جاءَ في كتب اللغة “الدَّيّرْ” وأصلُهُ الدار، بمعنى بيت الإنقطاعْ والعبادةْ، يسكُنُهُ الرهبانْ والراهباتْ، وجَمْعُهُ أَديرةْ، وديُورةْ وأديارْ، وديَرةْ ودِيَّاراتْ، وقد استحسنا من هذه الجموعْ كلمتي “ديارات” و “أديرة” لشيوعهما عند العربِ القدماءْ، مما كتبوا عن الديارات في سالف الأيام، ومنهم أبو الحسن بن علي المعروف بالشابشتي المتوفي سنة ٩٩٨م، في كتابه ” الديارات” والبطريرك سعيد ابن البطريق (٨٧٧ – ٩٤٠م) في كتابه ” نظم الجواهر”.

والدياراتْ او الأديرةْ ظهرت في المسيحية بإنشاء الرهبنة، والرهبنة فكرة فلسفية، والفلسفةْ ليست قاصرة على شعب من شعوب الأرض، بل هي نصيبُ الأمم والشعوب على اختلافِ رقيِّها ونهضتها، وكان المصريون المسيحيون أسبق الشعوب المسيحية في اعتناقِ الرهبنة والنسك، إذ جعلوا منها مَثَّلاً رائعاً يُحتذى في عيش الحياةِ الهادئة الهنيئةْ. ولدينا من أبطال تلك الطريقة المسيحية التعبدية السامية، القديسون الرهبان العظامْ امثال أنطونيوس، مكاريوس، باخوميوس، وشنودة وسواهم ممن عاشوا واشتهروا بين القرنين الثالث والخامس للمسيح، وكانت عيشتُهم في البراري والقِفارْ، وقضوا قسماً كبيراً من عمرهم في المغائرِ (ج مَغارةْ) والمقابرِ والنواويسِ وشقوقِ الأرضْ، ناشرين رسالة السيد له المجد في أدَّقِ مراحلِ الحياة المسيحية وأدماها، تاركينَ خلفهم ما تعتَّزُ به روحُ الإنسان من أخلاقٍ رفيعةْ، ومُثُلٍ عليا وكتبٍ نَفيسةْ. ومن مصر انتقلتْ فكرةُ النسكِ والرهبنة الى فلسطين وسورية الكبرى (بَّرُ الشامْ)، ومنها الى آسيا الصغرى، وبلادِ اليونان، واوربة.
في القرن السادس المسيحي، وُضِعَتْ للرهبنةِ نُظم وتقاليد مرعية، تسير تبعاً لقوانين أقرتها الكنيسة، وبلغت حياة الأديرةْ مكانتها السامية في القرون الوسطى بظهور فرقٍ هامةْ لها. ومع مرور الزمان تحول الديرُ الى قريةٍ صغيرةْ مُسَّوَرةْ مستقلة يعيشُ فيها الرهبانُ او الراهبات حياةَ تقَّشُّفٍ، وعبادة، وعملٍ منتجٍ مثمرْ.
وتقومُ الديارات عادةً على رؤوسِ الجبالِ أو ضفاف الأنهار. ومنها ما يقتربُ من المدن والبلدات…، أو تنفردُ في البراي والقفار، وتكون مساحات مختلفة باختلافِ عددِ سكانِها من رهبانٍ أو راهباتْ. وغالباً ليس للأديرة هندسة بناء مقررة او مستوفية لشروط المنازل العاديةْ التي نشاهدها في المدن الكبيرة والصغيرة، إنما تكون محّصَّنةْ بسورٍ منيع شاهقْ ليَدفعَ عنها هجمات المعتدينْ، وما أكثرهم في جميع الأزمنة والأوقاتْ. ودير سيدة صيدنايا البطريركي وهو مسمى بين الناس ومنذ القديم ب”الحصن” لمناعة جدرانه وموقعه في بطن جبل صيدنايا، وكذلك دير سيدة البلمند البطريركي، ودير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي، ودير النبي الياس شويا البطريركي في ضهور الشوير، ودير القديسة تقلا البطريركي في بطن الجبل الشرقي في معلولا، ومثله دير القديسين سرجيوس وباخوس في جبل معلولا الشمالي، ودير سيدة حماطورا في موقعه الفريد الحصين ببطن الجبل، ودير التجلي في قمة جبل كفرام المُجّددْ بناؤه حديثاً بسوره المتين… ودير القديس سابا الرهباني الشهير في فلسطين التابع لبطريرك اورشليم، ودير القديسة كاترينا في سيناء…فهو مَعقِلٌ لرهبان سيناء قائم في سفح قمة من قمم طور سيناء على أحد فروع وادي الشيخ. وعلى اسم القديسة المصرية كاترينا، وله راية بيضاء ترتفع على قبة كنيسة الدير الكبرى أيام الأعياد والمواسم، وقد رُسم عليها باللون الأحمر صليب وحرفا (A.K )لكلمتين باليونانية تعنيان ” القديسة كاترينا”، وهو كدير سيدة صيدنايا البطريركي وسواه من أعمال الأمبراطور الرومي يوستنيانوس الأول في القرن المسيحي السادس، له سور شاهق عظيم، يضم بين جدرانه أبنية قائمة بعضها فوق بعض على غير نظام وترتيب، وتخترق أبنيتهاغرف ودهاليز معْوَجةْ ضيقة، حتى يرى المتجول نفسه تارة في صعود وتارة في هبوط ومرة في ظُلمةْ وأخرى في نورْ.

وقد بُنيتْ فيه عدة كنائس في عصور مختلفةْ، وجامع بمنارة (مئذنةْ)، أُقيم في صدر القرن الثاني عشر للميلاد، ومكتبة وجيهة لمخطوطات نفيسة وكتب مطبوعة ومنازل للرهبان وضيوف الدير، ومخازن للحبوب والمؤن والأخشاب وحاجات الدير المتعددة، ومطابخ وأفران وطواحين، ومعصرة الزيت والنبيذ، ومعمل لتقطير ماء الشتاء، وخارج الدير نرى حديقة متسعة فيها أنواع الخضراوات والزهور والأشجار المثمرة والفواكه.
هذه صورة مصغّرة مختصرة لدر طور سيناء تطبق على كل دير تقريباً من الاديرة في بلاد الشام ومصر والعراق وآسيا الصغرى.
ومن الشروط الأساسية لكل دير ان يكون فيه كنيسة أو أكثر على اسم قديس او قديسين آخرين كأديرة مار تقلا في معلولا، ودير سيدة صيدنايا، ودير القديس جاورجيوس الحميراء، ودير سيدة لبلمند… وان تحتوي على مناسك وقلالي وصوامع رهبانية، وان تكون تابعة له بعض الأكواخ والمقاعد والمصطبات والمظلات والمخادع والمغتزلات او مغاور الرهبان ( في لغة ابي الفداء) وكلها اصطلاحات خاصة بتكوين الدير وسياسته الداخلية. اما الصوامع والقلالي فهي غرف صغيرة ينام فيها الرهبان، ولا يجوز للضيوف ان يناموا فيها.
ولا يخلو دير من الديارات الكبيرة والصغيرة من مكتبة يجد فيها الرهبان ما ينشدون من الكتب المخطوطة والمطبوعة، التي تتناول موضوعات دينية وادبية وعلمية مختلفة، فيها الاسفار المقدسة وتفاسيرها من آباء الكنية، والكتب الفلسفية واللاهوتية وسِيَرْ القديسين والشهداء، وكتب الحياة النسكية والعبادات والطقوس الكنسية، وفيها كتب الأدب والشعر، وباللغات. وتعد مكتبة دير القديسة كاترين، الثانية في العالم من حيث الأهمية والنوعية بعد مكتبة الفاتيكان.
ومن الطبيعي أن يكون في كل دير من الأديرة الأنطاكية قسم خاص غير مفتوح الا لرئاسات الأديرة والأمناء يحتوي على وثائق وسجلات إدارية وحجج شرعية بأوقاف الأديرة وإيراداتها ونفقاتها، ومدارسها، وفعالياتها الاجتماعية والروحية ومنها أسواق العرضي التي تقام موسمياً بمناسبة الأعياد كما في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي …
كانت مكتبات الأديرة مجتمع الباحثين من الرهبان وضيوفهم، فيها يطالع الرهبان، وفيها يؤلفون وينسخون، وفيها يلقنون جميع العلوم إلى طلاب مدرسة الدير والزائرين من محبي العلم.
وعلاوة على ذلك فإن سكان الأديرة يشتغلون بالزراعة والفلاحة واستثمار الأرض وجني المحصول كما في بستاني ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا وبستان دير سيدة صيدنايا…والصناعة الديرية كالسلال من القصب وسعف النخل، وجدل الحِصْرْ والمؤونة وبيعها…
ويمارسون بنوع خاص نسخ مختلف الكتب القيَّمة ويزينونها ببعض الصور والرموز على كل لون وبكل دقة وإتقان. اما الراهبات فيشتغلنْ الأشغال اليدوية الدقيقة الصنع مثل الحياكة والخياطة والتطريز، ويعملن ببعض المنتجات الزراعية لتباع في الأسواق العامة، او تكون تحت الطلب وريعها يعود دائماً لصالح خزانة الدير وإنعاشها.
ويروي سعيد ابن البطريق 877- 940 في كتابه القيّمْ ” نظم الجوهر” مشيراً إلى ديارات الشرق بما يلي: “… وكان في عصر يوليانوس الكافر أنبا أنطون وهو أول راهب سكن في برية مصر وبنى الديارات وجمع الرهبان. وكان أنبا إيلاريون بالشام وهو أول راهب سكن برية الأردن وجَمَعَ الرُهبانَ فيها وبَّنى الديّارات وبَّنى مواضعَ كثيرة…”. غير ان المؤرخ الكنسي سوزومينوس من كتبة القرن الخامس للمسيح يقول في تاريخِهِ بصراحة” أن آوونيس هو الذي أسس الحياة النسكية، وهو بالنسبة إلى السوريين كأنطونيوس للمصريّينْ”.
ويرجع المؤرخ الكنسي الشهير المطران خريسوستموس بابا دوبولس رئيس أساقفة اليونان، أن مؤسس الرهبنة في سورية هو القديس أفراهات أو (أفراهاط) وذلك بناءً على ما جاء بشأنه في التاريخ الكنسي لثيوذوريتوس أسقف قورش (١) الذي كان من جثلقةِ الفُرسْ التابعة لبطريرك أنطاكية، وكان رئيساً ثم أسقفاً ل (مار متاي) (Mar Mattai)
قرب الموصل. ويَذكُر خريسوستوموس هذه الأخبار بتردد عظيم. ونضيف الى ذلك ما ذكره د. رستم مؤرخ الكرسي الأنطاكي في كتابه “كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى” حيث قال: “واعتكف مالك Malchusفيما يظهر في النصف الأول من القرن الرابع في برية قنسرين، وروى ما قاساه من المتاعب والأخطار الى القديس إيرونيموس في مارونية على بعد ٣٠ ميلاً عن أنطاكية. ويذكر سوزومينوس المؤرخ أكثر من ثلاثين ناسكاًفي براري سورية الشمالية وسورية الوسطى، ويؤكد انهم فاقوا نسّاك مصر في ممارسةِ “الفلسفة”، وزهد إبراهيم القيدوني لسبعة أيام من عرسه…
وذكر تيودوريطوس أسقف قورش ثلاثين زاهداً أقاموا الصلاة واجترحوا المعجزات في براري أبرشيته. وأشار أيضاً إلى الديرالذي أنشأه الراهب ثيودورس في أرسوز في ساحل سورية الشمالية، وإلى رهبانيات جسر الشغور وتوابعها”.
وجاء في كتاب ” تسريح الأبصار في ما يحتوي لبنان من الآثار” للأب هنري لامنس اليسوعي بخصوص بحثنا هذا ما يأتي: يقول الأب لامنس: ” إن مدافن عدلون بين صيدا وصور أصبحت مناسك في أوائل عهد الرهبنة على ساحل لبنان. ففيها من شارات ” النصرانية” (وصوابه المسيحية) والصهاريج ما يبرر هذا القول. وهذه المدافن مغاور مختلفة الحجم يربو عددها على المئتين. وفيها مراقٍ مُتقنةْ يُصعد منها إلى طبقات المغاور العليا فتجمع بين القلالي. ولا يُستبعدْ أن تكون أغوار وادي الفرزل التي تَطِلُ على البقاع قلالي أيضاً. ولا شكَ أن مغارة الراهب عند نبع العاصي بالقرب من الهرمل، هي أيضاً مجوعة من القلالي”.
ولنا في اسم مزرعة مندرة بالقرب من تعنايل البقاع أثر من آثار الرهبنة في أوائل عهدها في أبرشيات الكرسي الأنطاكي، ولا يخفى أن اللفظ اليوناني Mandra كان يعني حظيرة الغنم.ثم أطلق الرهبان هذا اللفظ على المكان الذي كانوا يجتمعون فيه. ومن هذا اللفظ “ارشمندريت” الذي أُطلِقَ على رئيس الرهبان. فالارشمندريت رئيس المندرة، ولنا في الاسم قنوبين أثر آخر من آثار الرهبنات الأولى. فبعض الرهبان الأولين أطلقوا على مكان اجتماعهم اللفظ اليوناني
Cha inobion ومعناه المنتدى أو المجتمع”. ولايفوتنا ان نذكر بأن نذكر بأن عيشة النساك في البراري والجبال كانت تماماً كعيشة الرعاة الذين يقضون لياليهم في المغاور ، ويعيشون معاً عيشة مشتركة وهذا هو معنىKoivobiov اليونانية.
من مشاهير نساك الكنيسة الأنطاكية
١-ثيودوريتوس أسقف قورش من مواليد مدينة أنطاكية. وقد قال في رسالته ٨١ الموجهة إلى نونس القنصل” إن والديَّ نذراني لله قبل أن يحبلا بي وبِّرا نذرهما بعد ان ولدت فعشت في الدير قبل أن أُصبح أُسقفاً ولم أقبل الأسقفية إلا مُكْرَهاً، وعِشتُ في هذا المقام خمساً وعشرون سنة، ولم تُقَمْ عليَّ دعوى من أحد، ولا شكوتُ أحداً، ولمْ يَشهَد أحد من الاكليريكيين المنضوين إلى ولايتي محكمة في هذه السنين كلها، ولم أتقّبلْ هدية ولا ثوباً من أحد ، ولم يأخذ أحد من خدامي رغيفاً أو بيضةً واحدةً من أحد، ولم أشأ أن يكون لي من المقتنى إلا الثوب المؤزر أنا به…” وقد روى كثيرون من المؤرخين أنه بعد وفاة والديه، باع كل ما خصّه من إرثهما، ووزّعه على الفقراء، واعتنق السيرة النسكية في أحد الأدّيار حيثْ كان يَصرفُ أكثر يومه بالصلاة، ويعكفُ في باقيه على العلوم الروحية، وقد تتلمذ ثيودوريتوس في حداثة سنه على توادوروس المصيصي ويوحنا الذهبي لفم، ورقّاه البطريرك برفيريوس (٤٠٤-٤١٤) الى درجة المرّتل، ثم صيَّره إسكندر (٤١٤-٤٢٤)خليفة برفيريوس شماسّاً الى أن رقاه ثيوذوتوس (٤٢٤-٤٢٨) خليفة إسكندر إلى الأسقفية على مدينة قورش في سورية الشمالية.
ومن مؤؤلفاته القيّمة: تفسير الزبور ونشيد الأنشاد والأنبياء ووسائل مختلفة ونظرة في خزعبلات الهراطقة، وأهم مؤلفاته تاريخه الكنسي (٣٢٣-٤٢٨) الممتاز بنزاهته ووضوحه.
٢-أفرام السوري من مواليد نصيبين في أيام الملك قسطنطين، كان والداه وثنييّن، ومنذ يفاعته ترك أباه الوثني، ولجأ الى الكنيسة، حيث اعتنق المسيحية، ثم هاجر إلى الرها السنة ٣٣٨، واتخذ السيرة الرهبانية بين الرهبان المتنسكين في الجبال القريبةمن هذه المدينة، ثم مضى إلى مصر يتفقد حالة النُسّاك في الأسقيط، فأقام بينهم ثماني سنين، ثم عاد إلى الرها، وانضوى إلى إكليروسها، وزار القديس باسيليوس الكبير في قيصرية الكبادوك، فاستقبله بالتجلة والتكريم، ورقّاه إلى درجة الشموسية، وعاد بعدها إلى الرها.

اشتهر هناك بعلمه وقداسته وتآليفه المتنوعة، ويقول السمعاني: ” إن أفرام كان يعْلَمْ من اللغات العبرانية واليونانية والمصرية عدا لغته السريانية”، وقد لقّبَهُ علماء السريان ” بملفان البيعة وكنارة الروح القدس ونبي السريان” ونحن في كنيستنا الارثوذكسية الخلقيدونية نؤكد على انه كنارة الروح القدس ومن عداد قديسيها، ولميامره وصلواته حيّزْ كبير في الليتورجيا الأرثوذكسية الرومية، بمعنى انه غير محصور بالسريان وحدهم وكانت الكنيسة في وقته واحدة ولم يضربها الإنشقاق اللاخلقيدوني.
كذلم قال فيه القديس إيرونيموس في كتابه في المشاهير (فصل ١١٥) ” أفرام شماس كنيسة الرها ألّفَ كُتُبّاً كثيرة في اللغة السريانية، وقد اتصَلَ من الشهرة والتوقير الى ان بعض الكنائس تتلو ما كتبه على الشعب في الكنائس بعد تلاوة منتخبات الأسفار المقدسة، وقد طالَعْتُ في اليونانية كتابه في روح القدس مترجماً عن السريانية، ووجدتُ فيهِ قِمّة من الذكّاء السامي في الترجمة أيضاً، وقضى نَحْبَهُ في أيام الملك والنس”.
ترك القديس البار أفرام وراءه مكتبة عامرة بمختلف المؤَلفاتْ من قصائدَ روحيةْ ومقالاتٍ مختلفة، وتفسير لأسفار العهدين القديم والحديث، وأناشيد روحية، وخطب في موضوعات شتى إلى روايات في شؤون كتابية، وقد تتلمذ عليه كثيرٌ من المسيحيين السوريين الذين اشتهروا بالعيشة النسكية والتآليف، وقد عاش في أواخر القرن الرابع وصدر الخامس.
٣-سمعان العمودي (٣٨٩-٤٥٩) منشيء الطريقة العمودية في النسك، التي اشتهرَ منها أيضاً العموديون الثلاثة: دانيال (٤١٠-٤٩٠)، وسمعان العجيب (٥٢٠-٥٩٦) وأليبيوس (٥٠٨-٦٠٨). ومن نسّاك سورية الذين عاشوا على طريقة القديس سمعان العمودي هم المعروفون باسم “أستيغي” (أي بدون مأوى أو مظلة) و ” الساكتون ” (سيوبوندين) و” الهادئون ” (أسيخته) وسواهم، كما وآليكسندروس مؤسس رهبنة ” الساهرين” (Akymitri) لمتوفي سنة ٤٣٠، ونبغ من أتباعه القديس مركلوس +٤٨٥ وثيودوسيوس (٤٢٣-٥٢٩) معزز الآداب المسيحية في الأديرة الرهبانية، وسمعان الصالوس الذي ترّفَعَ عن دنايا العالم فجَهَلَهُ الناس.(٢)
وحياة سمعان العمودي تتلخص فيما يلي نقلاً عن مؤلفات: ثيودوريتوس أسقف قورش وأنطونيوس والكاهن قزما من فنير إحدى قرى سورية المجّوَفة والسمعاني في المجلد الأول من المكتبة الشرقية (صفحة ٢٣٩) و” تاريخ كنيسة أنطاكية” لبابادوبولس، طبعة الإسكندرية سنة ١٩٥١ من صفحة ٦٨٥ وما بعد ( باليونانية): ” ولد سمعان العمودي في قرية سيس أو سيسان من بلاد قورش، وكان له إخوة كثيرون وأحدهم يسمى شمشي اقتدى بأخيه ورقاه الى درجة المرتل، وعكف على السيرة الرهبانية، وقد أتركت الوفاة والديه قبل أن يدخل الرهبانية، ثم ماتت عمة له، وجعلته وارثاً لثروتها، فترك هو العقارات إلى إخوته وباع الأثاث والملابس وتصدّضق بأثمانها على الفقراء والأديار ، وكان في حداثته يرعى غنماً قبل أن ترّهبْ، وقد تعشّقَ الكمال الرهباني عند تردده إلى الكنائس، وسماعه النصائح الإنجيلية وتفسيرها، وحصول رؤية سماوية له، فأتى إلى دير في قريةٍ اسمها تولادا فدفعَ إلى الرئيس ما كانَ استصحبه، ودخل إلى الدير الذي كان فيه أحدُ أنسبائه ، وكان في الدير المذكور مائة وعشرون راهباً، وعكَفَ على حياة التقشف، منها أنه كان يصوم السبة كاملة، ويَحتَزِمْ بحزم من أوراق النخيل، وأنه احتفر لنفسه حفرةٍ في زاوية من البستان قضى فيها الصيف في سنتين، ومنها أنه قضى أيام الصوم في قبر فطرده رئيس تولادا المسمى اليوذوروس (هبة الشمس) من ديره لإفراطه في التقشفات المضِّرة بصحته، فخرج تائهاً إلى أن هداه الله إلى دير ماريس بن يرعتون في قرية تسمى تل نشين (تل النساء) فأفرد الرئيس لسمعان قلاية يقضي فيها الصوم الأربعيني وأغلق باسBassos

البرديوط (كلمة يونانية أصلها برديوذفتس بمعنى المتجول) بابها عليه وترك له ستة أرغفة وكوز ماء، وبعد غتقضاء الأربعين يوماً فتح باس الباب فوجد الخبزات الست وكوز الماء لم ينقص شيئاً، ولقي سمعان جاثياً يصلي فناوله القربان المقدس، وبنى له باس وماريس محبسة في جانب قرية تل النساء، فأقام في قلاّية حرجة عشر سنين قبل يصعد على عموده، وكانت المحبسة على صخرة، قضى فيها وقتاً طويلاً بين الصوم والصلاة متعبداً لله. ولما أكمل صومَّه فتح باب قلايّته سأل أن يسوّى ذاك الصخر ليقيم عليه واستمر متهجداً عليه ثلاثة أشهر ثم سأل فأقيمت له أعمدة قصيرة، ثم رفيعة، إلى أن كان العمود الأخير أربعين ذراعاً.
ويفيدنا قزما كاتب سيرة حياة هذا القديس أن مجم حياته في السيرة النسكية كان ستأ وخمسين سنة قضى منها في الدير تسع سنين متقشفاً متهجداً وفي حبسة تل النساء وعلى الأعمدة سبعاً وأربعين سنة منها في المحبسة عشر سنين وعلى الأعمدة القصيرة سبع سنين وعلى العمود الأخير ثلاثين سنة ومن أعلاه لقي ربه في الثاني من شهر أيلول يوم الأربعاء في الساعة التاسعة سنة ٤٥٩ وقد ناهز السبعين من عمره لأنه وُلِدَ سنة ٣٩٠ أو ٣٨٩.
وقد ذكر قزما من الآيات التي صنعا الله على يده أربعاً وثلاثين آية، أما مخلفاته الكتابية فهي بعض الرسائل بالسريانية وخطبة في خروج النفس من الجسد.
٤-مار مارون: جاء في المعجم التاريخي الجغرافي لبويليا (طبعة رقم ٣١) ان مار مارون ناسك ورع كان في سورية في القرن الخامس ورقي الى درجة الكهنوت سنة ٤٠٥ وأدركته الوفاة سنة ٤٣٣ وفي رواية أخرى أن سنة وفاته كانت ٤١٠، وقد نسك على جبل قريب من قورش، واستدعى اليه جمعاً كبيراً من التلامذة فأنشأوا أدياراً عديدة. ويذكر ثيوذوريتوس أسقف قورش مارون الناسكفي عداد نساك أبرشيته، ويقول أنه اعتكف على إحدى القمم بالقرب من هيكل وثني وأنه قضى حياته بالصلاة والتوبة، وأن الله مّنَّعليه بالقدرة على الشفاء فتقاطر اليه الناس يتبركون ويلتمسون الدعاء وأن بعض هؤلاء تتلمذ عليه وأقتفى أثره.
ويروي التاريخ أن القديس يوحنا الذهبي الفم، لما توغل في البرية وعاش بين النساك والمتوحدين القاطنين بجوار أنطاكية ألَّفَ ثلاثة كتب في إطراء السيرة النسكية ورسم في فضائل قديسي القفار وطريقة عيشتهم في تلك البرية، نقتطف منها ما يتحمله المقام، قال: “إن قاطني البرية من النساك يهبون من الرقاد باكراً جداً قبل بزوغ الفجر بكل صمت وهدوء ويرفعون قلوبهم وأصواتهم الى الله بترتيل الأناشيد الروحية والمزامير ويتلون مناوبة صلاة السحر والتسابيح ثم يعودون ساكتين إلى مخادعهم فيتبحرون متأملين في الكتب المقدسة، أو ينصَّبون على تأليف المصنفات الممتلئة من الحكمة.
وكانوا يقسمون النهار إلى خمسة أقسام معينة لتلاوة الساعات الأولى والثانية والسادسة والتاسعة والغروب، وفي خلالها في أوقات العطلة كانوا يَختَلَون لمناجاة الحق بأسفار رسلهِ وأنبيائه. أما ساعات النهار فكانوا يقضونها بالأعمال اليدوية الشاقة كحراثة الأرض وزرعْ بعض البقولْ وحياكة السلال والمُسُوحْ، وخياطةِ ثيابِ الفقراء، وجمع الحطب يومياً ونقله إلى الدير مع مايحتاج إليه من القوتْ، وأخيراًتهيئة الأطعمة البسيطة.
وكانوا مع هذه المادّية لا يأنفون من إتيان أعمال المحبة المسيحية، فكان بابُهم وأيديهم مفتوحة لكل الإحتياجات، وملافاة جميعِ التعاسات البشرية، فكانوا يرحبون بكل ضيوفهم إن أغنياء أو فقراء، مرضى أو قطاع طرق، أبراراً أو خطأةً أو أعداء. فبعد ما كان الغريب يطأ عتبة الدير كانوا يُحيّونه بألفظ مقدسة، ثم يأتي أحد الإخوة وينفض عن ثيابهِ الغبارْ، ثم يغسل رجليه ويقبلهما، ثم يُجلِسُهُ على مائدةِ الضيوف ويقف أمامه بكل احترام لخدمته.
وعند المساء بعد زوال النهار، يجتمع الآباءُ كلُّهم لتناول غذائهم الوحيد، وهو الخبز والملح. وكانوا لا يأكلون الزيتَ إلاّ قليلاً، أما إذا توعّكَ أحدُهم أو أضناه المرض فكانوا يأذنون له بأكل بعض الأعشاب والخضر والحبوب المسلوقة كالحمص والفول والعدس، وعندَ الفراغ كانوا يسدون الشكر للعزة الإلهية. وليس من المستغرب إذا كانت وجوههم نحيلة وعارية من اللحم، ولكن كانوا سليمي الأجسام لا تعتريهم الأمراضُ إلا نادراً، وكانوا رغماً عن الأتعاب والمشقات والتقشفات الصعبة يعيشون كثيراً ويعَّمَّرونَ طويلاً.
بعد ذلك الغذاء الخفيف البسيط كانوا يجتمعون للمفاوضة بالأمور الروحية الآيلة لخلاص نفوسهم ولبنيان القريب الروحي…ثم كانوا ينطلقون لينالوا نصيباً من الراحة منقادين لمقتضى الطبيعة، وكان فراشُهم حصيرة ممدودة على الأرض، فكانت لهم في النهار مجلساً وفي الليل سريراً.
ولم يكن مسموحاً لهم أن يخلعوا عنهم شيئاً من ثيابهم عند النوم، وكان نومُهم هادئاً لعدّم تثّقيل مِعَّدِهم بالمآكِلْ الكثيرة الضخمة.
ومنذ نصف الليل عند صياح الديك، يهب رئيس الجماعة ويطوفُ قلاّلي الإخوة فيمس كلاً منهُم برِجلِهِ ناطقاً بعض كلمات مقدّسة ليوقظهم ويدعوهم الى الصلاة فينهضون للحال بكل سكينة باسطين للصلاة، مرتّلين المزامير والتسابيح باتفاق الأصوات التي تشَّنِفُ الآذان وتملأ القلب فرحاً في ذلك الليل ما بين تلك البراري المقفرة والوحدة المقدسة. وبعد صلاة الليل كانوا يرتاحون قليلاً وقبل الشفق ينهضون لأجل الصلاة السَّحَّرية.

أما ملبوسهم فكان أنسِّجَّة غليظةً من شعر الماعز ووبر الإبل أو بعض الجلود الجافة الغّير مهذّبة ثياباً خلّة رثّة، حتى أن أتعس الفقراءْ كان يخجل أن يلبسها، وكانوا كلهم في المأكل والملبس سواء مهما كان شرف أصلهم وغنى أسرتهم. ولم يكونوا يلبسون بأرجلهم أحذية بل يمشون حفاة، حتى أن زُهدُهم بأمور العالم كان غريباً، ولم يكّن لهم ما يملكون سوى أجسادهمْ وأنفسهمْ. وإن حصل أحدهم على ثروةٍ من إرثٍ أو هِبّةْ أو إجرةِ عمل يدوي كانوا يتصدقون به على الفقراء ولمْ يُبقّوا لديهم إلا ما لابد منه للقيام بأودِ أهلهِ، وكانَ كلُّ شيء بينهما مشتركاً، وكانوا مرتبطين برباط المحبة المتبادلة حتى قيل عنهم بأنهم جسد واحد وقلب واحد.
وقال البارون هنريون في تاريخه ” إن ثيوذوريتوس (أسقف قورش) في كلامه عن الرهبان، كانَ يُسّمي العيشة الرهبانية سيدة الفلسفة وجوُدة الحياة التي تقود الإنسان إلى السماء، وأن تكون أشغالها غير متناهية لأن الرهبان كانوا يقضون أيامهم في فعل الإماتات والبكاء والسهر والصوم، وكان يُنسَبُ عِظَمُ نُسكهم إلى كّثرة محبتهم لله، حال كون تلك المحبة وحدها كانت تجعلهم أن يشتغلوا شغلاً فوقَ الطبيعة، فلم يكنْ البعضُ يقتات إلا من العشب الذي ينبت من نفسه، فلم يشعلوا ناراً أبداً، ولم يلبسوا إلا قميصاً فوقه رداء من شعر الماعز القاسي، ولم يكّن غيرهم يأكلون إلا مرة في الأسبوع، وكان طعامُهم الخبز الناشف المعجون من نخالةِ الذرة البيضاء بإضافةِ قليلٍ من الملح، وكان قومٌ منهم يكتفون بقطعة خُبزٍ يومياً وآخرون بخبز الحنطة معجون بالماء يُبقونه مدة شهر ليجف ويفقد لذّةَ الطعم، ومع تقشفهم هذا كانوا يعتنون بضيافةِ الغُرباءْ فيجعلون مرقدهم مرتّباً ويقدمون لهم خبزاً شهياً وخمراً وسمكاً وفاكهة دون ان يواكلوهم…”
حواشي البحث
١-تاريخ كنيسة أنطاكية
٢-كتاب خاص في الطريقة العمودية للبحاثة دليهاي بعنوان: Hip, Delehaye, Les Saints Stylites, Brux. 1923
مصادر البحث
رستم، اسد: تاريخ كنيسة أنطاكية
بابادوبولس، خريسوستوموس: تاريخ كنيسة أنطاكية
سنكسار وسير القديسين
ساعاتي، نجيب الحياة النسكية في انطاكية
