مساهمات العرب المسيحيين في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (النهضة العربية)

أولاً: في التعليم والمعرفة الحديثة

لقد كان للمؤسسات التعليمية التي أنشأها العرب المسيحيون دور محوري في إدخال العلوم الحديثة إلى العالم العربي.

المدرسة الارثوذكسية الوطنية الدمشقية ( الآسية) التي حدثها الخوري الدمشقي يوسف مهنا الحداد 1840 بعد ان كان قد اسسها البطريرك الأنطاكي افتيموس كرمة عام 1635 وقد كانت تدرس في صفوفها العالية مناهج جامعية في الطب والعلوم والرياضيات واللغات والفلسفة والمنطق والدينيات، ثم افتتح فيها كليتي اللاهوت والموسيقا الرومية عام 1851 وكان الهدف افتتاح جامعة لبطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس لولا مذبحة 1860واستشهاد الخوري يوسف ( القديس يوسف الدمشقي وكادر المدرسة الاداري والتعليمي) والا لكانت قبل الجامعتين اليسوعية والاميركية بعقدين. وقد تخرج منها كل ارباب العلم الدمشقيين الذين بعثوا فكرة الحضارة العربية في العقد التاسع عشر.

مدرسة المصلبة الاورشليمية الأرثوذكسية التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس السنة 1851 وقد اسسها البطريرك كيرلس، وطلب من الخوري يوسف الحداد الدمشقي ان يديرها الا ان الأخير اعتذر وارسل بدلا عنه الخوري اسبيريدون صروف الدمشقي الشهير.

المدرسة البطريركية الدمشقية للروم الكاثوليك التي افتتحها بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس يوسف 1858

المدرسة الوطنية التي أسسها بطرس البستاني (1863) في بيروت كانت مدرسة غير طائفية، مفتوحة لكل أبناء الوطن، وقدمت مناهج عصرية تزاوج بين العلوم الحديثة واللغة العربية.

الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية في  رأس بيروت لاحقًا) أسهمت في تكوين نخبة من الأطباء والعلماء والكتّاب الذين صاروا فيما بعد من أعمدة النهضة.

مدرسة مار الياس بطينا الارثوذكسية في بيروت لمؤسسها المطران غفرئيل شاتيلا الدمشقي. في منتصف العقد التاسع من القرن 19.

الكلية الارثوذكسية الحمصية ( الغسانية) لمؤسسها مطران حمص اثناسيوس عطا الله وكانت مشعل ثقافة حمص وارباب نهضتها اواخر القرن 19.

كما كان لمدارس الجمعية الامبراطورية الفلسطينية – الروسية الارثوذكسية المؤسسة في العقد التاسع اولاً في فلسطين وتخرج منها كبار الأدباء كميخائيل نعيمة ورفقته ومي زيادة و… ومن ثم انتقلت الى بيروت ونشرت المدارس في طول الديار الشامية وفلسطين وعرضها حتى في اصغر القرى والبلدات، مع دور للمعلمين والمعلمات وتعاونت معها مدارس الأسية والغسانية والبلمند والنبي الياس شويا واوفدت المتقدمين والمبرزين علميا الى موسكو زبطرسبرج وكييف وقازان وتخرج منها ائمة كبندلي جوزي المقدسي وجرجي مرقس الدمشقي… وكذلك كان  للمدارس اليسوعية والبعثات التعليمية التي انتشرت في سورية ولبنان ومصر دور بالغ في رفع مستوى التعليم وإحياء الاهتمام بالبحث العلمي.

ثانيًا: في الصحافة والإعلام

الصحافة كانت السلاح الأبرز للنهضويين العرب، وقد تصدّر المسيحيون هذا الميدان:

جرجي زيدان مؤسس مجلة الهلال في القاهرة (1892) التي لعبت دورًا بالغًا في نشر الثقافة والتاريخ والفكر القومي.

يعقوب صروف وفارس نمر أسسا مجلة المقتطف (1876) في بيروت، ثم في القاهرة، وهي من أقدم المجلات العلمية والثقافية في العالم العربي.

بطرس البستاني أنشأ الجنان (1870) التي عُدت منبرًا للأفكار الإصلاحية والتنويرية.

كما برزت أسماء مثل سليم وبشارة تقلا مؤسسي جريدة الأهرام في مصر (1875)، التي أصبحت لاحقًا من أكبر الصحف العربية.

ثالثًا: في الأدب واللغة

كان العرب المسيحيون من أوائل الذين سعوا إلى تجديد الأدب العربي وإحياء التراث:

بطرس البستاني قاد مشروعًا لغويًا موسوعيًا عبر دائرة المعارف وقاموس محيط المحيط، مؤكدًا مركزية اللغة العربية في الهوية الجامعة.

فرح أنطون دعا إلى التنوير والفكر العقلاني، ودخل في سجالات فكرية مع الشيخ محمد عبده حول قضايا الدين والعلم.

ناصيف اليازجي وأسرته لعبوا دورًا في إحياء فنون البلاغة والشعر الكلاسيكي، وكان ابنه إبراهيم اليازجي من أبرز من عمل على تنقية اللغة وإصلاح قواعدها.

في مجال الرواية التاريخية، قدّم جرجي زيدان سلسلة رواياته الشهيرة التي جعلت التاريخ العربي الإسلامي مادة مشوقة للأجيال الجديدة.

رابعًا: في الفكر السياسي والقومي

لقد كان العرب المسيحيون شركاء أساسيين في صياغة خطاب العروبة الجامعة:

بطرس البستاني طرح مبكرًا فكرة “حب الوطن من الإيمان” ودعا إلى رابطة قومية تتجاوز الطائفية.

عبد المسيح حداد ورفاقه في المهجر أسسوا الرابطة القلمية في نيويورك، التي كان لها دور فكري وأدبي في تعزيز الهوية العربية في الاغتراب.

أنطون سعادة في النصف الأول من القرن العشرين قدّم مشروعًا سياسياً قومياً جامعاً، رغم اختلاف تقييماته، إلا أنه يمثل امتدادًا لفكر النهضة.

كما أن حضور شخصيات مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة في المهجر الأميركي شكّل بعدًا إنسانيًا عالميًا للفكر العربي النهضوي.

خامسًا: البعد الجامع للنهضة

إن ما يميز إسهام العرب المسيحيين في النهضة أنهم لم ينطلقوا من رؤية فئوية أو طائفية، بل سعوا إلى مشروع نهضوي جامع يقوم على:


  1. إحياء اللغة العربية كوعاء للهوية.



  2. نشر التعليم والعلوم الحديثة كشرط للتقدم.



  3. إصلاح المجتمع والدولة على أسس المواطنة والحرية والعدل.



  4. مقاومة الاستعمار والتبعية والسعي لبناء الدولة الوطنية.


خاتمة

إن مساهمات العرب المسيحيين في النهضة ليست فصلًا جانبيًا في التاريخ العربي الحديث، بل هي في صميم عملية التأسيس للهوية العربية المعاصرة. لقد تشكّلوا مع المسلمين شركاء في حمل مشعل الإصلاح، وأثبتوا أن النهضة لا يمكن أن تكون إلا نتاج عمل جماعي مشترك عابر للطوائف والإثنيات.

 إن استعادة هذا الدور اليوم لا يهدف إلى الاحتفاء بالماضي فحسب، بل إلى تذكيرنا بأن مشروع النهضة ما زال مهمة مفتوحة، وأن دروس التاريخ تبيّن أن التقدّم لا يتحقق إلا عبر الشراكة في الوطن المشرقي، واالعيش الواحد، والإيمان المشترك بالمستقبل.

الاثنين ٧ ايلول ٢٠٢٦ 

Scroll to Top