة والاله الكامل الذي اجترح المعجزات فأطعم الآلاف من خمسة ارغفة وسمكتين، واقام الشاب ابن ارملة يائين الميت، واقام صديقه لعازار وشفى العميان والبرص والمخلع …واخيرا قام من الموت بسلطانه الالهي وقد اعترف قائد المائة الروماني “حقا كان هذا ابن الله” ثم صعد الى السماء بعد ان اتم الخلاص بذبيحته على الصليب وقيامته من الموت منهضا الجنس البشري الخاطئ ثم اطلق كنيسته مع السبعين يوم العنصرة بحلول الروح القدس على رؤوسهم فآمن للوقت خمسة آلاف.

ولكن علينا ان نتذكر عرس قانا الجليل لما فرغت الخمر فطلبت منه امه مريم ان يسعف اهل العرس فرد عليها:” مالي ولك ياامرأة لم تأتِ ساعتي بعد”… ومع ذلك لبى امه تنفيذا لواجبه نحو امه رغم ان ساعته لم تأت بعد…

وهذا هو لب الكلام في حياة ربنا وسيدنا يسوع المسيح من لحظة عماده الى قيامته من بين الاموات وصعوده الى السماء وجلوسه عن يمين الآب، ثم ارسال المعزي لتلاميذه وصوت ريح تعصف”اذهبوا وتلمذوا كل الامم معمدين اياهم باسم الآب والابن والروح القدس”

السبح والمجد لربنا الذي سيدين الاحياء والاموات…

مراجع البحث

أولا الكتب الأجنبية

L.Ci. Fillon, vie N.- S.Jesu-Christ,tim.3 Paris, 1922

Edouard Schure , Grands inities etc., Paris, 1929

ثانيا كتب اجنبية معربة

” حياة المسيح” / د. جورجي يوسف عقداوي . المنصورة

“تاريخ المسيح” / فرح أنطون الإسكندرية ١٩٠٤.

الأرشمندريت ( المتروبوليت) انطونيوس بشير ترجمة عن الإنكليزية نشرتها مكتبة العرب في مصر سنة ١٩٢٩.Giovanni Papani, Histoire du Christ (traduction) Paris 1923 (pp.454).

“يسوع ابن الانسان” بالانكليزية لجبران خليل جبران تعريب الأرشمندريت ( المتروبوليت) انطونيوس بشير، طبعة مصر سنة ١٩٢٣.

ثالثا كتب يونانية

غريغوريوس بابا ميخائيل: “يسوع المسيح كشخصية تاريخية” طبعة أثينا (رابعة) سنة ١٩٥٤ في ١٣٢ صفحة.

تريفون افنجليذس: “حياة المسيح” طبعة أثينا (ثانية) سنة ١٩٠١ في ٨٢٩ صفحة مصورة.

نيقولاوس ب. باركاس: “في ثقافة المسيح اليونانية” طبعة الإسكندرية سنة ١٩٠٨ في ٧٤ صفحة.

خريسنثوس ك. ماكريس: “نقد وتصحيح كتاب باركاس في ثقافة المسيح اليونانية” طبعة أثينا سنة ١٩٠٨.

رابعا كتب عربية

” على هامش سيرة المسيح” منتخبات مختارة من كتاب ” حياة المسيح” للعلامة الفريد ارشيم ، تعريب حبيب سعيد طبعة مصر ١٩٤٩.

“عبقرية المسيح” لعباس محمود العقاد طبعة مصر سنة ١٩٥٣ في ٢٢٣ صفحة بالقطع الصغير.

” المسيح عيسى ابن مريم” لعبد الحميد جودة السحار طبعة مصر ١٩٥٨ في ٢٥٦ صفحة من القطع الصغير.

“قصص الأنبياء” تاليف عبد الوهاب النجار، مدرس التاريخ الإسلامي بكلية أصول الدين، طبعة مصر سنة ١٩٥٣ من صفحة ٣٧١ لغاية صفحة ٤٠٢ من القطع الكبير.

“الحلقة المفقودة في سيرة حياة سيدنا يسوع المسيح”/ د. نجيب ساعاتي مدير معهد الدراسات اليونانية بالإسكندرية / مقال في مجلة النعمة، تشرين الأول ١٩٦٤.

“كتاب تاريخ الكنيسة القبطية” تأليف الشماس منسى القمص طبعة مصر ١٩٢٤ منم ص١ الى ص

الاب موريس خوري ” السنوات المجهولة من حياة الرب يسوع اين كان بين عمر ١٢ سنة حتى ال٣٠ سنة.

سؤال وجواب من الكتاب المقدس.