كاتدرائية دمشق _ كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان

كاتدرائية دمشق _ كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان

كاتدرائية دمشق  Καθεδρικός Ναός (للـ«كاتدرائية» بمعنى الكنيسة الكاتدرائية) من كلمة “كاتدرا” اليونانية ومعناها المنصة أو السدة…كاتدراΚαθέδρα (وتعني «مقعد/كرسي الأسقف».

وهي كنيسة البطريرك أو المطران أو رئيس الاساقفة  Καθεδρικός Ναός. ومن هنا (كرسي الكاتدرا) الدي يوضع عادة في هيكل الكنائس الأرثوذكسية الكبيرة خلف المائدة المقدسة . ككرسي Καθέδρα الكاتدرا الجميل في الكاتدرائية المريمية بدمشق. والكاتدرا الحجري الفخم في كاتدرائية القديسين بطرس وبولس الأرثوذكسية في مدينة انطاكية.

صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق/ القديس يوحنا المعمدان
صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق/ القديس يوحنا المعمدان

في تاريخ كاتدرائية دمشق

كاتدرائية دمشق حسب تسلسلها التاريخي

كانت كاتدرائية دمشق الارثوذكسية الرومية  Καθεδρικός Ναός أولا هي  كنيسة  القديس حنانيا الرسول،( وهي غير الموجودة حاليا ولكن  كانت بجانبها …و هي كانت بيت حنانيا الرسول في زمانه، وصارت كنيسة ارثوذكسية الى عام 1848 عندما وضع اللاتين اليد عليها بأمر من والي دمشق العثماني، والحقت بإرسالية اللاتين ومطرانها في حلب) اما كنيسة حنانيا، وهي الكنيسة الكاتدرائية فقد  تحولت إلى المسجد الحالي الواقع في المنطقة عند اقتحام خالد  بن الوليد الباب الشرقي ودخوله على رأس قواته شرقي دمشق حرباً،  وبموجب شريعة الفتح!!! تحولَّت فوراً كلُ الكنائس في شرق دمشق المفتوحة حرباً الى جوامع. وكانت تسمى “كنيسة المصلبة” أو “كنيسة الصليب المقدس”. وكانت دار اسقفية دمشق تقع بجانبها، والجامع حالياً في موقعها.

وفي سنة 379 مسيحية .أمر الأمبرطور ثيودوسيوس الكبير بإنشاء كاتدرائية Καθεδρικός Ναός يوحنا المعمدان وبجانبها دار الأسقفية فأصبحت كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، هي كاتدرائية دمشق لأسقفية دمشق الرومية.

 نبدة في تاريخها

صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان
صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان

في عهد أبراهيم الخليل المكنى (الكلداني). أنشأ ألآراميون في القرن العشرين قبل المسيح. معبداً للإله (رمون) إلههم . وكانت في دمشق وقتئد دولة آرامية قوية انتهت حين إستيلاء الآشوريين عليها سنة 720 ق م . وفي عهدهم أستولى المصريون على سورية مدة من الزمن في القرن السادس قبل الميلاد. وحكموا دمشق وأدخلوا في معبدها عبادة إلههم (آمون). كما كانت عادة كل الفاتحين الذين كانوا يُدخلونَ آلهتهم في عبادات وآلهة الشعوب المغلوبة، مع اقتباسهم لآلهة هده الشعوب وإطلاق اسماء جديدة عليها من عندهم، وكان معبد (رمون) يشكل ربع مساحة دمشق آنداك.

ومع قيام الإسكندر المقدوني بفتح سورية في عام 333 ق.م  بعد انتصارِه في معركة إيسوس. تغلبتْ جيوشُه على الجيش الفارسي، مما فَتَحَ له الطريق للتوسعِ في الشام، والتُقَّدم نحو مصر، وقد حَّوَلَ معبد (رمون) الدمشقي إلى هيكل للإلهة (عشتروت) إلهة الزُهرة التي يعبدها …

بتضح دلك من الأعمدة الضخمة القائمة إلى اليوم في الجهة الشرقية عند تلة القاضي آخر جادة آيا ماريا ( القيمرية) التي تؤدي الى النوفرة .كما في الجهة الغربية عند باب البريد بمحلة المسكية التي على أحد أعمدتها كتابة يونانية…

ونشير الى ان اليونان الهلنستيون (الأمبراطورية السلوقية وعاصمتها انطاكية) هم الدين رفعوا المعبد، وجعلوا تحته فراغا كبيراً لمنافع واستعمالات تتعلقُ بالعبادة …ولاستعمالات أخرى ربما كانت إجتماعية أو…أوحتى حربية، وفي هدا يقول معلمنا مؤرخ دمشق الكبير مثلث الرحمات الخوري العلامة أيوب سميا “أنه عندما منذ سنوات خلت فتحت دائرة الآثار في دمشق ذلك الفراغ ظهر في أحد جدرانه حجرٌ مبني فيه تمثال الإله المصري (آمون) بغير إكتراث من اليونان الهلنستيّين الذين حولوا المعبدَ إلى هيكلٍ لهم، وهم لايعبدون (أمون)، أماالرومان فمنذ فتحوا دمشق (63ق.م)، حولوا معبدها إلى عبادة معبودِهم الأكبر  الإله جوبيتير طيلة عهد الأمبراطورية الرومانية، حتى أصبحت دولة مسيحية ( عام 379 مسيحية عندما فرض الامبراطور الرومي العظيم ثيودوسيوس الكبير المسيحية دينا رسميا ووحيداً).

دمشق المسيحية

اعمدة معبد جوبيتير الروماني في محلة المسكية
اعمدة معبد جوبيتير الروماني في محلة المسكية

دمشقُ عريقةٌ في مسيحيّتها مند العصر الرسوليّ، فبعد أن صَعِد الربُ يسوع إلى السماء. وأرسل إلى تلاميده يوم “العنصرة” الروح المعزي الدي حَّلَ على رؤوسهم على شكلِ ألسنةٍ نارية، رافقها الصوت الإلهي ” إذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمِّدين إياهم باسم الآب والإبن والروح القدس” تفَّرق الرسل الأطهار حسب الأمر الإلهي في كلِ أرجاء المسكونة. وراحوا يبِّشرون بالخلاص بالرب يسوع، ومنهم السبعين رسولاً. وكان حنانيا الدمشقي أحدهم الذي كان اساساً يهودياً  من يهود الشتات دمشقياً وجيهاً في طائفته الدمشقية …

جاء إلى  فلسطين ليرى الرب يسوع، ويسمع كلامه، ويشاهدُ معجزاتِه التي ملأت الآفاق. كما فعل الكثيرون من أبناء شعوب سورية وفينيقية والعربية والأمم (اليونان أو غير اليهود)…، ثم عادَ إلى دمشق، في وقت كان فيه الرب يسوع لايزال على الارض، قبل صعوده إلى السماء. وراح يبَّشِر به، حتى ما بعد صعود الرب إلى السماء، (على قول سفر اعمال الرسل)”أنه صارَ في دمشق جماعةٌ مسيحيةٌ يرأسها حنانيا” الدي هو أول أسقف لدمشق.

في نفس الوقت، وبعد إزدهار الكنيسةِ الأولى في أورشليم، جرت إضطهاداتٍ عنيفةٍ من اليهود والرومان، للقضاء على أتباع المسيح الذين كان باكورةُ شهدائِهم كبيرُ الشمامسة السبعةْ القديس استيفانوس.

بسبب هذه الاضطهادات الدموية للمسيحيين في فلسطين، تفَّرق المؤمنون في أرجاء سورية، إنطلاقاً من دمشق، وصولاً الى أنطاكيا، حيث لم يَبقَّ في أورشليم إلا بعض الرسلْ …وكانَ في أورشليم أنذاك يهودي طرسوسي حافظ للشريعة على يدِ معلم الناموس، غملائيل، متعصب لليهودية، يُدعى شاوُّل شَهِدَ اضطهادَ المسيحيّين. بل ساهَمَ فيه…وتحديداً في إعدام الشماس استيفانوس رجماً، هذا الأخير  (شاوُّل) انتشى بنتائجِ هذه الإضطهادات. فتقدم من السنهدريم ( مجمع اليهود العالمي ومقره في اورشليم) يَطلُبُ تكليفه بالتوّجه الى دمشق، للقبضِ على مسيحييّها وزعيمِهمْ حنانيا، وإحضارهم موثقين مكبلين ومخفورين إلى أورشليم بعد أن تكاثر عددهم بشكل مقلق…لتتم محاكمتهم بتهمة الرِدَّة عن الشريعة الموسوية، والحكم عليهم بالإعدام رجماً…!

صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق/ القديس يوحنا المعمدان
صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق/ القديس يوحنا المعمدان

كلفه السنهدّْريم بهذه المهّمة، وزوّده برسائلَ توصيةٍ لنائب الحاكِم الروماني بدمشق (الحارث الغساني) كي يساعده في تنفيذ مهمته، وفي الطريق وبالقرب من دمشق في مكان يدعى سهل “كوكب”، حصلتْ له تلك المقابَلة والمواجَهة الرهيّبة مع الربِّ يسوع، الدي ناداه بصوت عظيم: “شاول شاول لماذا تضطهدني …أنك لاتستطيع أن ترفس مناخس” وأبرق في وجهه بنوره الإلهي العظيم الدي جعل جواده يجفل ويلقي براكبه شاول أرضا مغشيا عليه فاقد البصر.

هّذه المعجزة، جعلت شاوُّل وجهاً لوجه مع الرب يسوع، فنقلته فوراً إلى مصفِّ التلاميّذ الأطهار وهو الدي لم يتتلمد عليه ويرافقه قط كالآخرين …وجَّعلته رسولاً للجِّهاد الأمين، مبشراً، منذراً ومشرعا للأمم “رسول الامم” ومؤسساً لكرسي أنطاكية عام 42م مع بطرس الرسول، ثم مؤسساً لكرسي روما ايضاً مع بطرس السنة 64م … وبين الكرسيين، أسس العديد من الكنائِس في آسية الصغرى وسواها…

ظهور الرب يسوع لشاول على طريق دمشق في كوكب
ظهور الرب يسوع لشاول على طريق دمشق في كوكب

ويكفي المرء أن يقرأ رسالة بولس الرسول (بولس الثانية الى أهل كورونتوس) التي رتبتّها الكنيسة في 29 حزيران من كل عام،  والتي تُتلى في عيدِ الكرسي الأنطاكي المقدس هو “عيد هامتي الرسل  القديسين بطرس وبولس” ليُدْرِك صفات شاول الأساسية، والإنقلاب الهائل الذي حصَل في حياته، والصُّعوبات المُّرة التي عاناها، فزادتهُ صلابةً وعناداً في التصمّيم على نشرِ الحق، من الثابت  قطعياً أن إسم بلدة داريا اليوم المجاورة لكوكب مستمد من (دار رؤيا)  أي رؤية القديس بولس ومع تمادي الزمان ولغايات في نفس يعقوب تحولت من تسمية دار الرؤيا الى داريا (كتسمية القيمرية من إسمها الأصيل “آيا ماريا” اي القديسة مريم باليونانية Αγία Μαρία واليونانية كانت لغة سورية ودمشق في العصرين الروماني والرومي وحتى تعريب الدواوين في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان).

لكن معلمنا البحاثة الأب أيوب سميا يقول أنها (قرية الشيخ سعد) في حوران. يؤيده في دلك المونسنيور نصرالله، لكننا لم نجد لقوله سند … ولانؤيده في ما ذهب اليه (رغم انه قدوتنا) لاسيما وأن القرية المذكورة ليستْ على طريقِ دمشق – فلسطين وقتها.

كما يدَّعي بعض الرهبان اللاتينيين الغربيين، لإبعاد صفة القداسة عن (دير الرؤية في كوكب). الذي اشارت الحفريات الآثارية إلى أساسات دير بعد انتشار المسيحية يخلد معجزة الرؤية، وإلى بعض اللُقى الكنسية، حيث عثَروا على مِبخرة في الموقع الخرب، وكان إلى وقت إعادة بناءِ هذا الدير مطلع سبعينات القرن 20، كان السكانُ المسيحيون في القرى المجاورة وأولها (داريا) ينذرون تعمّيد أولادهم على هذا التل…وإلا لولا ذلك، لما سارعَ هؤلاء الرهبان وبعثاتهم اللاتينية المتلاحقة وبإلحاح في العقد الرابع من القرن 20، لشراءِ هذه الأرض من أصحابها المسلمين لبناء ديرٍ لهم عليها، ويسجل التاريخ بفخر أن أصحابها المسلمين رفضوا بيعها اليهم، بل إلى أبناء وطنهم واخوتهم الأرثوذكس وباعوا البطريرك الكسندروس طحان الأرض بمبلغٍ أقل من المطلوب منهم أساساً، وحتى أقل من المبلغ الذي اغراهم به البعثات اللاتينية، بتصريح لافت ومحمود من صاحب الأرض:” لأنهم إخوتنا الروم الأرثوذكس ابناء هذه الارض وهم احق بها من الغريب الأجنبي”. وهو موقف رائع يجَّسِد اللحمة الوطنية السورية إسلامياً ومسيحياً، بشهادة من الخوري الايكونوموس نقولا رزق كاهن صحنايا الذي تم البيع والشراء على يديه، وفي دار البطريركية بين البائع الأخ المسلم، والمشتري البطريرك الكسندروس طحان.

أما حنانيّا أول أسقف لدمشق فقد كان يقطن في دمشق، شمال الزقاق المستقيم (بيت حنانيا حالياً) هناك ظهر له  الرب يسوع  في الرؤيا وأمره بالذهاب الى شاوّل لتعمّيده، فارتعب بشدة لأن المسيحيين كانوا يرتجفون لمجرد سماعهم أسم شاوُّل الدي كان آتياً إلى دمشق قاصداً البطش بهم .ومع ذلك امتَّثل حنانيّا للأمر، وتوجه ومعه شاول الأعمى إلى بيتِ يهوذا في الشارع المستقيم أعمال 9:11 ).

قام حنانيا بعمّاد شاوُّل في بيت يهوذا الدمشقي، فسقطت من عينّي الأخير قشور، فأبصر مجدداً وانقلب من طاغيةٍ على المسيح والمؤمنين به الى الأشد إيماناً به، وأعظم مبشر به وختم حياته بالاستشهاد في روما بقطع الرأس بأمر الأمبراطور الروماني الطاغية نيرون.

إن يهوذا الدمشقي هذا لم يرد دكره في أخبار القديسين، ولا في التاريخ الكنسي، وحتى في كتب الليتورجيا …ويبدو انه كان مسيحياً أساسه يهودي من يهود دمشق المؤمنين بالرب أتباع حنانيا. وإلا لما كان قد اكتسب نعمةَ وبركةَ تنصير شاوُّل في بيته . وقد تتلمذ بعد ذلك على حنانيا الرسول واستُشهد لاحقاً، واثبت معلمُنا الخوري ايوب مكان بيته، حيث تم تنصّير شاول ويقع (حالياً) في منطقة مئذنة الشحم في الشارع المستقيم بالقرب من البزورية حيث كانت تعود ملكيته الى الوجيه الدمشقي الدكتور اسعد الحكيم عضو المجمع العلمي العربي ورئيس مستشفى إبن سينا للامراض العقلية….

عماد شاول بيد حنانيا في بيت يهوذا الدمشقي بدمشق
عماد شاول بيد حنانيا في بيت يهوذا الدمشقي بدمشق

هروبه من دمشق

هرب شاوّل من دمشق بعد ذلك .لأن اليهود أوغروا صدر السلطة الرومانية ( سيما ان جنسيته كانت رومانية) أما هروبه فقد تم بمساعدة ” جاورجيوس البواب” الدي كان بواباً على الباب الذي سميَّ فيمابعد باسم (باب بولس) (فأنزله في سل كبير” زنبيل” من نافدة على السور الشرقي للمدينة بجانب الباب، ومَكّنه من النجاة، فكان عقابُه القتلْ بيد الرومان واليهود …ومن ثم تم رميّ جثتّه بجانب الباب. فقام المسيحيون الدمشقيون الأوائل بدفنه، بالقرب من مكان استشهاده. وفيما بعد بنى المسيحيون ديراً دخَل فيه قبرُ  الشهيد  المسيحي الدمشقي الأول  على إسم ” القديس الشهيد جاورجيوس البواب”، وهو عينُه مقام القديس جاورحيوس في “تل العظام” (كما كان يسمى للدلالة على كونه مقبرة)  وصار المسيحيون  يدفنون فيه  موتاهم فأصبح مقبرة لهم، منذ تاريخ جاورجيوس البواب.

أما أول كنيسة لأسقف دمشق فكانت بيت حنانيا الذي جعلها “كنيسة منزلية” في قبو البيت مخفية للتورية عن عيون الرومان واليهود، حتى صدرت براءة ميلانو عن الامبراطور قسطنطين سنة 313 مسيحية…والتي بموجبها أباح للمسيحيين حرية العبادة …عندها أُحدثت كنيسة الأسقفية، وكانت بدورها على إسم الرسول حنانيّا. ومن الجدير بالذكر أن حنانيا الرسول استشهد،  بأمر من والي دمشق الروماني “لوكيانوس” ورُميَتْ جثتُه، فأخذها المسيحيون سراً ودفنوها في بيته، لأنهم درجوا على دفنِ الشهداء والقديسين في الدَّياميس التي أضحت كنائس سرية للعبادة.

رجم اليهود لجاورجيوس البواب بجانب باب بولس
رجم اليهود لجاورجيوس البواب بجانب باب بولس

من الجدير ذكره ابضا أن مؤرخي دمشق لم يذكروا كنيسة حنانيا باسمها هذا،  ومنهم إبن عساكر في كتابه “خطط دمشق” حيث ورد ذكرها باسم “كنيسة المصلبة”، وحدد مكانها بين باب توما والباب الشرقي، الذي كانت تتفرع  جادة من الشارع المستقيم تسير مستقيمة شمالا باتجاه السور مارة بجانب كنيسة حنانيا ( لاتزال) . وتتصالب عند هده الكنيسة مؤلفة جادة مستقيمة اخرى تسير من السور شرقا لتصل قلب المدينة فتسمت” كنيسة المصلبة ” بينما يقول البعض ان هده التسمية مشتقة من إسم “الصليب المقدس” وقد بُنيت هذه الكنيسة في مستهل القرن الرابع المسيحي. وتسمى هده المنطقة اليوم ب(المسبك) نسبة الى مسبك الزجاج الذي وُجِدَ فيها في القرون الاخيرة، علماً انه كان قد أُقيم دير للرهبان على إسم (الصليب المقدس) شمال باب توما خارج سور دمشق بالقرن الرابع ذاته، وقد اندثَّر لاحقاً واتخذ الموقع الدي كان فيه هذا الدير اسم “بستان الصليب المقدس” في منطقة القصاع حالياً بُنيت به “كنيسة الصليب المقدس” الحالية في عام 1932. وباعتلاء الأمبرطور ثيودوسيوس الكبير 379 م عرشَ الأمبراطورية الرومانية الشرقية ( الرومية)،  فَرَضَ المسيحّية دينا رسمياً وحيداً للدولة . وأبطل عبادة الأوثان .وأمَّر بتحّويل المعابد الوثنية الى كنائس في أرجاء الامبرطورية الرومانية وبتحويل ممتلكاتها الى أوقاف مسيحية لخدمتها والإنفاق عليها.

قطع رأس القديس يوحنا المعمدان
قطع رأس القديس يوحنا المعمدان

وبهدا تحّول معبد جوبيتير (معبد كوكب الزُهرة الوثني الروماني) إلى كنيسة كبرى، على اسم الرسول يوحنا المعمدان، وجُعلت كاتدرائية دمشق، لضخامتها. حيث كانت مع حَّرَمها تشَّكل ربع مساحة مدينة دمشق القديمة، وجُعلت بجانبها (دارُ أسقفية دمشق) وإلى الجنوب منها، قصر والي دمشق”نائب الأمبرطور” وهو (قصر العظم) حاليا … كان والي دمشق يدخل الكنيسة كل بوم صباحاً للصلاة، (قبل مباشرته مهامه) من بابها الجنوبي، (سوق الصاغة القديم حاليا) ويخرج منه. وقد نُقِشَت على ساكفِ هذا الباب باليونانية عبارة من المزامير “ملكك ملك جميع الدهور وسيادتك من جيل إلى جيل” ومازالت هده العبارة موجودة حتى الآن باقية لم تُزَلْ، كما أُزيلت كل الرسوم والنقوش المسيحية التي ظهرت بعد إزالة دكاكين الصاغة والقباقبية من الجهتين الجنوبية والغربية الملتصقة بجدار الجامع الاموي، أثناء إعادة ترميمه .ومنها تلك الأيقونة الرائعة للرب يسوع (الضابط الكل) المنقوشة على أعلى الجدار الجنوبي للجامع وقد أتى  صاروخُ حتٍ بيدِ جاهل متعصِّب شوّهَ  معظمها!!!. وهي من القيمة التاريخية والأثرية لا تُقَّدرُ بثمن…

صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق/ القديس يوحنا المعمدان
صورة تخيلية لكاتدرائية دمشق/ القديس يوحنا المعمدان

أما الأمبرطور الرومي مركيانوس فقد أمر في عام 451م بنقل رأس القديس يوحنا المعمدان الدي كان محفوظاً في القسطنطينية الى دمشق، ليوُضع في كاتدرائيتها التي هي على إسمه. وقد تم وضع الرأس في صندوق من الفضة الخالصة على المائدة المقدسة في العام ذاته، وبقي الى 614م حينما اجتاح الفرس بلاد الشام ونهبوا “أيلياء القدس” واخذوا خشبة الصليب المقدس من موضعه في كنيسة القيامة الى بلادهم. .لذلك خاف المسيحيون الدمشقيون على ذخيرتهم المقدسة من المصير ذاته، فحفروا حفرة عميقة في أرض الكنيسة. وأخفوا بداخلها الرأس المقدس، ضمن الصندوق وفي داخله الكتابة اليونانية، للدلالة على صاحبه، وميّزوا المكان بعلامة خاصة لايعرفها إلا عدد قليل لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة، حفاظاً على السرية. ويقال أن مكان إخفاء الصندوق كان في القسم الشرقي من الكاتدرائية \محلة النوفرة حاليا اي موقع مقهى النوفرة تحت الكاتدرائية في دلك الفراغ الدي كان الهلنستيون قد أتخدوه والدي أصبح في وقت إحداث الكاتدرائية منسكا رهبانياً بداخله حمام خاص بالرهبان الدين كانوا يؤلفون سدَّنة الكاتدرائية وخدّامها.

أما مسيحيوا دمشق وقتئد، فكان أغلبهم من الأرثوذكسيين الخلقيدونين، وهم على مذهب الدولة الرومية الأرثوذكسي. وكان لهم في كل دمشق تسع وعشرون كنيسة تتقدمها كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان وبجانبها دار الأسقفية، وكان أسقف دمشق يلي البطريرك الأنطاكي (مقره في انطاكية) من حيث الأهمية الدينية والسياسية . وكان في دمشق قلة من اللاخلقدونيين (السريان اليعاقبة) لهم بعض كنائسهم ودار للأسقفية في باب توما ( الشيخ ارسلان  او دير خالد اثناء حصار دمشق 634م)…ولكن هؤلاء لم يكونوا مرتاحين في ممارسة عقيدتهم كونها مخالفة لمدهب الدولة الرومية، وكانوا بالتالي ناقمين على هذه الدولة ومن تمذهب بمذهبها الرومي الخلقيدوني الارثوذكسي .

دخول العرب المسلمين دمشق

دخلوا دمشق يوم الثلاثاء 22جمادى الثاني سنة 13 هجرية الموافق 24 آب 634 م بعد حصار طويل دام لعدة اشهر، وكان الحامية الرومية قد أخلتها بعد فترة من بدء الحصار، ولم يبق فيها الا قلة من الضباط يقودون مجموعات دفاع محلي من السكان بقيادة القائد الرومي الشهير البطريق توما، زوج ابنة الأمبراطور الرومي هرقل، وبالأساس كان والياً لدمشق، وقائداً لحاميتها قبل إخلاء الحامية ودعم باب توما المنسوب للرسول توما بسبب وجود كنيسة صغيرة وبرج خلف باب توما على اسمه، وقد تم تخليد بطولة البطريق توما الذي اصيب بجروح كثيرة أثناء دفاعه عن هذا الباب.

 “السريان والعرب اليعاقبة”يساعدون العرب”على حصار دمشق ويقفون ضد الدولة الرومية

حاصر المسلمون دمشق وكان الروم يتكلون على “السريان والعرب اليعاقبة” وكانوا هم حماة الثغور الرومية أمثال جبلة ابن ألأيهم زعيم الغساسنة، لكنهم خانوا الأمانة، وانحازوا الى المسلمين. كان الأمبرطور هرقل في حمص، لما عرف بخبر هزيمة الروم في أجنادين، حزن حزناً شديداً. وانتقل الى “أنطاكية” عاصمة المشرق، ونتيجة لهده الهزيمة أصبحت فلسطين كلها عرضة لهجمات العرب، وبدأت تسقط المدن الرومية الكبرى أمامهم تباعاً. فسقطت المدن الفلسطينية بأيديهم …وبقيت القدس وقيصرية تقاومان، ثم سقطت صور بأيدي المسلمين.

رافضة الروم

بعد أجنادين توجه العرب الى “فحل” في الأردن فاجتمع فيها “السريان والعرب” من اليعقوبيين. مع جنود مسلمين وهؤلاء يسميهم العرب في مراجعهم “رافضة الروم”…اي الذين ليسوا على مذهب الروم والرافضين العقيدة الارثوذكسية الخلقيدونية، وهم الذين خانوا الأمبراطورية الرومية، وقاتلوها فسقطت الأردن ودخلها المسلمون …أما الروم الدين بقوا فيها فاضطروا للهرب الى أماكن أخرى أو إلى دفع الجزية.

بعد “فحل” انضمت “رافضة الروم” إلى خالد بن الوليد وجيوشه قرب دمشق “عاصمة فينيقيا الثانية”…وضرب الحصار على دمشق …هرع روم المدينة إلى الكنائس يصلون …وبعضهم وقف الى جانب الجنود القلة كمجموعات دفاع محلية الذين بقوا على أيواب المدينة استعدادا للدفاع، وبدأ المسلمون يرسلون التحذيرات والتهديدات الى روم المدينة يطلبون منهم الاستسلام …وقد أرسلوا هذه الرسائل عبر ترجمان لأن سكان المدينة كانوا يتكلمون الرومية ولايفهمون من العربية شيئا … وبدأت المؤن تقل في داخل المدينة …وبدأ الأساقفة والرهبان والشعب والوجهاء يعقدون اجتماعات مكثّفة للتدّاول بالحلول … ولما رأى سكان دمشق ثبات قادةِ المسلمين، التفوا حول حاكمهم الوالي توما (توماس) ( تسمى باب توما على اسمه اي توما إضافة لإسم كنيسة القديس توما المحكي عنها) وأغلقوا أبواب مدينتهم ونصبوا المجانيق ورماة السهام على أسوارها وقام توما بهجوم على العرب عله يستطيع فك الحصار لكنه فشل وخسر الروم الصليب الكبير الدي كان في مقدمة جيش الروم، وأصيب الحاكم توما بعينه أصابة بالغة (موضع الهجوم هو الباب المعروف اليوم باب توما. مكان قيادته. بقي حصار  المسلمين مضروبا لمدة  أربعة أشهر متواصلة عانى فيها روم المدينة من عدم توفر المؤن والجوع، وهرعوا للكنائس يصلّون. والبعض وقف على أسوار المدينة إلى جانب القلة من الجيش الرومي كقوات دفاع محلي تحسبا لهجوم العرب. طلب روم المدينة من الامبرطور هيراكليوس (هرقل) المقيم أنذاك في أنطاكية لإدارة العمليات بعد انتصاره على الفرس، أن يمدهم بالعتاد والأسلحة والخيول. ولكن هده الإمدادات لم تصل.

ظن الروم في دمشق ان العرب سيمّلون من الحصار، وسيعودون الى صحرائهم عندما يحين الشتاء . لكن الشتاء كاد ينقضي والعرب ثابتون في حصارهم …والإمداد لايمكن إيصاله إلى داخل المدينة المحاصرة …

الجهة الشرقية خيانة ومدبحة كبرى

ضريح رأس القديس يوحنا المعمدان
ضريح رأس القديس يوحنا المعمدان

قام أحد كهنة السريان اليعاقبة يدعى يونس بن مرقس بإبلاغ خالد ابن الوليد انه من الممكن أختراق أسوار المدينة بمهاجمة موقع معين كانت فيه دفاعات الروم ضعيفة واستعداده لادخال شردمة من جيش خالد ليلاً عند تبديل الحرس في باب شرقي من نافدة بيته في سور المدينة (اليوم كنيسة الأرمن الارثوذكس وكانت أصلاً  كنيسة السريان وبيت الكاهن يؤانس) فقام بتوسيع النافذة المفتوحة في السور، وادخل منها الشرذمة  وهي عبارة عن مائة مقاتل من جيش خالد. وكان البطريق توماس هو قائد الحامية الرومية للمدينة وموقعه باب توما، وخالد بن الوليد على رأس القوات الغازية من جهة الشرق (باب شرقي) وأبوعبيدة ابن الجراح على رأس القوة المقابلة من جهة الغرب (باب الجابية) وامام كل باب من الابواب الخمسة الباقية قوة عربية بقيادة عدد من الصحابة.

…بعدالاتفاق مع ذلك الكاهن الخائن أرسل خالد ابن الوليد مائة رجل من رجاله ودخلوا من نافذة بيته في السور، وقصدوا الباب الشرقي للمدينة من الداخل في منتصف الليل، وكسروا الأقفال وقطعوا السلاسل وفتحوا الباب اثناء تبديل الحرس، فدخلها خالد بن الوليد وقواته من الباب الشرقي وعلى أثر دلك انصب المسلمون من الخارج ودخلوا المدينة يذبحون وينهبون كل مايصادفونه في طريقهم .ولم تنفع صرخات الأستغاثة التي اطلقتها النساء الروميات فحصلت مذبحة كبرى … قتل فيها ذبحاً في تلك الحادثة اربعون الفاً من الدمشقيين، عدا عن السبي للنساء والغلمان وموجودات البيوت من الغنائم، ودخل هؤلاء الشهداء الاربعين ألفاً المذبوحين غدراً وخيانة من كاهن وأب لطائفة أخت.

 ويقول عباس محمود العقاد عن عبقرية خالد بن الوليد الحربية:
“للمعلومات : في كنيسة الروم ذكرى ال 40 ألف شهيد الذين سقطوا يوم “فتح” العرب دمشق !!!
نعم ، فقبل عام 634 كان الروم يحكمون دمشق ، وكل سكانها مسيحيون.
وعندما هاجمها العرب اقتحموها بقيادة خالد بن الوليد من جهة الشرق . قاوم الروم دفاعاً عن مدينتهم ، لكن خالد هاجم المدينة ذابحاً الأطفال والنساء والرجال ومدمّراً كل شيء ، ونقلت مراجع المسلمين قوله :”لن أرفع السيف عن رقابهم ، حتى أفنيهم عن آخرهم” . (1)
وقد حاول روم المدينة التفاوض مع العرب طالبين إليهم وقف المذبحة وعودة العرب “إلى بلادهم” (اي شبه الجزيرة العربية) مقابل إعطائهم مالاً وطعاماً، إلا أن خالد بن الوليد رفض وقال : ” ما أَخْرَجَنا إليكم الجهدُ والجوعُ، وإنما نحن قوم نشرب الدماء ، وبَلَغَنا أنه لا دم أطيب من دم الروم ، فجئنا لذلك”. (2)
وهكذا استمرت المذبحة ، وخالد وجيشه يقتلون من روم دمشق حتى فاق عدد الشهداء الأبرياء ال 40 ألفاً من مسيحيي المدينة .
وكانت المدينة من جهة الغرب قد استسلمت لأبي عبيدة بن الجراح ، فدخل أبوعبيدة صلحاً من جهة الغرب ، وخالد “قتلاً وذبحاً” من جهة الشرق .
والكنيسة الأرثوذكسية ، وضعت من ضمن قديسيها “شهداء دمشق ال 40 ألفاً الذين سقطوا يوم “فتح” العرب دمشق . (3) وهم قديسون منسيون من شهداء دمشق ( القديسون المنسيون في التراث الإنطاكي ، الأرشمندريت توما البيطار ، ص 289)

كانت دمشق “عاصمة فينيقيا الثانية”ودخلها أبوعبيدة أبن الجراح من الباب الغربي (باب الجابية) صلحا بالتنسيق مع سرجون النصراني وجيه الدمشقيين الخلقيدونيين، بعد أن حاصرتها جيوش المسلمين من كل جانب وعسكر عدد من القادة والصحابة على أبوابها السبعة، كان دلك الحصار لدمشق زمن الخليفة عمر بن الخطاب الدي كان قد عهد الى خالد قيادة الجيوش، ولكنه مالبث أن عزله وولى مكانه أبا عبيدة ابن الجراح بكتاب مخصوص ارسله اليه. الا ان ألأخير لم يبلغ خالد بدلك خجلا منه من ناحية. ولأن الظرف العسكري الناشئ عن حصار دمشق الدي دام حوالي 4 أشهر لم يكن مواتيا لهدا التغيير وفد يؤدي الى تفكك الروح المعنوية للقوات، ولكنه أبلغة دلك بعد فتح دمشق…

في اقتحام دمشق وتداعياته

باب شرقي من ابواب دمشق السبعة الرومانية منه دخل خالد في اقتحام دمشق
باب شرقي من ابواب دمشق السبعة الرومانية منه دخل خالد في اقتحام دمشق

كان يزيد أبن أبي سفيان قد نزل ايضا على الباب الصغير ،بينما نزل كيسان مولى معاوية على “باب بولس”… وكان المدد يأتي من أبي الدرداء الدي عسكر بقرية برزة شمال دمشق في” فتوح الشام” للواقدي .ورد أنه كان لليعاقبة (السريان) جملة كنائس منها كنيسة صغيرة على اسم القديسين سرجيوس وباخوس ودكر في مواضع أخرى دكر في مواضع أخرى أنها على أسم العدراء (والكنيسة اليوم هي كنيسة مارسركيس للأرمن ألأرثودكس مع دارر مطرانية للأرمن الأرثودكس ومدرسة تاركمانتشاس ) وقتئد كان يخدمها كاهن يدعى “يوانس(يونان) بن مرقس ” وهو رئيس الطائفة اليعقوبية بدمشق، وكان بيته ملاصقا للسور وفيه نافدة تنفد الى الخارج فلما طال الحصار على دمشق وتضايق أهلها وضعفوا . وجد هدا الكاهن ان سقوط المدينة صار محسوما وقريبا فصار ينقر على السور ليلا .واتى الى معسكر خالد واجتمع به . واتفق معه على أن يفتح لهم الباب الشرقي مقابل وعد من خالد يمنحه فيها ألأمان له ولرعيته ( عددهم 70 نسمة فقط) فوعده بدلك وأرسل معه مائة رجل .دخلوا واياه من تلك النافدة .ثم قام بقرع ناقوس الكنيسة ثلاث قرعات خفيفة وهي ألأشارة المتفق عليها للبدء بالهجوم فبادر المهاجمون الى قتل حراس الباب الشرقي وكسروا أقفال الباب وفتحوه فالأندفع خالد وجيشه صائحين ومكبرين وأعملوا السيف في رقاب ألأهالي حيث أن الجيش الرومي كان قد أخلاها مند بدأ الحصار .ولما تم هدا الاقتحام كافأ المسلمون، اليعاقبة وقربوهم، بينما ضايقوا ألأرثوذكسيين لأنهم على مذهب الدولة الرومية فأخدوا يتسربون هرباً الى الأناضول، وكانت يونانية صرفة. واستولى اليعاقبة على كاتدرئية دمشق، كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، لدلك نرى أسقفهم اليعقوبي قد حبس فيها وفقاً لسلطته الدينية الشاعر الأخطل (سرياني من رعيته) سنة 701م .

ومن الطبيعي أن يستقر المنتصرون  وسط المدينة .حيث كانت دوائر وقصور السلطة تحيط بموقع الكاتدرائية. وجعلوا قصر والي دمشق الرومي (قصر العظم حاليا)  قصرا لوالي دمشق المسلم…ثم تحولت تسميته الى “قصر الخضراء” وكان سكناً لوالي دمشق الأول بعد دخول المسلمين، وهو معاوية بن أبي سفيان … ثم حولوا قسماً من شرق الكاتدرائية الى مسجد للصلاة … وفي زمن الخلافة الأموية صار المقر دمشق، ونتيجة لازدياد عدد المسلمين فيها الوافدين من شبه الجزيرة العربية، ونتيجة لهجرة المسيحيين الدمشقيين الى بلاد الروم في آسيا الصغرى واعتناق الاسلام من قبل البعض للخلاص من نظام الذمة ودفع الجزية وكان أغلبهم من اليعاقبة، وورود مسلمين جدد سكنوا بدمشق. لم يعد يتسع لهم هذا المسجد من جهة. أضافة الى شكواهم المستمرة من قرع النواقيس (الناقوس هو اداة خشبية من النوع الرنان يضرب عليها بأداة من نوعه كأساس جرس الكنيسة حالياً، كان يتم فيها الدعوة للصلوات في الكنائس وهي منتشرة اليوم في اديار الرهبان الارثوذكسية في كل العالم الارثوذكسي) من جهة ثانية .فقام الخليفة عبد الملك بن مروان يطالب المسيحيين في دمشق بكل الكاتدرائية على أن يدفع لهم ثمنها، ليحولها الى مسجد فرفضوا طلبه بقولهم له ” وهل يبيع احد معبده؟”، فتوقف عن أتمام مشروعه، الا أن إبنه الوليد بن عبد الملك أراد أن يمتلك الكنيسة بأي ثمن، فجمع ( المسيحيين) النصارى وعرض عليهم مبالغ طائلة فرفضوا، وعندها ألحقها بالمسجد بدون أدن منهم وقال لهم “اننا نعوض لكم بكنيسة مريم عن كنيسة يحيى” . وفي تاريخ ابن عساكر ورد”فلما كان فتح دمشق .كان المسلمون يصلون في ناحية منها .والنصارى في ناحية .ولم يزالوا كدلك حتى ولي الوليد بن عبد الملك .وقال للنصارى .. أعطونا نصف الكنيسة التي يأيديكم ونحن نبني لكم كنيسة حيث شئتم من دمشق …فأبوا عليه . فقال لهم آتونا بالعهد .فأتوه به وقال لهم ..قد رضيتم به وأنا أسجل البعض عليكم فنظروا فإذ الكنيسة كذا وكذا وكنيسة كذا فرضوا بأن يعطوا الكنيسة ومقابل الكف عن كنائسهم ” وقال هشام بن عمار “ان الوليد قال لهم لما آتوه بالعهد إنا أخدنا كنيسة توما عنوة، والكنيسة الداخلة صلحاً، فأنا أهدم كنيسة توما وكانت أكبر من هده الداخلة …فرضوا بهدم الكنيسة الداخلية” .يعني نصف الكنيسة الدي كان بأيديهم فهدمها وادخلها في المسجد. وجدير ذكره أن كنيسة توما هده كانت تقع شرقي دمشق باتجاه الشمال وهي الكنيسة التي كانت خلف الباب (باب توما) .والبعض يقول انها التي تحولت الى مسجد الشيخ أرسلان وهذه الكنيسة كانت في الواقع على اسم مارسمعان (شمعون) بالاضافة الى وجود دير لليعاقبة ومقر لأسقف دمشق للسريان اليعاقبة، حيث قام المسلمون الفاتحون بدفن بعض موتاهم من الصحابة حين الحصار والدخول، (وكان خالد قد جعلالدير والاسقفية والكنيسة مقر قيادته ولُقب الموقع لاحقاً زمن خالد، ب”دير خالد” (انظره هنا في موقعنا)) .لذا حُوِّلت الكنيسة بوقت مبكرالى مسجد .ثم أصبحت مقبرة للمسلمين شرق المدينة …

واجهة كاتدرائية دمشق على صحنها هي ذاتها واجهة الجامع الاموي بعد تحويل الكاتدرائية وعليها الفسيفساء الرومية
واجهة كاتدرائية دمشق على صحنها هي ذاتها واجهة الجامع الاموي بعد تحويل الكاتدرائية وعليها الفسيفساء الرومية

 الرواية الاسلامية لاستملاك الكاتدرائية

“وكان هدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين هجرية .وكان الشروع في البناء سبع وثمانين للهجرة.فأقاموا في بنائه سبع سنين .فمات الوليد ولم يتم . فأتمه هشام من بعده ” وروى الغساني عن جده “أنه قال لما أهتم الوليد بكنيسة مار يوحنا ليهدمها ويزيدها في المسجد. دخل الكنيسة ثم المنارة دات ألأضلاع المعروفة بالساعات .وكان بها راهب يأوي الى صومعته له بها فأحدره من الصومعة فأكثر الراهب كلامه …فلم تزل يد الوليد في قفاه حتى أحدره من المنارة. ثم هم بهدم الكنيسة فقال له جماعة من النصارى البنائين “نحن لانجسر على أن نبدأ بهدمها ياأمير المؤمنين.نخشى نحن أن يصيبنا شئ .فقال الوليد تحدرون وتخافون …ثم نادى…ياغلام هات المعول “ثم أتى بسلم فنصبه على محراب المذبح .وصعد فضرب المذبح حتى أثر به أثراً كبيراً ثم صعد المسلمون فهدموه، وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس .فهي تسمى مار يوحنا … وفي نفس الموضع .قال عبد الرحمن بن عامر اليحصبي “وصاح النصارى وعلا النوح وولولوا فالتفت الى زيد بن تميم وكان على الخراج وقال إبعث الى اليهود حتى يأتوا على هدمها …ففعل فجاء اليهود فهدموها ” وفي موضع ثاني .قال المغيرة ابن عبد الملك في نفس الشأن حيث قال الوليد للنصارى “هدا حق قد جعله الله لنا لنصلي فيه فقالوا له ياأمير المؤمنين لقد أقطعتنا أربع كنائس وبذلت لنا من المال كذا وكذا.فأن رأيت أن تتفضل به علينا فافعل…فتمنع عليهم حتى سألوه وطلبوا اليه .فأعطاهم كنيسة حميد بن درة وكنيسة أخرى بجانب سوق الجبن وكنيسة مريم وكنيسة الصليبة وبالمناسبة كانت هذه الكنائس الأربعة واقعة في القسم الشرقي من المدينة .

نحن نقول بالاستناد  الى تاريخ الكنيسة ان هذه الكنائس الاربعة وبقية كنائس القسم الغربي من دمشق حيث سلّمت صلحاً للمسلمين وعددها 16 كنيسة ومنها كاتدرائية دمشق التي حُولت إلى مساجد،  ما يُعاكس الإتفاق الذي تم بين أبي عبيدة وسرجون عدا كنيسة مريم التي كانت مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين شطري المدينة، وقد أعتبرت من أملاك الدولة.”

وسار سليمان بن عبد الملك الذي تولى الخلافة من 715الى 717 م على خطة شقيقه الوليد. أما الخليفة عمر بن عبد العزيز (717الى 720م) فأنه أوجب البر بالعهود وأعطاء كل ذي حق حقه، وأمر عامله في دمشق أن يرد الى النصارى كنيستهم فكره مسلمو دمشق ذلك وقالوا “نهدم مسجدنا بعد أن بنيناه وصلينا فيه .ثم أقبلوا على النصارى وسألوهم أن يعطوهم جميع كنائس الغوطة التي أُخذتْ عنوة على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا فرضوا بذلك ” وفي الواقع أن المسيحيين في تاريخنا المسيحي  رفضوا إعطاء كاتدرائيتهم لقاء اي مقابل بخلاف كل ماذكره المؤرخون المسلمون، والقول بأن المسيحيين الدمشقيين رضوا بالمقابل المالي ولاسيما فيها الذخيرة المقدسة رأس القديس يوحنا المعمدان ويعيدون عيد الكنيسة في تذكار قطع رأسه في 29 آب من كل عام (وهو يخالف كل المناهج المدرسية في سورية) ولكن الوليد انتزعها عنوة وهو أول من ضرب بها في الفأس وسط عويل المسيحيين ونوحهم…وكدلك لم تُعاد للمسيحيين أي من كنائس واديار الغوطة الثمان عشرة … وبالعودة الى فعل الوليد الذي أدخل الكنيسة في المسجد .نجد أنه بدأ في عام 706م بتحويلها .وأثناء الحفر في أراضيها.عثر الفعلة على الحفرة والصندوق الحاوي على رأس القديس يوحنا المعمدان فدعوا الخليفة لإطلاعه على دلك .فأمر بفتح الصندوق وعندما عرف صاحبه/ وهو عندهم النبي يحيى/ أمر بإكرامه واعادته الى مكانه، وبناء قبة فخمة فوقه وهي لاتزال قائمة حاليا.

بناء كاتدرائية دمشق الامبراطوري هو ذاته بناء الجامع الاموي
بناء كاتدرائية دمشق الامبراطوري هو ذاته بناء الجامع الاموي

قال زيد أبن واقد:”وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق فوجدنا في مغارة .فعَّرفنا الوليد بذلك …فلما كان الليل وافاه وبين يديه الشمع فنزل فأذ هي كنيسة لطيفة ثلاث أذرع بثلاث أذرع …وإذ فيها صندوق ففتح الصندوق فإذا به سَقط. وفي السقط أي (دخائر القديس يوحنا المعمدان) رأس يحيى ابن زكريا عليه السلام مكتوب عليه هذا رأس يحيى فأمر به الوليد. فرُدَ الى مكانه وقال:” أجعلوا العمود الدي فوقه مغَّيراً من الأعمدة ” كان جرن المعمودية وبجانبه بئر ماء يقع بالقرب من قبر القديس يوحنا (ولايزال) ولما أمر الوليد 705م بإعادة كنيسة مريم الى الأورثوذكس الذين كانوا قد لفتوا نظره الى أن كنيسة يحيى كانت (كاتدرائية ألأسقف) التي كانوا يملكونها مند بنائها الى ماقبل دخول دمشق . وكانت كنيسة مريم وقتئد مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين دخول جناحي جيوش المسلمين كما مر . وكانت في حرم كنيسة مريم كنيسة ثانية باسم “الشهيدين كبريانوس ويوستينة” بنيت في مستهل القرن السادس، وكنيسة ثالثة بإسم “القديس نيقولاوس” بُنيتْ لاحقاً، وكان على أمتار قليلة شمال كنيسة مريم دير للراهبات على اسم مريم، بجانب درب مريم الدي كان يصل بين باب الصغير جنوباً وباب الفراديس شمالاً .يهتم بالفتيات اليتيمات الصغيرات وبتعويدهن ليصبحن راهبات مستقبلاً، وبجانبه مستشفى على اسم الشهيد القديس بندلايمون الطبيب. اقيم أواخر القرن 19.

كنيسة مريم التي صارت كاتدرائية دمشق
كنيسة مريم التي صارت كاتدرائية دمشق

أن هده التطورات حولت كنيسة رئاسة أساقفة دمشق من كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان الى كنيسة مريم التي أصبحت هي الكاتدرائية مند 705 الى 1342 لتتحول الى كاتدرائية بطريركية أنطاكية الأرثودكسية1345 م وبعدما تم نقل مقر الكرسي ألأنطاكي المقدس من أنطاكية الى دمشق بهمة البطريرك أغناطيوس الثاني لتتوحد به وحتى الآن سلسلة أساقفة دمشق التي بدأت بحنانيا الرسول كأول أساقفة دمشق كما مر. وسلسلة بطاركة انطاكية التي بدأت بدورها ببطرس الرسول .

الخاتمة

تاريخ مسيحي مجيد تفخر به دمشق الأقدم في مسيحيتها (بعد القدس موطن الرب يسوع الارضي) ومنها نقل التلاميد الاوليين البشرى الى كل المسكونة ومن هنا أنبثق نور المسيحية لينير بشعاع المحبة والسلام كافة أصقاع العالم…ونحن نردد أيضا ماقاله وصلاه القديسون الاوائل … +++ مارن أثا…ماران أثا …تعال ايها الرب يسوع في مجيئك الثاني المجيد فنحن مصلين ومنتظرين نورك البهي…آمييييين

مصادر البحث

دار مطرانية دمشق منذ 705 ودار البطريركية الانطاكية منذ 1345 وحتى الآن
دار مطرانية دمشق منذ 705 ودار البطريركية الانطاكية منذ 1345 وحتى الآن

سفر اعمال الرسل

الشارع المستقيم: الاب المؤرخ ايوب نجم سميا / مجلة النعمة البطريركية ، مجلة الايمان.

فتح دمشق للواقدي

 الحواشي
1- الواقدي ، فتوح الشام، ص 41 .
2- ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 7 ، سنة 13 ه ، وقعة اليرموك .
3- القديسون المنسيون في التراث الإنطاكي ، الأرشمندريت توما البيطار ، ص 289. و راجع سورية المسيحية في الألف الأول الميلادي ، موسوعة البطريركية الأنطاكية ، الأب متري هاجي اثناسيو ، ج 5 ، ص 216 .
Scroll to Top