رحلة حج إيجيريا إلى الأراضي المقدسة
من هي إيجيريا؟
إيجيريا (Egeria أو Itinerarium Egeriae) هي رحالة وحاجة مسيحية من القرن الرابع المسيحي (يُعتقد أنها من شمال إسبانيا أو غالة)، اشتهرت بكتابة أقدم سرد تفصيلي موثق لرحلة حج إلى الأراضي المقدسة.]
معلومات أساسية عنها وعن رحلتها
فترة الرحلة: سافرت بين عامي 381 و384 للميلاد واستمرت رحلتها نحو ثلاث سنوات.
خط سير الرحلة: زارت الأماكن المقدسة في فلسطين ومصر (سيناء) وبلاد الشام (جبل نيبو) وبلاد الرافدين.زارت الأماكن المقدسة في فلسطين ومصر (سيناء) وبلاد الشام (جبل نيبو) وبلاد الرافدين.
كتابها: دّونت مشاهداتها في رسالة أو مذكرات طويلة موجهة إلى مجموعة من النساء في وطنها وصفتهن بـ”أخوات المحبة”.
أهمية النص: يُعد كتابها مصدراً تاريخياً نادراً لمعرفة جغرافية المعالم الأثرية ونظام الصلوات والطقوس الليتورجية المسيحية المبكرة في أورشليم
خط سير الرحلة زارت الأماكن المقدسة في فلسطين ومصر (سيناء) وبلاد الشام (جبل نيبو) وبلاد الرافدين.
كتابها: دّونت مشاهداتها في رسالة أو مذكرات طويلة موجهة إلى مجموعة من النساء في وطنها وصفتهن بـ”أخوات المحبة”.
أهمية النص: يُعد كتابها مصدراً تاريخياً نادراً لمعرفة جغرافية المعالم الأثرية ونظام الصلوات والطقوس الليتورجية المسيحية المبكرة في أورشليم.
اشتهرّ الحج بين نساء الطبقة الأرستقراطيّة خاصة، ونساء الطبقة المتوسطة عامّة، في العصور الوسطة، وكان له الأثر على أدب الحج النصيّ. وفي هذا القسم سنعرض نوعين من أدب الحج النصيّ وذلك من خلال رسالة إيجيريا لأخوات المحبّة، ورسالة جيروم التي كتبها لابنة باولا استوشيم رقم 108، وهي واحدة من رسائل عديدة للقديس جيروم.
تعتبر زيارة الامبراطورة هيلانة للأراضي المقدّسة بداية عهد جديد للمسيحية، فمن خلالها شجعت الطبقة الارستقراطيّة لسيدات روما لزيارة الأماكن المقدّسة في يهودا، الأردن والجليل، بالإضافة إلى مراكز الرهبنة في مصر، ومن أشهرهنّ الحاجة ميلانيا الكبرى، وحفيدتها ميلانيا الصغرى، باولا، بومبينيا، سيلفيا، فابيولا، فلافيا وغيرهنّ. لكن تُعد رحلة إيجيريا بين أعوام 381-384م، ورحلة باولا عام 385م الأشهر بينهنّ.
تشير روايات إيجيريا وباولا عن ميلاد نوع أدبي جديد يعرف بـ”خط سير الرحلة”، والذي ظهر في وقت واحد مع الطابع المؤسسي الرسميّ للحج نفسه، حيث أخذ كلا السردين شكل الخطاب عندما قامت إيجيريا بوصف رحلتها في رسالة إلى مجموعة من النساء وصفتهنّ بـ”أخوات المحبّة” واللواتي بقين في وطنهنّ. أما رحلة باولا فقد عرفت من خلال سالة نعي كتبها جيروم لابنتها ايستوشيم عام 404م، بعد وفاة والدتها، حيث تحتوي الرسالة على السيرة الذاتيّة لباولا مع سرد لرحلتها إلى الأماكن المقدّس. تحتلف كتابات إيجيريا وجيروم بشكل كبير، حيث تمتاز كتابة جيروم بأسلوب نثري أنيق وسلس اتبع فيه قواعد الأدب الشيشيروني (نسبة إلى الفيلسوف والمحامي ورجل الدولة الروماني شيشيرون 106ق.م-43ق.م)، أحد أفرع الأدب اللاتيني. من أهم خصائص هذا النوع من الأدب الأسلوب الخطابي البيلغ والطويل بنفس الوقت. في حين، كانت كتابات إيجيريا متأخرة بعيدة عن الأسلوب اللاتيني الكلاسيكي، ويعود السبب لكونها لم تتلقَ تعليمًا عاليًا في الأدب الكلاسيكي مثل سيدات الطبقة الارستقراطيّة، فأسلوب الكتابة عندها كان نثريًا بسيطًا لا يعتمد على القواعد الحديثة، فهي لم تكن كاتبة ولم تكن تعرف أنها تكتب خط سير رحلتها.
اعتمدت إيجيريا على كتاب العهد القديم في وصف رحلتها لأخوات المحبّة، حيث ذكرت الأحداث الواردة فيه والأماكن التي زارتها من ناحيّة تاريخيّة وجغرافيّة دون تصنيف لها ولا تفسير واضح. فهي لم تكن كاتبة معروفة مثل القديس جيروم، ذلك المؤلف المشهور صاحب الأثر الكبير لدى سيدات المجتمع الارستقراطي في روما بسبب كتاباته وأسلوبه الخطابي. ولم تكن رسالته رقم 108 موجهة إلى ايستوشيم، ابنة باولا، فحسب، وإنما كان المقصود منها العالم المسيحيّ بأكمله. كتبت إيجيريا رسالتها إلى أخوات المحبّة وبخط يدها أثناء رؤيتها للأماكن المقدّسة، بينما جيروم كتب رسالته 108 بعد وفاة باولا بعشرين عامًا، حيث وصف مسار رحلتها وصفًا دقيقًا، وحدّد من خلالها الموقع والزمن أيضًا. إنّ الفرق بين الرسالتين واضح عند قراءتهما، فرسالة إيجيريا كانت فوريّة عاطفيّة مليئة بالمشاعر، مقابل رسالة جيروم ذات الأسلوب العلميّ.
إنّ كل رحلة قامت بها إيجيريا كانت حقيقيّة، فهي تعبّر عن كل حدث ورد في العهد القديم والجديد، وكان هذا واضح في ورسالتها إلى اخوات المحبّة. إنّها بمثابة مذكرات شخصيّة مليئة بالعاطفة والمشاعر كما يصفها المؤرخون. فإيجيريا تمثّل تجربة دينيّة لحج النساء الزاهدات التائبات، هي صوتهنّ المسموع، هي صوت النصف الصامت من المؤمنات، بينما باولا، وبسبب الصداقة القويّة مع القديس جيروم، فإنّه من الصعب التمييز بين وجهة نظرها ووجهة نظره، وبالتالي لا يستطيع القارىء معرفة ما إذا كانت تمثّل باولا الحاجات التائبات أم لا، فكلاهما شاهد الأماكن المقدّسة بعيون الآخر.
فجيروم من خلال رسالته 108 لايستوشيم ورسالة رقم 46 والتي كتبها عام 386م لسيدة ارستقراطيّة تعيش في روما تدعى مارسيلا يحثّها فيها على القدوم إلى الأراضي المقدّسة كانت بمثابة تعبير كلاسيكي عن موقف جيروم الإيجابي فيما يتعلّق بالحج وزيارة الأماكن الدينيّة. بالنسبة له إنّها تجربة فريدة تساعد على فهم نصوص الكتاب المقدّس، وأن التعليم المسيحي للمسيحيين لا يكتمل حتى تتمّ زيارة القدس.
بالنسبة لإيجيريا كانت رحلة الحج كانت من “أجل الصلاة، دون مقابل”. فهي تؤمن بأنّ الصلاة في الأماكن المقدّسة لها معنى خاص وذات فائدة عظيمة. حيث تقول بهذا الصدّد: “لقد كانت ممارستنا دائمًا عندما نصل إلى أحد الأماكن لنقيم الصلاة، نقرأ الكتاب المقدّس، ثم ننشد المزمور المناسب للصلاة”. تستخدم إيجيريا مصطلح “ممارسة” وهذا يدّل على الممارسة المنظمة التي يقوم بها الرهبان المسؤولون عن الأماكن المقدّسة في فلسطين ومصر، حيث كانوا يقرؤون للمسيحيين المسافرين مقاطع من الكتاب المقدّس الخاصة بالموقع ثم يتلون الصلوات بعدها. بالنسبة لها، هم من يبثون روح الماضي المقدّس بالحاضر.
فيما يتعلّق بحج باولا، والذي كتب مسار رحلتها القديس جيروم، فلم ترد أي مصطلحات خاصة، وفضّل عدم وصف رحلتها إلى سوريا وفينيسيا، حيث قال: “لن أصف رحلتها عبر سوريا وفينيسيا، لأنني لم أنوِ تأليف كتاب سفر عنها، لكن سأذكر فقط الأماكن المذكورة في الكتاب المقدّس”.
من خلال الاطلاع على الرسالتين، نجد أن الأسلوب في الكتابة مختلف، وهذا ما أجمع عليه المؤرخون، فإيجيريا كانت تهتمّ بسرد الأحداث المقدّسة في نفس الزمان والمكان، لقد كتبت مصطلح “مقدّس” 186 مرّة، فالموقع المقدّس هو “مكان طقسي خالد لا ينسى”، فهي ربطت نفسها برباط مقدّس مع المكان، وأسلوبها في الرواية هو تشجيع الناس للحج. أما باولا فكانت تجربتها نصيّة بحثة غاب عنها سرد الرحلة. اقتصرت كتابة جيروم في رسالته على رؤيتها للأماكن وأهميتها، فهو لا يذكر أن باولا احتفظت بهدايا تذكاريّة من الرهبان، بعكس تجربة إيجيريا التي اعتبرت أن ما كان يوزعه الرهبان “بركات” من أراضي مقدّسة. فالرهبان عند إيجيريا هم “أناس حقيقيون مقدّسون، يعيشون فرادى أو جماعات، أصحاب سلوك مقدّس، مرتبطون بأرض مقدّسة”.
من خلال افتتاحيّة إيجيريا رسالتها بجملة “إلى المواقع وفقًا للإنجيل”. كانت مقتنعة بكلّ مزايا الحج وخاصة المتعلقة بالأماكن الدينيّة، حيث وصفتها بعبارة “أماكن رغبتي، أماكن اشتياقي”. وكانت دائمًا تؤكد في رسالتها لأخوات المحبّة على الجانب الليتورجي، والمقصود به العبادات والصلوات الاجتماعيّة بكل أنواعها، مثل صلوات الأسرار المقدّسة، المعموديّة، القداس الإلهي. لكن اختلف الأمر عند جيروم الذي يعتبر الأماكن المقدّسة وسيلة مساعدة لفهم الكتاب المقدّس، فالمواقع التاريخيّة هي دليل قوي على الأحداث التي وقعت فيها، وكان هذا واضحًا في رسالته لايستوشيم حيث قال: “في كل زيارة كانت تقوم بها باولا لأحد القديسين بكهوف الرهبان فإنها ترى السيد المسيح أمامها، لقد زارت مكان ولادته، وفاته، وقيامته”. فالقديس جيروم برى قداسة باولا من خلال رهدها الذي يتحكّم بمشاعرعا، فرؤيتها روحانيّة، والكتاب المقدّس هام لديها، لكن حضور السيد المسيح والإحساس بوجوده هو الأهم.
أما إيجيريا فكان الكتاب المقدّس دليلها الإرشادي، وكذلك فعلت باولا، لكن كلتا السيدتان اتخذتا طريقتين مختلفتين في التفسير. فإيجيريا كان يهمها رؤية الأماكن من أجل فهم الأحداث الموصوفة في نص الكتاب المقدّس. لقد عزّزت من جغرافية النص في وصف الأماكن المقدّسة، فعلى سبيل المثال عندما وصفت جبل سيناء الذي أثار دهشتها لكن لم يكن مفاجئًا لها للاقتناع بأنّ الطريق إلى “جبل الله” فوق الجبال العالية المحيطة “لا يمكن رؤيته بالفعل قبل أن يتسلقه المرء، إنّه أمر قد تمّ التخطيط إليه من قبل الله”. بالنسبة للقديس جيروم، فقد اهتمّ بأسماء الأماكن في رسالته دون وصفها. ومن المعروف عن جيروم أنّه كتب قاموسًا عن أصل الأسماء الواردة في الكتاب المقدّس ومشتقاتها، وقد اعتمد هذا النهج في روايته لحج باولا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كلمة صهيون تعني “القلعة”، وبيت لحم تعني “بيت الخبز”، وغزة تعني “القوة” أو “ثروات الله”، وبيت إيل تعني “بيت الله”. بالإضافة إلى نسبه لأسماء الأماكن بالجغرافيّا التوراتيّة، فمدينة عكا تعني “بطليموس”، وعمواس تعني “نيكوبولس”، واللد تعني “ديسبوليس”. فالأسماء لها أهميّة عنده، وكان واضح من وصفه لدموع باولا عندما وصلت لبيت لحم قائلة: “بيت لحم المباركة، بيت الخبز، مهد الخبز الذي نزل من السماء”.
لقد اهتمّ القديس جيروم بوصف بيت لحم بالذات لكونه مكان إقامته مع باولا التي توفيت فيها. يلاحظ في رسالة إيجيريا عدم اهتمامها بتفسير الأسماء، فعلم أصول الكلام لم يشكّل جزءاً من ثقافتها. كانت تشاهد المكان، وتسمع النص، وتصف الصلوات المقدّسة، والأعياد الدينيّة، وحياة الرهبان والراهبات، وطقوس التعميد. كما كانت تعرف كيفية قراءة النص، متجنبة النمطيّة في التفسير، بعكس باولا التي قرأت الكتاب المقدّس بعيون جيروم. إيجيريا اهتمت القداس والصلوات وبمسار رحلتها، بينما جيروم ركّز على تفسير النص الديني ومعناه العميق. كانت تجربة إيجيريا أقرب إلى الحج المسيحي المعروف في العصور الوسطى، أما جيروم وباولا فكانت تجربتهما في الحج قائمة على ما يُعرف بالحج العلميّ بالاعتماد على فهم وتحليل وتفسير ما ورد في الكتاب المقدّس. يلاحظ من خلال الرسالتين بأنّ أدب الحج النصي لم يفقد أهميته عبر العصور، وما زال المؤرخون يحاولون فهم موضوعات عدّة تتعلّق بهذا النوع من الأدب خاصة مسار رحلة الحجّاج في الأراضي المقدّسة، وتدوين وتسجيل كل ما يمرّون به أثناء سيرهم، والذي اختلف أسلوب الكتابة فيه من حاج لآخر..
لم تخبرنا الحاجة إيجيريا التي كتبت رحلتها باليونانية، الكثير عن نفسها، ولكن؛ لا بد أنها كانت سيدة شجاعة ومغامرة حتى تقوم برحلة طويلة مضنية استمرت ثلاث سنوات من السفر في الشرق. وأيضاً لا بد أنها سيدة ذات ثقافة رفيعة وذات ثراء، وهذا يؤكده اهتمامها الشديد بالجغرافيا والمعالم الأثرية، وليس فقط المأثورات الليتورجية المسيحية. وربما كانت إيجيريا على صلة مع البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية؛ إذ كان الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير من إسبانيا أيضاً، ووصل إلى القسطنطينية في الفترة ذاتها لوصول إيجيريا. علماً أن زوجة ثيودوسيوس، إيليا فلاسيلا، وابنة أخته سيرينا كانتا من المسيحيات المشهورات بعدائهن للوثنية. ويبدو أن الدوافع الكامنة وراء رحلاتها هي رغبتها في تعميق فهمها للكتاب المقدس؛ من خلال معاينة الأماكن ذاتها التي يفترض أنها كانت مسرحاً للأحداث الكتابية.
دونت الحاجة الإسبانية وقائع رحلتها وأرسلتها إلى أخواتها المؤمنات في وطنها، ومن الممكن أن المقصود بأخواتها مجموعة رهبانية نسائية مجهولة. حيث عثر على أجزاء من نص الرحلة في العام 1884 في مكتبة القديسة ماري في أريتسو بإيطاليا، وهي نسخة مخطوطة تعود إلى القرن الحادي عشر كتبها أحد رهبان دير مونتي كاسينو. تضم الأجزاء المتبقية من رحلة إيجيريا وقائع زيارتها إلى سيناء، وعودتها إلى فلسطين عبر السويس، وزياراتها المختلفة إلى المواقع المذكورة في الكتاب المقدس في فلسطين، بما في ذلك الوصف التفصيلي للقدس، ثم زيارتها لأنطاكيا والرها ورحلة العودة إلى القسطنطينية.
جبل سيناء وأسقف العربية
يبدأ الجزء الذي وصَلَنا من الرحلة في جبل سيناء، حيث ذهبت إيجيريا لترى ما تستطيع أن تراه مما ورد ذكره في كتاب العهد القديم. وهناك وجدت أدلاء ورهباناً وقساوسة أطلعوها على تفاصيل المكان، فصعدت إلى قمة الجبل المقدس حيث ظهر الرب لموسى، بحسب أسفار العهد القديم. ووجدت هناك كنيسة وديراً، أطلعها الرهبان المقيمون فيه على المكان الذي كان يُعتقد أن العجل الذهبي يقف فيه، كما أطلعوها على الأماكن التي شهدت جميع المعجزات المذكورة في الكتاب المقدس، بما في ذلك المكان الذي أنزل فيه المن والسلوى على بني إسرائيل، والوادي الذي تم الاحتفال فيه بعيد الفصح.
بعد جبل سيناء توجهت الحاجة إيجيريا إلى المكان المفترض لأرض جاسان في شرقي الدلتا المصرية حيث زارت مدينة رعمسيس المفترضة، ورأت فيها تمثالان كبيران، قيل لها إنهما يخصان القديسين موسى وهارون. كما دلوها على شجرة الجميز التي يُقال إن الآباء قد زرعوها؛ إذ إن هذه الشجرة كانت قد تحولت إلى مزار مقدس كما أخبرها أسقف العربية حين التقته في مدينة رعمسيس. وقد وصفت هذا الأسقف بأنه “رجل مسن تقي حقاً منذ أن أصبح راهبا، وكان لطيفاً في استقبال الحجاج، وعلى معرفة كبيرة بالكتاب المقدس. وبعد تكبد العناء للقائنا، أظهر لنا كل شيء هناك وأخبرنا عن التماثيل المذكورة أعلاه، وكذلك عن شجرة الجميز”.
وتضيف قائلة: “عشية عيد الغطاس المبارك، والوقفات الاحتفالية التي ستُقام في الكنيسة في نفس اليوم. أبقانا الأسقف هناك لمدة يومين. ومن هذا المكان، رافقنا جنود رومان، عبر مدينة العربية إلى طيبة ثم إلى بيلوسيوم، ومن هناك تابعنا رحلتنا باستمرار عبر أرض جاسان، بين الكروم التي تنتج النبيذ، والبساتين التي تنتج البلسم، والحدائق المزروعة لغاية المتعة، حيث يقع طريقنا بالكامل على طول ضفة نهر النيل. حيث لم أر قط بلداً أجمل من أرض جاسان. وهكذا سافرنا لمدة يومين من مدينة العربية إلى أن وصلنا إلى تنيس”.
أسبوع الآلام في القدس
وصلت الحاجة إيجيريا فعلاً إلى أرض فلسطين عبر الطريق الساحلي وهو الطريق التجاري الرئيسي المحمي من جانب الجيش الروماني في شبه جزيرة سيناء، ودخلت مدينة إيليا، أي مدينة أورشليم المقدسة كما تقول.
ويعد الجزء المتعلق بالقدس في هذه الرحلة هو الأكثر إثارة للاهتمام، فقد وصفت طقوس العبادة عند مسيحيي القدس، وتحدثت عن إنشاء ما لا يقل عن ست كنائس في الأماكن المرتبطة بالأحداث الكبرى في حياة المسيح. وسلطت الضوء على الطقوس والعبادات اليومية وعبادات يوم الأحد تحديداً في كل موقع مرتبط بحياة يسوع. وقد أدى قرب الكنائس من بعضها البعض، إلى ظهور سلسلة احتفالات موسمية وسنوية، تلعب فيها كل كنيسة دوراً محدداً في الليتورجيا السنوية، حيث وصفت إيجيريا ذلك بالتفصيل. واللافت أن الاحتفالات التي تستعيد مسيرة حياة يسوع، وإعادة تمثيل الأسبوع الأخير من حياته، واجتماع الحشود الكبيرة من جميع أنحاء القدس، وكذلك الحجاج من أماكن أخرى، كلها كانت موجودة حين وصلت الحاجة صاحبة الرحلة.
وقد رصدت حاجتنا العبادات اليومية بشكل مسهب في جميع كنائس القدس، وتحدثت عن أوقات إضافية للصلاة والترانيم وقراءة الكتاب المقدس خلال أسبوع الآلام، أو الأسبوع العظيم كما أطلق عليه المقدسيون في ذلك الوقت. تقول إيجيرا في ذلك: “في يوم الثلاثاء قاد الأسقف الناس إلى كنيسة إليونا على جبل الزيتون وقرأ لهم تعاليم يسوع لتلاميذه من متى 23-24. وفي مساء الأربعاء قرأ كاهن آخر المقطع الذي ذهب فيه يهوذا الإسخريوطي إلى كهنة اليهود ليبحث معهم ثمن خيانته للرب. تأوه الشعب وانهمرت الدموع. يوم الخميس، أقيمت طقوس خاصة مرة أخرى في كنائس جبل الزيتون، ثم ذهب الأسقف والمؤمنون إلى الجسمانية. بعد الصلاة والترانيم قرئ الكتاب الذي يصف عذاب يسوع. في الساعات الأولى من يوم الجمعة عادوا إلى كنيسة القيامة، حيث قرأ الأسقف قصة محاكمة يسوع من قبل بيلاطس. قبل أن يعودوا إلى منازلهم لأخذ استراحة قصيرة قبل أن يذهبوا إلى جبل صهيون للصلاة عند العمود في منزل قيافا حيث جلد يسوع”. وتضيف القول إن “يوم الجمعة من أكثر أيام الأسبوع العظيم احتفالاً في القدس. في الصباح، أحضروا خشبة الصليب الذي وجدته الملكة هيلانة. ثم بعد ساعات تقدم الحجاج لرؤية الرفات المقدس. حيث استغرقت الخدمة مدة ثلاث ساعات. قرأت مقاطع من الكتاب المقدس باستمرار وكانت تنشد الترانيم، لتُظهر للناس أن كل ما قاله الأنبياء سيحدث في ما يتعلق بآلام الرب
طقوس المعمودية
وفي ما يتعلق بطقس المعمودية في عيد الفصح في القدس. قالت إيجيريا: “يجب أن أصف أيضاً كيف يتم تعليم أولئك الذين سيتعمدون في عيد الفصح. من يعطي اسمه يفعل ذلك في اليوم السابق للصوم… وهذا قبل تلك الأسابيع الثمانية التي، كما قلت، يُحتفل فيها بالصوم الكبير… في اليوم الأول من الصوم الكبير… ينصب عرش للأسقف في وسط الكنيسة الكبرى. يجلس الكهنة على مقاعد من الجانبين، ويقف جميع رجال الدين حولها. يتم دفع المرشحين واحداً تلو الآخر بطريقة تجعل الرجال يأتون مع عرابيهم والنساء مع عرّاباتهن. ثم يسأل المطران بشكل منفرد جيران الصاعد للعماد: هل يعيش حياة تقية؟ هل يطيع والديه؟ هل هو سكير أم كاذب؟ ويسأل عن رذائل أخرى أشد خطورة. إذا ثبتت براءته من كل هذه الأمور، يكتب الأسقف اسم الرجل بيده. أما إذا كان متهماً بشيء ما، يأمره الأسقف بالخروج ويقول: “دعوه يغير حياته، وإذا فعل ذلك فليقترب من جرن المعمودية”. يقوم بنفس السؤال لكل من الرجال والنساء. ومع ذلك، إذا كان شخص ما غريباً، فلن يتمكن من الحصول على المعمودية بسهولة، إلا إذا كان لديه شهود يعرفونه”.
جبل نبو
وتحدثنا إيجيريا عن زيارتها لجبل نبو في الأردن الحالي حيث تقول: “وصلنا إلى قمة الجبل، حيث توجد الآن كنيسة ليست كبيرة الحجم، على قمة جبل نبو. داخل الكنيسة، في المكان الذي يوجد فيه المنبر، رأيت مكانًا مرتفعًا قليلاً، مساحته بحجم القبر. سألت الكهنة عن هذا، فأجابوا: هنا وضع الملائكة موسى القديس، لأنه كما هو مكتوب: لا أحد يعلم بمكان دفنه، ومن المؤكد أن الملائكة دفنوه هنا”.
بعد أن أمضت إيجيريا ثلاث سنوات في القدس، ورأت جميع الأماكن المقدسة قررت أن تذهب إلى بلاد ما بين النهرين في سورية، قبل أن تعود إلى بلادها. ويبدو أن أخبار الرهبان في جبل الرها هي التي دعتها لهذه الزيارة. تقول الحاجة: “انطلقت من أنطاكيا إلى بلاد ما بين النهرين باسم المسيح، وسرت عبر بعض المحطات والمدن في ولاية كويل سورية (سورية المجوفة)، ودخلت حدود ولاية أوغيستوفراتينيسيس (الفراتية)، ووصلت إلى مدينة هيرابوليس (منبج)، ولأن هذه المدينة جميلة جداً وغنية وتزخر بكل شيء، كان من الضروري بالنسبة لي أن أتوقف هناك. ثم انطلقنا إلى المحطة رقم 15 على نهر الفرات. وهو نهر عظيم له تيارات مثل نهر الرون، لكن نهر الفرات أكبر من الرون. ولأننا مضطرون للعبور بالسفينة، ويجب أن تكون سفينة كبيرة، فقد انتظرت هناك إلى ما بعد منتصف النهار، ثم باسم الله عبرت نهر الفرات ودخلت حدود بلاد الرافدين في سورية”.
وتتابع إيجيريا بعد ذلك، سفرها أتيت إلى مدينة باتانيس، ومن هناك إلى الرها، وعند وصولها، زارت الكنيسة المبنية على اسم القديس توما، وأقامت الصلوات، وقرأت بعض الأشياء المتعلقة بالقديس توما نفسه. وتصف الكنيسة بأنها رائعة جداً وذات بناء جديد. وخلال ثلاثة أيام زارت معالم المدينة، والرهبان المقدسين، الذين كان بعضهم يقيم في الصوامع في أماكن منعزلة بعيدة عن المدينة.
في قصر الملك أبجر
استقبلها أسقف مدينة الرها بطيب خاطر وقادها أولاً إلى قصر الملك أبجر، حيث أراها تمثالاً رخامياً عظيماً له، يشبهه إلى حد كبير، كما قالوا لها، يلمع كاللؤلؤ. وقالت: “بدا من وجه أبجر أنه كان رجلاً حكيماً وصاحب شرف. ثم قال لي الأسقف: هو ذا الملك أبجر الذي آمن بالمسيح. كان هناك تمثال آخر بالقرب منه، مصنوع من نفس الرخام قال إنه لابنه معن؛ وله نفس ملامح وسماحة والده. ثم دخلنا إلى الجزء الداخلي من القصر، وكانت هناك نوافير مليئة بالأسماك لم أر مثلها من قبل، بحجم كبير جداً، ومشرقة جداً. المدينة ليس بها ماء على الإطلاق باستثناء ذلك الذي يخرج من القصر على شكل نهر فضي عظيم”.
وقد روى لها الأسقف قصة الملك أبجر مع يسوع المسيح وهي نفس القصة المتداولة الآن حول الرسالة التي أنفذها للمسيح مع حنانيا، وكيف أن صلاة أبجر أنقذت المدينة من حصار جيش الفرس لها.
بعد ذلك توجهت إيجيريا إلى مدينة حران القريبة من الرها، وعندما وصلت إلى حران ذهبت مباشرة إلى الكنيسة التي تقع داخل المدينة، وقابلت الأسقف الذي وصفته بالراهب المعترف، حيث أخذها إلى أماكن الزيارة مثل الكنيسة التي بنيت خارج المدينة، وروى لها ما ورد في الكتاب المقدس عن هذه الأماكن المرتبطة بسفر التكوين.
ومن حران عادت إيجيريا إلى أنطاكيا ومكثت لمدة أسبوع ثم توجهت إلى مدينة طرسوس عاصمة ولاية كيليكيا، ومن هناك انتقلت إلى إيصوريا، ومن هناك إلى قبدوقيا، ثم غلاطيا، ثم بثينيا حتى وصلت إلى خلقيدونيا، حيث مكثت يوماً قبل أن تعبر إلى القسطنطينية.

مقتطفات من يوميات رحلة الحج وفق المخطوط…
في سيناء أمام الجبل السبت ١٦ كانون االأول ٣٨٣ مسيحية
١… أرانا ( المرشدون) الأماكن، وفقاً لما وردت في الأسفار المقدسة. في الطريق، بلغنا مكاناً انفرجت فيه الجبال التي كنّا نسير بينها، وكوَّنت وادياً فسيحاً ومستوياً بالغ الجمال. ومن وراء الوادي(١)، أطلّ جبل الله المقدّس، سيناء. وهذا الموضع الذي تنفرج فيه الجبال يتصل بالمكان الذي تقوم فيه “قبور الشهوة”(٢).
٢… ولدى وصولنا إلى ذلك الموقع، نبّهنا مرشدونا الذين كانوا يرافقوننا(٣)، قائلين: “تلك هي العادة، إن من يصلُ إلى هنا يتلو صلاةً، لأنه يرى جبل الله لأول مرة”. وهكذا فعلنا نحن أيضاً. وكانت المسافة، من موقع هذا الوادي الفسيح حتى جبل الله، تقارب الأربعة أميالٍ.
الوادي
١… في الحقيقة كان هذا الوادي فسيحاً، ويمتد في أسفل منحدر جبل الله- على ما قدّرنا بمجرّد النظر، وعلى حد قول مرافقينا- على طول ستة عشر ألف خطوة تقريباً، وأربعة آلاف خطوة عرضاً(٤). كان علينا إذن أن نجتاز ذلك الوادي حتى نصعّد في الجبل.
٢…وفي هذا الوادي الفسيح المنبسط نزل بنو اسرائيل فيما صعد النبي موسى إلى جبل الرب، وأقام فيه أربعين يوماًوأربعين ليلة(٥).وفيه صُنِعَ عجلُ الذهب، في موضع يُشار اليهحتى اليوم، بحجر ضخم قائم في المكان(٦). وفي أقصى هذا الوادي، يقوم الموضع الذي كان فيه موسى يرعى قطعان حميه(٧)، وفيه خاطبه الربُّ مرّتينمن العُليّقة المحترقة(٨).
وصف سيناء
١… يبدو الجبل من الجوار، وكأنه قمة وحيد. ولكن عند التوغل فيه، تظهر قممٌ عدّة، يسمى مجموعها جبل الله. وإن إحدى تلك القمم، التي في أعلاها، يقع الموضييع الذي هبط فيه جلال الله(٩)، كما هو مكتوب، تتميز من بين القمم الأخرى كلّها.
٢…وعلى الرغم من أن سائر القمم المحيطة تتناهى في العلو حتى إني، على ما أظن، لم أرَلها شبيهاً، تبقى القمة التي في الوسط والتي حلَّ عليها جلال الله أعلى من سائر القمم كلها. ويتحقق المرء من ذلك، في نهاية تسلق الجبل، إذ تبدو القمم التي تخيلها شامخة، وبعد ان ينظر إليها من علُ، وكأنها هضبات صغيرة.
٣… هناك أيضاً أمر مذهلا يمكن أن يُفسّر، على ما أظنّ، بدون نعمةٍ منه تعالى، وهو أن جبل الوسط هذا، الذي يُدعى حصراً جبل سيناء، حيث جلَّ جلال الله، وهو الجبل الأكثر علوّاً من سائر الجبال المحيطة. ومع ذلك، لايمكن رؤيته إلا عند بلوغ سفحه، قبل تسلقه. وبعد أن يحقق المرء رغبته في تسلّقه وينزل منه، حينئذ يراه مواجهةً، فيما يستحيل عليه ذلك قبلاً. لقد كنت على علمٍمسبق بهذه الميزة، وقد أطلعني عليها الإخوة قبل الوصول الى جبل الله، إلا أنني تأكدت من صحتها بعد أن وصلت.
مساء السبت، سلكنا طريق الجبل ووصلنا إلى صوامع حيث استقبلنا الرهبان المقيمون فيها بكل لطف وأكرموا ضيافتنا. وهناك كنيسة يقوم كاهن على خدمتها.
الصعود الى سيناء ( الأحد ١٧ كانون الأول)
فأمضينا الليلة فيها، وفي الصباح الباكر، يوم الأحد، بدأنا بتسلق الجبال، الواحد تلو الآخر، برفقة الكاهن والرهبان القاطنين المنطقة، ويتطلب ذلك جهداً مضنياً، لأن المرء لا يمكنه التسلق على مهل والدوران لولبياً، كما يقال ، لكن عليها تسلقها مباشرة كتسلقه الحائط. وعلى هذا النحو أيضاً، يُهبط منها، أي بطريق مستقيم، حتى البلوغ إلى أسفل الجبل الأوسط، جبل سيناء بالذات.
وهكذا، بمشيئة المسيح إلهنا، وبعون صلوات مرافقيّ القديسين، كنت أمشي بعناء كبير، مرغمة على الصعود سيراً على الأقدام – لتعذر الصعود على ظهر مطية -. إلا أني لم أشعر بعنائي. وإذا لم أكن أشعر بالعناء فلأنني كنت أرى الرغبة التي فيَّ تتحقّق بحسب مشيئة الله الصالحة.
وعند الساعة الرابعة (أي الساعة العاشرة صباحاً)*، بلغنا قمة جبل الله المقدس، سيناء، حيث نزلت الشريعة، أي في الموضع الذي حل مجدُ الرب (١٠)، يوم كان الجبل كله مدخناً(١١)
على قمة الجبل
تقوم اليوم في ذلك الموضع كنيسة غيرُ كبيرة، ؟لأن الموضع ذاته، أي قمة الجبل، قليل الإتساع. أما الكنيسة(١٢) ذاتها جميلة للغاية.
لقد نا إذن بمشيئته تعالى، صعدنا الى القمة وبلغنا باب الكنيسة. فلاقانا، خارجاً من صومعته، الكاهن خادم الكنيسة: إنه شيخ جليل، ترهَّب منذ صباه، وهو، على ما يُقال هنا، ناسكٌ، أهل ليكون في هذا المقام. وجاء أيضاً لملاقاتنا كهنة آخرون وجميع الرهبان القاطنين هناك، في جوار الجبل، أقله الذين لا يعيقهم ضعفٌ أو تقدم في السّن.
ولكن على قمة الجبل عينها لا يسكن أحد، وليس هنالك سوى الكنيسة والمغارة التي أقام فيها موسى(١٣).
حينئذ قرأنا ماتيسَّر لنا من كتاب موسى، وأُقيمت الذبيحة حسب الطقوس المألوفة وتناولنا ( القربان المقدس). وعند خروجنا من الكنيسة قدَّمَ لنا كهنة الموضع بركةً(١٤)، ثماراً تنبت على الجبل نفسه. لأنه بالرغم من أن جبل سيناء المقدس صخريٌّ بكامله، لا شجيرة فيه، فلقد يوجد عند سفح هذه الجبال، حول الجبل الأوسط كما حول الجبال الأخرى، بعض فسحات ترابّية يغرس فيها الرهبان الأتقياء، بكل اعتناء، أشجاراً صغيرة ويهيئون بساتين ومباقل بالقرب من صوامعهم. فيُخَّيل أنهم يجنون ثماراً من أرض الجبل عينها، فيما هم يحصّلونها من عمل أيديهم.
وهكذا، بعد أن تناولنا ( القربان المقدس)، ووزّع رجالُ الله علينا التبريكات وخرجنا من الكنيسة طلبتُ إليهم أن يرونا كلَّ موضع. فتكرّم رجالُ الله أولئك وأرونا كل شيء : المغارة حيث وقف موسى حين صعد إلى جبل الله، للمرة الثانية(١٥)، وتسلم ألواح الشريعة من جديد بعد أن كسر الأولى بسبب خطيئة الشعب (١٦). وكل المواضع التي كنا نرغب في رؤيتها، أو تلك التي يعرفونها هم أنفسهم أحسن معرفة، فلقد تفضلوا وأرونا إيّاها.
ونتابع في وصف يوميات الرحلة…حيث نصف جبل حوريب
جبل حوريب
تقول إيجيريا: وبعد أن تحقّقت كاملةً الرغبةُ التي حملتنا على الصعود بمثل هذا الحماس، أخذنا ننحدر من قمة جبل الله حيث كنا صعدنا، نحو جبل مجاورٍ يُدعى “حوريب”(١٧)، وفيه كنيسة.
وحوريب هذا هو الموضع الذي أقام فيه النبي إيليا، عندما هرب من وجه آخاب الملك وحيث كلّمه الله قائلاً: “ومابالك ههنا، يا إيليا”، كما يروي سفر الملوك(١٨). والمغارة التي اختبأ فيها إيليا قائمة هنالك حتى اليوم أمام باب الكنيسة. كما يُشاهد أيضاً مذبحُ الحجر الذي نصبه إيليا ليقدم ذبيحة للربّ،على ما تفضّل رجال الله وأرونا إياه.
فقدمنا إذن نحن أيضاً الذبيحة هنالك، وصلّينا بحرارة وقرأنا ما ورد في سفر الملوك. تلك كانت عادتنا في الواقع، في كل الأمكنة التي أرغب في رؤيتها، أن نقرأ دوماً، حال وصولنا الفصل الملائم من التوراة.
وبعد أن قدمنا الذبيحة (الإلهية) توجهنا الى موضع آخر غير بعيد أرانا إياه الكهنة والرهبان: الموضع الذي أقام فيه هارون والسبعون شيخاً من شيوخ إسرائيل، حينما كان موسى يتسلم من الرب لوحي الشريعة…
وإذا بالساعة تقارب الثامنة، كان علينا بعدُ أن نجتاز ثلاثة أميال لنخرج نهائياً من الجبال التي كنا قد توغّلنا في شعابها، مساءَ الأمس. وكان يجب أن لانخرج من الجهة التي كنا قد دخلنا منها، لكي يتسنى لنا أن نزور الأماكن المقدسة كلها ونرى كل الصوامع التي هنالك، فنخرج من طرف الوادي الذي تلمتُ عنه، اي الوادي المنبسط في أسفل جبل الله.
ولذا اقتضى الأمر أن نخرج من طرف ذلك الوادي: لكثرة ما هنالك من صوامع لرجال الله، ولوجود كنيسة في موضع العليقة. والعليقة هذه لاتزال حتى اليوم معمِّرة وتنبت براعم (٢٠).
العليقة الملتهبة
بعد أن نزلنا من جبل الله، انتهينا الى العليقة، حوالي الساعة العاشرة. إنها العليقة التي منها كلم الله موسى من وسط النار: إنها في الموضع من طرف الوادي حيث تكثر الصوامع ( الرهبانية) وتقوم كنيسة. وامام الكنيسة يمتّد بستان جميل جداً ترويه ماء عذبة وغزيرة، وفي داخله العليقة.
ويُرى أيضاً بالقرب من هذا، الموضع الذي وقف فيه موسى عندما ناداه الله قائلاً:”…إخلع نعليك…”(٢١)، وكانت الساعة العاشرة عندما انتهينا الى الموضع. ولما كان النهار قد مال، لم نستطع أن نقيم الذبيحة، ولكن صلّينا في الكنيسة، وفي البستان أيضاً بالقرب من العليقة، وقرأنا كالعادة فصلاً من سفر موسى. وإذ كان المساء تناولنا وجبة الطعام في البستان، أمام العليقة، مع رجال الله، ونصبنا الخيام لقضاء الليل.
نكتفي في هذا الشطر من الرحلة وننتقل الى الشطر المختص بجبل نبو
في جبل نبو (شباط ٣٨٤)
وبعد ذلك بمدّة، وبمشيئة الله، رغبت في أن أنطلق إلى العربية، إلى جبل نبو (٢٢) حيث أمر الله موسى بالصعود، قائلاً: “إصعد إلى جبل العرابيم (العباريم) هذا، جبل نبُو الذي في أرض مؤآب تجاه أريحا، وانظر أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل ملكاً. ثم مُتْ في الجبل الذي أنت صاعد إليه…”(٢٣).
وهكذا إذن، فإن ربنا يسوع المسيح الذي لايترك الذين يرجونه قد تنازل، هذه المرّة أيضاً، وأنعم عليّ بتحقيق رغبتي.
الأردن
إنطلقنا من أورشليم وسرنا بصحبة القديسين، وهم كاهن وشمامسة إنجيليون من أورشليم وبعض الإخوة، اي الرهبان، فبلغنا الموضع في الأردن(٢٤) الذي فيه عبر بنو إسرائيل عندما أجازهم يشوع بن نوننهر الأردن، على حسب ماورد في سفر يشوع بن نون(٢٥).
……….
على قمة جبل نَبُو
بلغنا إذن قمة جبل نبو. وعلى تلك القمة تقوم الآن كنيسة ليست بكبيرة. وفي داخلها حيث المنبر(٢٦) شاهدت موضعاًقليل الارتفاع بحجم القبور العادية.
فسألت عمّا يمكن أن يكون هذا، فأجابوا: “هذا هو الموضع الذي وضع فيه الملائكة رجل الله موسى، لأنه كما هو مكتوب: “ةلم يعرف أحدٌ قبره”(٢٧)، فمن المؤكد أن الملائكة دفنوه. وفي الواقع لم يُشرأحدٌ حتى اليوم إلى قبر وُضع فيه. إلا أن الرهبان الأقدمين الذين أقاموا هنا أرونا الموضع الذي وُضع فيه، وكذلك نحن نريكموه. وأولئك الأقدمون أنفسهم قالوا إنهم تناقلوا هذا التقليد ممن هم أقدم منهم” (٢٨).
من اورشليم الى انطاكية
بعد ذلك باسم الله، اذ كان مضى على وصولي الى أورشليم ثلاث سنوات كاملة، زرت خلالها جميع الأماكن المقدسة للصلاة، وقد قصدت أن أعود إلى بلادي ، عزمت ايضاً ان اذهب الى مابين النهرين في سورية لأزور الرهبان القديسين. ويقال إنهم كثرٌ في تلك المنطقةويعيشون عيشة رائعة تفوق كل تعبير، ولكي أصلي على ضريح القديس توما، حيث وُضعَ جثمانه في الرها….
من أنطاكية الى الرها
الفرات وهكذا باسم ربنا يسوع المسيح، إنطلقت من أنطاكية الى مابين النهرين مروراً بمحطات عديدة أو مدن من إقليم “سورية-المجوفة”، أي اقليم أنطاكية. ومن هناك جزنا الى ارض إقليم الفرات وبلغنا هيرابوليس(منبج) عاصمتها.
وهكذا انطلاقاً من هيرابوليس ، وعلى بعد خمسة عشر ميلاً، بلغت، باسم الله، نهر الفرات الذي يقول فيه الكتاب بحقّ إنه ” النهر الكبير، نهر الفرات”…واذ كان علينا ان نعبره على متن مركب، ومن المراكب الكبيرة فقط، اضطررت الى الانتظار أكثر من نصف نهار. ثم باسمه تعالى عبرتُ الفراتوجزتُالى أرض ما بين النهرين السورية.
الرها ١٩-٢١نيسان ٣٨٤
…بلغنا باسم يسوع المسيح ربّنا الرها. وحال وصولنا توجهناالى كنيسة القديس توما وضريحه، وبعد ان صلينا كعادتنا، وقمنا بكل ما نقوم به في الأماكن المقدسة، قرأنا بعض النصوص المتعلقة بالقديس توما….
العودة الى القسطنطينية
من أنطاكية الى سلوقية ايار ٣٨٤
لدى عودتي الى أنطاكية، أمضيت فيها أسبوعا، مما يكفي لتحضير لوازم السفر، ثم غادرت ُ أنطاكية، وبعد عدة محطات بلغت مقاطعة تدعى كيليكيا، وعاصمتها مدينة طرسوس التي مررت بها في طريقي الى اورشليم. ولما كان ضريح القديسة تقلا في ايصورية على بعد ثلاث محطات من طرسوس سرني جداً أن أزوره سيما وأنه كان قريباً…ثم تابعت ايجيريا طريقها الى القسطنطينية وزارت كل الكنائس وقامت بتأدية الشكر لربنا يسوع المسيح …
في القسم الثاني الليتورجيا الاورشليمية مع وصف رائع جداً لأنواعها ودور الاسقف الاورشليمي في الاعياد المباركة التي شهدتها وشاركت فيها… وانه نظراً الى كبر يوميات رحلات الحج هذه وكي لانوقع القارئ بالملل نتوقف هنا ولنتذكر ان هذه كانت اول رحلة حج مسيحية من اوربة الغربية ودامت كل هذه المدة بوصف دقيق جداً حاولنا ان نفسر بعض الأمور غي المعتادة… لعلنا نصل الى عمق روحانية هذه الرحالة المتقدسة…وشاكرين ربنا له المجد انه أهلنا ويؤهلنا دائماً لاطلاع الاحبة القراء والمتابعين والمهتمين بما نكتبه من تدوينات نعيد إحياء ذكراها وقصدنا الأجر والثواب من رب المجد يسوع المسسح لي ولعائلتي وخدمة للكنيسة وكرسينا الأنطاكي المقدس…
حواشي البحث:
١…هذا الوادي هو “سهل الراحة”، يصل المرء إليه من الممر الجبلي المدعو “نقب الهوا”. وفي أقصاه ينتصب “رأس الصفصافة” كالسد، يشكل برؤوسه الثلاثة الطرف الشمالي الغربي من جبل سيناء.
٢…هو المكان الذي دُفِّنَ فيه، على ما يقال، العبرانيون الذين عاقبهم الله بالموت، لأكلهم من السلوى، راجع سفر العدد ١١ : ٣٤.
٣… هم بعض رهبان المنطقة الذين قاموا بمهمة الدليل.
٤…لاشك أن هذه التقديرات تقريبية، فإن “سهل الراحة” يتصل إلى الجنوب الشرقي ب”وادي الدير”المحاذي لجبل سيناء، وإن مجموعهما يؤلف ما يشير إليه النصّ.
٥…الخروج ٢٤ : ١٨
٦… الخروج ٣٢. إن التقليد يحدّد هذا الموقع في ” جبل هارون” القائم عند مدخل ” وادي الدير”.
٧…الخروج ٣ :١
٨… الخروج ٣: ٢ – ٤ : ١٧.
٩…الخروج ١٩ : ١٨ ، ٢٠ ، ٢٤ : ١٦.
- كان التوقيت الدارج قديماً يقسم النهار والليل الى مجموعات من ثلاث ساعات: فالساعة الأولى تناسب الساعة السادسة في توقيتنا الحالي، والثالثة، التاسعة. والسادسة الثانية عشرة ظهراً. والتاسعة، الثالثة بعد الظهر، والثانية عشرة تساوي الساعة السادسة مساء في توقيتنا وهذه نجدها واضحة في يوميات عذابات يسوع والصلب… فعلى القارئ تدوينتنا كلما وجد في النص ساعة أن يطابقها على هذا الجدول ليتضح له الوقت كما نعيش حالياً…
١٠…الخروج ٢٤ : ١٦
١١…الخروج ١٩ : ١٨.
١٢…لقد عثر العلماء على بقايا وأسس الكنيسة المثلثة الأروقة التي زارتها إيجيريا. لم تكن حنيتها مستديرة بل متعددة الأضلاع. وبعد أن هُدمت في القرن السادس بُني مكانها معبد صغير زاره الرحالة على مرّ العصور.
١٣…الخروج ٣٣: ٢٢.
١٤…البركة هذه، أو “أورلوجيا” كانت تطلق في الأساس على ” الخبز الذي يقدمه المؤمنون للذبيحة ولم يكّرَس”. وبعد تبريكه كان يوزع على المؤمنين الحاضرين (البروته) في الكنيسة الأرثوذكسية على المؤمنين المشاركين في القداس الالهي كتقليد مبارك في كل الكنائس الأرثوذكسية. اُطلقت الكلمة أيضاًعلى التقادم الصغيرة الأخرى كتوزيع العنب في عيد التجلي…، وكذلك الفاكهة والحلوى، والزيت: التي كان يتبادلها الأساقفة أو يقدمها الرهبان لضيوفهم. وغالباً ما كانت توضع في قوارير صغيرة يطلقون عليها أحياناً اسم ” أولوجيا”.
١٥…الخروج ٣٤.
١٦…الخروج ٣٢ : ١٩.
١٧… الخروج ١٧ : ٦.
١٨… الملوك الأول ١٩ : ٩
١٩…الخروج ٢٤ : ٩ -١٤.
٢٠…في دير القديسة كاترينا في سيناء العليقة
٢١…الخروج ٣: ٢-٥
٢٢…إن جبل نيبو، أو نَبو حسب الترجمة السبعينية هو ” رأس الصياغة” في جبال عباريم، وهي سلسلة من الجبال في بلاد موآب، إلى الشمال من المنطقة الجبلية الممتدة إلى شرقي البحر الميت.
٢٣…. وقع في هذا النص (تثنية الاشتراع ٣٢ : ٤٩ -٥٠/ راجع العدد ٢٧ : ١٢) الذي تورده إيجيريااختلاط لبن ” العرابيم” الذي يُطلق عادةً على جزء من الوادي الممتد بين الأردن والبحر الميت، عرابيم موآب” أو “صحراء موآب”
٢٤… يقع الموضع قبالة أريحا.
٢٥…الفصلان ٣ و٤.
٢٦…المنبر أو الأمبون مكان مرتفع في الكنيسة الارثوذكسية الرومية، كان يقف فيه القراء لقراءة مقاطع من الليتورجيا، والاكليروس لقراءة الفصول الانجيلية وإلقاء العظات على المؤمنين.
٢٧…تثنية ٣٤ : ٦.
٢٨…إن هذا المقطع الغامض قد أربك في الحقيقة العلماء والمفسّرين. فكيف يمكن أن يُشاهد الزوار ضريح موسى، وفي الوقت نفسه يُقال لهم:”ولم يعرف أحد قبره” والأغلب ان كلمة الضريح المستخدمة آنذاك لا تعني المدفن ذاته إنما نصباً تذكارياً، كما يفيد المفسرون الحاليون.


