باب توما..هذا الحي حيث ولد التاريخ وبدأ يحبو…

باب توما..هذا الحي حيث ولد التاريخ وبدأ يحبو…

في دمشق، تلك التي لا يُحصى عمرُها ولا تُحدّ أزمنتُها، حيث تتعانق ظلالُ الحضارات كما تتشابك أغصان الياسمين على نوافذ البيوت العتيقة، يقفُ “باب توما” كأنه قصيدة معّلقة على جدارِ مدينةٍ لا تعرف الفناء، ليس بابًا من حجرٍ فحسبْ، بل نصٌ حيٌّ، مكتوبٌ بلغةِ الأزقة الضيقةِ والأجراسِ والمآذن، يروي حكاية الإنسان في بحثِه الأزلي عن هويةٍ تؤويه ومأوى يحتضنه ومعنى يُبرر غربتُه.

هنا، عند الضفة الشمالية الشرقية من سور دمشق الأثري، يقف باب توما كجنديٍّ حارس على بوابةِ الذاكرة وتاريخ الذاكرة، حجارة البوّابة ملساءْ لكنها مُثقلةْ بما حَملت، وأسوارُها تئنُّ بما شَهِدَتْ، وأزقتُها تُنصتُ بعدُ إلى وقعِ أقدامٍ لم يعد لها أصحابْ، حوله تدور الأزمنة، كما تدور عقاربُ الساعة في كاتدرائيةٍ قديمة، تختلطُ أصواتُ باعةِ الأسواقِ بتراتيل الكنائسِ وأذان الفجر، وتذوبُ رائحة الخبز الحارّ في عبق بخورِ القناديلْ، ليصنع المكانُ سيمفونيةٍ لا يُجيدُ عزفُها إلا الدمشّقيون.

اسم “باب توما” في ذاته يحمل دلالة فلسفية أيضاً، هو المكانُ الخالد ينطق حضوره في دمشّق فاصلاً بين دمشق القديمة وتوسعها الحديثِ المعاصر بكل ما في الحضور من ألمٍ وأملْ، من شهادةٍ على الحق، ومن صبرٍ على المكّاره، لهذا بقي الإسمُ حيًّا رغم كل ما طرأ على الحي من تحوّلاتٍ، كأنّه يذكّر كلَ عابرٍ أن الأسماءَ التي تُختارُ بعنايةٍ لا تموّت، وأن الأماكنَ التي تحملُ أسماءَ من ضّحوا تبقى دائماً شاهدةً على تاريخٍ أكبر من أن يُمحى.

بل هو ذاكرةٌ تمشي على الأرض، ذاكرةُ قداسةٍ أوُلىْ، وتضحيةٍ لاحقةْْ، وصبر متجّدد في كلِ جيل. فهنا تتقاطعُ النصوصُ السمّاوية مع الحكّايات الشعبية، ويتحولُ الإسمُ إلى دعاءٍ يترّدد على لسانِ المؤّمنين، أنْ يَبقىْ المكانُ كما كانَ دائمًا، بابًا مشرعًا للحياة، وحصناً يحرِسُ الذاكرةْ.

ويعّدُ باب توما من أشهرِ أبوابِ مدينةِ دمشّق القديمة، يقع في الجهة الشمالية الشرقية من السور. 

بناهُ الرومانُ، على أنقاضِ الباب اليوناني الهلنّستي زمن الاسكندر المقدوني، ويتكهن البعض أن الإغريق ربما أقاموه على أنقاض الباب الآرامي الأسبق.

أما معلمنا  مؤرخ الشام الاب “أيوب نجم سِمْياا”  فيقطعُ في تاريخه وهو مؤرخ دمشق الموضوعي بدون تجرد حيث يقول فيه:” اختطه اليونان (اليونان القدماء او الإغريق) بعد أن احتل المدينة القائد “بارمينيو” بأمر من الإسكندر  الأكبر المقدوني تلميذ أرسطو عام 333 ق.م، ونسبوه لكوكب الزهرة تيمناً وتباركاً.

ونحَتّوا فوقَ البابِ نَقشّاً حجرياً بارزاً لصورةِ ذلك الكوكَّب الذي تمّثله في معتقداتِهم، وعباداتِهم، إلهةُ الحبِ والجمالِ والتوَّالد، “أفروديت”، ومعناها باليونانية: “الوردة الفرحة”، فكانوا أحياناً ينقشونها بصورةِ فتاةٍ جميلة مكلّلة أحياناً بإكلّيلٍ من الوردْ، أو يرمز لها بـ “بيضةْ بين هلالين”.

وكان هذا الشكل يُنقَشُ إما أُفقياً أو عامودياً حسب مساحةِ المكّان الذي سيُشغِلُه، وكانت البيضةُ تَرمُزُ إلى الولادةِ، والهلالُ إلى ولادتِه في رأسِ كلِ شَهر، وهو رمز ينقُشُه الإغريق خطاً متوازياً جميلاً في الخُصور الظاهرة للحجارة التي تؤلف طنوف ومثلثات سطوحَ الهياكل الخاصة بالزُهرة.

ويضيف المؤّرخ العلاّمة الخوري “أيوب نجم سميا” أنه بعد مرور 81 عاماً على موتِ الإسكندر المقدوني، أي في عام 142 ق.م تولى سورية الملك السلوقي “تريغون”، فرمَّم ما تشَّعَّثَ من السور، ومن جملة ما رَمَّم بابَ الزُهرة (يعني) “باب توما”.

وقد نُقِش تاريخُ الترمّيم بحرفيَّن يونانييِّن، على حجرٍ يُشاهدُ اليوم في الجهّة الشرقّية من الأثَر إلى جهّة ساحة باب توما على علو متر من الأرض، ويبلغ طوله 125 سم وارتفاعه 85 سم.

كما يذكر  المؤرخ “سميا” أن الباب الذي أقامه اليونان شّيدوه بقوسٍ ضخمةٍ واحدةٍ ترتكز على أسْكِّفَة عظيمّة تمتد فوق عضادّتي الباب، وعلى سطورٍ كتابةٌ يونانية، تتعلق بعبادة الزُهرة، وبالبناءْ، ونقشوا في الفُسحّة بين القوّس والأسْكِّفَة صورةَ الفتاةِ التي تمثّل الزُهرة، وفي الخُصور الداخلية لحجارة القوّس، نقشوا أُفقّياً رمزَ البيّضة والهلالّين خطاً نصف دائرة.”

“ولما احتلَ الرومان دمشق عام 64 ق.م، وكانوا يعبدون نفس الإلهة باسم آخر وهو “فينوس”، تركوا كل شيء من عهد اليونان على حالة لكنهم أبدَلوا الإسم وأبقّوا على النقشِ الذي يمثل الزهرة، كما حصّنوا هذا الباب وزادوا مِنعَتَه.”

ويتابع العلامة المؤرخ الأب ايوب:” في العهد الرومي (313-635 م) جرت هذه الدولة على خطةِ الوثنيّين في تسمّية أبوابِ دمشق،وبقية المدنِ الكبرى، ونَسبتها إلى الكواكب، ولكنها قامتْ باستبدالِ هذه النَسبة إلى أسماء قديسين، فأقامت وراء كل باب من الابواب الرئيسية السبعة كنيسةْ بإسمِ قديس مُلاصِّقة للباب مع برجٍ مشترك للبابِ والكنيسةِ يعلوه الصليبْ لحمّاية الباب، وتقام في هذه الكنائس أعياد دينية لهؤلاء القديسين وتكون هي أعياد الابوابْ، وكان من نصيب باب توما أن تقام كنيسة على اسم القديس توما الرسول أحد تلامذة السيد المسيح.” وهذه الكنيسة ا تحَّولت عند دخول المسلمين الى جامعٍ صغير، كما تحصل بكل كنائس القسم الشرقي من دمشق المفتوح حرباً والبالغة 15كنيسة ودير، وفق شريعة فتح دمشق بتحويل كل الكنائس الى مساجد) وحُّوِّلَتْ ابراجها التي يعلوها الصليب الى مآذن، ثم شملت لاحقاً خطة تحويل الكنائس الى مساجد القسمَ الغربي، ورفعت على الابواب السبعة المآذن كحالها اليوم، ومنها مسجد صغير كان قد اقيم العام 635م  في الشارع المستقيم  على خط كنيسة مريم (المريمية) تخليداً للقاء جناحي جيش المسلمين الداخل حرباً من باب شرقي بقيادة خالد بن الوليد، والداخل صلحاً من باب الجابية بقيادة ابي عبيدة، ولم تحول كنيسة مريم الى جامع لوقوعها في الخط الفاصل بين قسمي المدينة المفتوح حرباً والمفتوح صلحاً فأعتبرت من املاك الدولة وأغلقت، اثناء توسيع الساحة غرب كنيسة مريم من قبل محافظة دمشق السنة 1943 أزيل المسجد. وكان صغيراً متداعياً وبقيت مئذنته ( المئذنة العمرية)  وازلت مدرسة مار نقولا الارثوذكسية وهي وقف من أوقاف البطريركية الارثوذكسية. والحال ذاته بالنسبة لمسجد باب توما واصله كنيسة مارتوما الذي بقي مسجداً وكان صغيراً ومتداعياً الى عام 1925م  حيث ازيل ومئذنته عند فتح السور بشارع الذهاب من  جسر باب توما الى طريق باب توما الحجري الاسود الموصل للقشلة.

درب الحجر الاسود
درب الحجر الاسود

ولكن ومنذ الحملة الفارسية الضارية على سورية عام 614  م…واقتحام اورشليم وتدميرها وقتل شعبها المسيحي برمته وسبي نسائها واولادها وسرقة عود الصليب من الفرس الغزاة وقد أخذوه الى ديارهم حتى حرره الامبراطور هرقل واسترجعه ومحق الدولة الفارسية في عقر دارها واسترجع الاسرى المسيحيين الى اورشليم، وخوفاً من المصير ذاته لدمشق، لاسيما وان فيها رأس القديس يوحنا المعمدان  وهو موضوع في المذبح المقدس لكاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان منذ عام 451 م ( الجامع الاموي  سنة 705 ) قام الامبراطور هرقل بتعيين صهره زوج ابنته البطريق (جنرال) توماس والياً  رومياً لدمشق، وهو مقاتل عنيد انتصر في كل معارك الامبراطورية وجُرِحَ مراراً ضد الفرس، وذلك لتحصين دمشق الى حين حصار المسلمين لها بقيادة ابن الجراح وابن الوليد السنة 635 م فقام بتحصين دفاعات السور  وخاصة باب توما وكان ضعيفاً نسبياً وتولى شخصيا الدفاع عن هذا الباب.

وعند دخول العرب المسلمين إلى دمشق في سنة 14 هـ  635 م نزل على هذا الباب القائد “عمرو بن العاص”، ودافع توما دفاعاً مستميتاً خلال اربعة اشهر الحصار وكانت قد صدرت الاوامر الامبراطورية بإخلاء الجيش الرومي والانسحاب الى سهل اليرموك لمعركة فاصلة وكان من يقوم بالدفاع عن السور والابواب المقاومة الشعبية من دمشق وهو من كان يقودها، واحتراماً لشجاعته النادرة، عندما القي القبض عليه مع مساعده، رفض ابو عبيدة ماكان خالد سيقوم به باعدامهما واخلى سبيلهما ومن يومها والباب يحمل اسم البطريق توما وليس القديس توما تخليداً لذكراه.

  وعند حصار العباسيين لدمشق سنة 132 هـ نزل على هذا الباب “حميد بن قحطبة”

حي باب توما

في كل حجر من أحجار “باب توما”، وفي كل قوس من أقواسه، تعيش ذكرى القديسين والقداسات الإلهية التي أُقيمت في جواره، وصدى الترانيم التي انطلقت من كنائس الحي في أعياد الميلاد والقيامة، ولهذا بقي حي باب توما معقلًا للمسيحيين عبر العصور، ولم يخفت فيه صوت الجرس حتى في أحلك ليالي القسوة أو أفظع تقلبات السياسة.

باب توما… الحيّ الذي يروي دمشق بحجارة الزمن في قلب دمشق القديمة، يفتح باب توما ذراعيه لحكاياتٍ لا تنتهي…هو حيٌّ تروي حجارته قصص العشّاق والعابرين، وتنساب فيه الأزقّة كأغنيةٍ من زمنٍ بعيد  وكان أحد الأبواب السبعة لمدينة دمشق المتجه نظره شمال دمشق القديمة الى حيث نما حي القصاع وسط غابة من الاشجار المثمرة التي كانت من الغوطة الشرقية واصبحت بدءاً من اواخر القرن ١٩ حي القصاع الوليد.
تمتزج في حي باب توما العمارة الرومية والاوربية والعربية، وتفوح من نوافذه رائحة الياسمين والخبز  وافران القربان المقدس للكنائس الدمشقية .
هنا، لا يُعدّ الزمن بالساعات، بل بخُطى الجدّات، وهدوء الصباح، وهمسات المارّة.
باب توما ليس مجرّد حيّ… بل فسيفساء إنسانية وثقافية ما زالت تنبض رغم كلّ ما مرّ به.

في باب توما تختزل دمشق نفسها؛ مدينة المائة باب، كل باب منها مفتاح إلى حكاية، وكل حكاية منها مرآة لإنسان؛ وهذا الحيّ الدمشقي ليس حيًّا كسواه، بل صفحة من سِفْرٍ مفتوحْ، تعبُره شخوص من شتى الملل والنحل، مواطنين مقيمين وذاهبين إلى أعمالهم، وزوار وسياح دينيين، وتنقُش فيه الأُمم طَبْعَاتها قبل أن تندّثر وتبقى دمشق.

القائد توماس حامي باب توما
باب توما…هذا الحي حيث ولد التاريخ وصار يحبو

 حيّْ “باب توما”، في وعي أهلِ المدينة وزوارها، ليس حيًّا فقط بل رمز. رمز للتنوع والقداسة والصبر، شهادة حية على أن الحضارات قد تتناوبْ، لكن الأمكنة الحقيقية تعرف كيف تصونُ روحُها رغم الدمار والخذلان؛ ففي كل ركنٍ من أركانِه قصَّة لا يحفظها التاريخُ الرسمي، وإنما تحفظها ذاكرات الناس، وهم يمرون تحت قوسه الروماني العتيق، فيدركون أن أبواب دمشق ليست مداخل فحسب، بل مخارج من النسيان أيضًا…

“باب توما”، ذاك الحي الدمشقي العتيق الذي نجح في البقاء حيًّا عبر آلاف السنين، هو الجزء الاساس من دمشق القديمة وهوية العاصمة الأقدم في العالم.

باب توما، هو أحد أحياء دمشق القديمة الذي ارتبط اسمه باسم الباب الأثري، أحد أبواب دمشق السبعة، وما زال الحي يحتّفظ بتُراثِ الأجدّاد وعبَّقِ الماضي في أرصفته وبنائه القديم.

 واذا كان قوس باب توما، أحد الأبواب السبعة من سور دمشق الحجري القديم،  الا ان بيوت اهله اتكّأتْ  من فجر التاريخ عليه، وكأنها تساهم مع أصحابها في دعمِ هذا السور أمام جحافل الغزاةِ الطامعينْ، والجميل انَّ مِنَ السّور تُفتح نوافذُ هذه البيوت وعليها اصص الزريعة الدمشقية لتزينها وتعطيها الحياة المتجددة، ولتعبِّر عن صمودِ المدينةِ المشَّرِف المشْرِق، هذه البيوت القديمة المبنية على السور القديم لدمشق القديمة هي ايضا مبنية من الحجر وكل حجر فيها له قصة قديمة.

باب توما..هذا الحي حيث ولد التاريخ وبدأ يحبو…

شارع باب توما

وهو الشارع الذي يتفّرعْ عن الشارعِ المستقيم الممتد من الباب الشرقي إلى الباب الغربي (الجابية) بطول حوالي كيلومتر ونصف ويتوسطه قوس النصر الرومي بجوار بطريركية الروم الارثوذكس ومريمية الشام اقدم كنائس التاريخ.

يتفرع الشارع  الموصوف “بشارع باب توما” بحجارته السوداء،  شّمالاً من الشارع المستقيم مقابل “القشلة العزيزية” وطريق أسكولا أو حارة اليهود، ويتجه شمالاً إلى الباب الأثري باب توما، وقد اسماه ابن عساكر المؤرخ الدمشقي “درب الحجر”، كما نقل مؤرخ دمشق المعاصر العلامة الدمشقي محمد كرد علي في كتابه “خطط الشام” الجزء السادس. على أن هذا الشارع كان في أيام “الدولة السلوقية” وعاصمتها مدينة أنطاكية الهلنّستية ( اليونانية – الشرقية) كان يفرع من الشارع المستقيم من هند القبة ويمتد شمالاً بخط مستقيم، حتى يتصل بالشارع الذي يمتد من باب الزُهرة ( اسمه في زمن اليونان والرومان) جنوباً الى داخل المدينة، وكان يمتد على جانبيه كعادة اليونان في مدنهم اليونانية في اليونان وآسيا الصغرى خطا عواميد يحمل كل منهما سقفاً على قناطر تشكل رواقاً”.

ويقول معلمنا المؤرخ  الأب العلامة أيوب نجم سميا، وهو عاشق دمشق القديمة ومؤرخها (منتصف القرن 20) انه: “قد تَتَّبعَ هذه الجادة بحالتها الحاضرة حتى نهايتها المذكورة”، ويؤكد الأب أيوب وجود ثبوتياتٍ واضحة مما عثر عليه فيها من الآثار اليونانية،مما يَذكره “ابن عساكر” عنْ يونانيةِ المدينةِ القديمةْ وشارعها المستقيم وتفرّعاته، اما الإستقامة في هذه الجادة الحالية فهي مفقودة تماماً، وذلك بما حدثَ فيها  من تهدمات بسبب الزلازل والحروب، وما صار بعدها من الابنية المبنية التي جاءت طوعاً للسهولة المكانية.

يحفلُ هذا الشارع بآثارٍ كثيرةٍ منها ما هو مندثر، ومنها ماهو عامر، وآثار يونانية وشامية عربية.

رباط ابي البيان

الرباط في الإصطلاح الإسلامي هو تكّية صغيرة، اي معهَد ذو دار، يقوم في أحدِ جوانبِها مسجد، وفي جانب آخر غرفٍ قليلة لإيواء الغرباء النزلاء، ومطبخ وغرف مؤونة، وكان يقّدم فيه الخبزُ والطبخُ لمن ذكرنا، وتُنفِقْ عليه الحكومة او الأوقاف، وقد كَثرتْ مثل هذه الرُبَطُ والتكايا في الدول الاسلامية المتعاقِّبة من القرن الحادي عشر المسيحي إلى أواخر القرن الثامن عشر المسيحي، ثم آلتْ إلى الإندثار، وبقيتْ  آثارُها، ومنها “رِباطُ أبي البَيَان” هذا، ويقول العلامة كرد علي عنه في خطط الشام أنه كان في أول شارع درب الحجر.
والرباط هكذا نجده اليوم إلى يسارنا، بعد  أن نسير بضعة عشر متراً في هذا الشارع من الجنوب الى الشمال، أي من الزاوية المقابلة للقشلة باتجاه قوسِ باب توما، وكان مُهملاً وقد قامت وزارة الاوقاف منذ منتصف القرن العشرين بترميمه ووضعت له مكبرات الصوت لرفع الأذان وجعَّلتُه مسجداً ومصلى. ويقول “العلامة كرد علي” عن ” أبي البيان” في  موسوعته “خطط الشام في الجزء 6 ص138: انه محمد ابن محفوظ القرشي الدمشقي المشهور بابن الحوراني، وكان فقيهاً ومعلماً وهو الذي أنشأ هذا المعهد في بادئ الامر مسجداً ومدرسة صغيرة سنة ( 501 ه = 1107م ) في العهد الأخير من الدولة الفاطمّية، ولقب بأبّي البيان  لأنه اشتهر بعلم البيان في العربية، ثم جعل منه “بيمارستاناً” (مستشفى) كما يقول في “خطط الشام”، ثم جعله “رِباطاً”، وأكيد انه تهّدَّم ( بفتنة 1860 مع بقية  البيوت والأماكن المسيحية المجاورة والمحيطة التي احترقت وتدمرت برمتها في هذه الفتنة الطائفية المدمرة، حتى تجدد سنة 1863 وهي سنة بناء “القشلة العزيزية” (الثكنة) الواقعة على زاوية جادة اسكولا (حارة اليهود) لأن بابه من الخارج عليه هيئة الفخامة بنقوشه الجميلة التي تعلو قوسه وفي وسطه الطغراء ( الطرة العثمانية) باسم السلطان عبد العزيزالمتولي السنة 1861.
الكاتدرائية المريمية اقدم كنائس التاريخ
الكاتدرائية المريمية اقدم كنائس التاريخ

حمام وحارة المسك

ونتقدم قليلاً يصير الى يسارنا “حمام المسك” وهو حمام يعود إلى الحقبة العثمانية، وسمّي هكذا لأنه كان في أول عهده يطيِّب المستحمين بطّْيب المِسْك عند اإنصرافهم بعد الحمام، وقد حملت الحارة المقابلة اسم “حارة المسك”، وفي السنة 1959 هُدِمَ الحمّام وقامت مكانه ابنية حديثة.

مدرسة القديس بولس الإنكليزية (طمسن)

نتابع المسير الى قوس باب توما حيث يقع يسارنا مبنى متداعي (يُعاد اليوم بناؤه) وهو بناء واسع تعمَّر سنة 1860 بعيد إنتهاء الفتنة الطائفّية كما هو مكتوب حفراًً على ساكِفِ بابه،”قام بهّمة المسْ بوين طمسن، ثم أُتقن وزيِدَ به سنة 1868″، وبحائطه إلى جهة الشارع كان يوجد “طالعٌ مائي” هو ملغى اليوم، وفي صدره كتابة محفورة ” ايها العطاش جميعاً هلموا إلى المياه (أش 56 :1) أُقيمَ تذكاراً ودادياً الى المذكورة المس بوين طمسن من اختها المس سوزان سميث سنة 1873″.

كاتدرائية “مار جرجس” للسريان الارثوذكس ودار البطريركية السريانية

تقعْ مُقابل مدرسة المس طمسن وجوارها اول طلعة سفل التلة…

أُحدثت الكاتدرائية والمقر البطريركي السريانين بعدَ نقلِهما من “كنيسة ام الزنار بحمص” في عام ١٩٥٨ وتم شراء المنطقة من قبل الطائفة السريانية السنة 1952 لبناء دار البطريركية وكاتدرائيتها وكان القائم المنفذ لهذا المشروع “مطران لبنان وسوريا” المقيم في بيروت. وقد اقيم احتفال النقل عام 1958. 

مدرسة الرعاية الخاصة (سابقاً)

كانت أساساً منزل  آل شامية العريقين في الكنيسة الارثوذكسية، بناه الخواجا  أنطون شامية عضو المجلس الملي الارثوذكسي الدمشقي عام 1866 وزاره الإمبراطور الألماني غليوم الثاني عام 1898ثم بيع لاحقاً للسيد عبد الله خياطة الوجيه الكاثوليكي عام 1920 الذي وهبه كوقف للبطريركية الكاثوليكية إيفاءً لنذر وفي عام 1925 حولته بطريركية الروم الكاثوليك إلى مدرسة لراهبات البيزنسون الفرنسيات (الرعاية الخاصة)، وهو اليوم جار بوقفية جمعية مار منصور الخيرية للروم الكاثوليك بعدما كانت المدارس الخاصة قد توقفت في عهد البعث وحافظ الاسد ثم أعيدت كمدرسة ابتدائية مطلع التسعينات، وتم نقل المدرسة إلى أراضي عين ترما في الغوطة الشرقية وصارت فيها كل مراحل التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي.

مطبعة باب توما ومدرسة الفجر الخاصة

تقع مقابل مدرسة الرعاية “مطبعة باب توما” التي اسسها المرحوم  ميشيل حموي وهي اليوم بتصرف اولاد السيد وليم اسطفان وهي من المطابع الشهيرة اساساً بإسم مطبعةباب توما واليوم هي مطبعة ميشيل اسطفان واولاده، وتحتل الطبقة الارضية من بناية مدرسة الفجر الاعدادية الكاثوليكية…

مطبعة الصيداوي

تقع على صف مدرسة الرعاية وهي مغلقة وتعد احدى اهم المطابع الدمشقية التراثية.

مركز رهبنة اللاتين

في الربع الأول من القرن ١٧ المسيحي بدأت الرهبنات اللاتينية الكاثوليكية البابوية تَفِدْ إلى سورية المشرق العربي، وتؤسّس لها مراكز رهبانية تبشيرية ومدارس، وتستميل أولاد الكنائس الأرثوذكسية الرومية والكنائس الشرقية الى الكثلكة، واستطاعتْ استمالةَ الكثير من الفقراء، واسهم تبشيرهم وتعليم المتفوقين منهم في الفاتيكان منذ القرن 17م إلى نشوءِ نواة طائفة اللاتين في سورية، وهي صغيرة العدد مقارنة بطوائف كاثوليكية تتبع لبابا رومية اسهمت هذه الارساليات الرهبانية اللاتينية في شقها عن امهاتها الكنائس الرومية والسريانية والارمنية  والأشورية، وفي مصر  الكنيسة القبطية،منذ بدء الغزو التبشيري وكان آخرها الروم الكاثوليك عام 1724.

الرهبنة اللاتينية بالرغم من قلّة أفراد طائفتها إلا أن رهبناتها  كثيرة وكبيرة العدد, فهي ثلاثُ إرسالياتٍ (اليسوعية واللعازرية والفرنسيسكانية) إضافة إلى سواها من الرهبّنات الرجاّلية والنسائّيةمن افرنسية وبلجيكية و…، وأول وجودِهم كانَ في حلب، إنطلاقاً من بيروت، وجعلوا حلب منطلقهم الى الداخل السوري، فلتنّنوا العديد من رعايا ريف إدلب من الروم الأرثوذكس والأرمن القديم الفقراء، واقاموا أديرة وكنائس ومدارس هناك، ووزعوا المعونات عليهم والتطبيب المجاني والمدارس المجانية… كحالهم في الإقتناص المستمر، وكان هذا الهدف  معلناً منذ الحروب الصليبية، ومخطىء من يظّن ويقول ان الهدف كان تنصير المسلمين!!!، لأن الهدف كان لتنّنة ابناء الكنائس الأرثوذكسية أتباع بطريركيتي أنطاكية واورشليم، اضافة إلى الكنائس الشرقية، وأقاموا لهم بطريركية لاتينية في القدس،  وجعلوا بطاركة انطاكية الارثوذكسية لاتينيين باباويين. اندثرت بطريركية اللاتين في القدس وانتهى وجود البطاركة اللاتين من كرسي انطاكية بهزيمة الفرنجة وخروجهم من المشرق،، ولكنهم عادوا بغزو رهباني اوله من الرهبنة اليسوعية (جنود البابوية) مع مطلع القرن 16 وبموجب معاهدات الامبراطورية  الفرنسية، والإمارات الإيطالية، وامبراطورية النمسا مع السلطنة العثمانية وتم إطلاق اليد لهم وحماية ارسالياتهم من القناصل وتحديداً في حلب وفي عام ١٨٤٤ أعادوا إحياء البطريركية اللاتينية في القدس، وربطوا بها مراكزهم في حلب وجعلوه “نيابة رسولية” للبطريركية في القدس و نيابة في بيروت و… ، اما في دمشق المرتبطة بحلب، فقد أقاموا لهم مركزاً سنة 1700، وفي سنة 1860 تهدّم مركزُهم واحترقْ ككل الحي المسيحي (باب توما مطرح بحثنا)، ثم بعدها رممّوه وزادوا فيه حتى صار َمؤلّفاً من ديرين للرهبنة إضافة الى كنائس  “الدير الكبير” في باب توما وكنيسة “القديس انطونيوس البدواني”  في حي الصالحية مقابل مدرسة الرهبات الفرنسيسكانيات في ساحة النجمة، وكنيسة المقر  الرهباني اليسوعي خلف مدرسة اللاييك ووضعوا اليد  ببذل المال الكثير للولاية، واستولوا بإذن والي دمشق عام1847 على بيت القديس حنانيا الرسول الارثوذكسي في حارة حنانيا، ورممّوه وسجلته ولاية دمشق بإسمهم، وكان في الأساس تابعاً لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس وليس من قدرة للبطريركية على ترميمه ذاك الزمن الصعب،وجعلوا من كنيسة حنانيا الرسول الارثوذكسية الأصل مركزاً ذي الصفة التاريخية في تكون الجماعة المسيحية في دمشق، واقاموا لهم كنيسة في الدويلعة على اسم مار بولس وشَّيعوا ان بولس استراح فيها لدى هروبه من دمشق الى حوران، وكانوا قد حاولوا ببذل الكثير من المال لشراء ارض رؤية القديس بولس في سهل كوكب من أصحابها المسلمين في الأربعينات من القرن 20 الا ان أصحاب الأرض المسلمين، رفضوا البيع لهم لأنهم اغراب، وعرضوا هم على البطريرك الكسندروس طحان بيعه هذه الأرض كون الروم الأرثوذكس اخوتهم في سورية، وخفضوا السعر كثيراً ، ما يدل على الأخوة والوطنية.

ولهم المستشفى الايطالي وتديره الراهبات الايطاليات، اما خلف الدير الكبير التي اصطلحنا على تسميتها بحارة المسك فتدعى حارة العازرية وفيها  ثلاث مدارس للرهبنة العازرية مدرسة للصبيان، ومدرسة للبنات و… اضافة الى مركزٍ انشأوه قديما ليكون مقر مطرانية الارمن الكاثوليك في العقد الثالث من القرن 20 اضافة الى مركز الرهبنة اليسوعية بجانب حمام البكري فقد تخلوا عنه أيضاً لمطرانية “الارمن الكاثوليك” في ستنيات القرن 20 فانتقل المركز من المطرانية القديمة في دخلة اللعازرية الى هذا البناء الواسع وفيه مدرسة المنار للارمن الكاثوليك.

كنيسة القديس يوحنا الدمشقي الارثوذكسية
كنيسة القديس يوحنا الدمشقي الارثوذكسية

وفي وصف للاب المؤرخ ايوب سميا في مجلة النعمة “الشارع المستقيم العدد16 شباط1962 ص 60″ يقول:” دخلت مدرسة الذكور الشرقية فإذا هي اقدم معاهدهم بعد سنة 1860، دار فسيحة مربعة مبلطة ببلاط حجر اعتيادي تحيطها اروقة  قناطر يقوم فوقها الطابق الثاني، وكل حجارتها سوداء الا القليل، وبين القناطر فوق مغروزة بناء في الجدران تماثيل عشرة قديمة من حجر اسود، الواحد بيركليس اليوناني الاثيني احد ابطال اليونان والحكماء والحكام المشهورين المتوفي سنة 422 ق.م، وخمسة لزنوبيا التدمرية، وواحد لملكة قديمة لم اعرفها، اما وجود هذه التماثيل في هذا المكان فكيفيته هي انه لما ترممت هذه الدار او بالأحرى بنيت بعد سنة 1860 جُلبت حجارتها من حوران على ظهور الجمال، فكانت هذه التماثيل مع تلك الحجارة…”

 يقول الاب المؤرخ ايوب:”…ثم لحظت في حجارة بلاط الدار في الجوانب 26 حجراً عليها نقوش عربية فاطمية بديعة الاشكال، ففكرتُ في وجودها في هذا المكان، حتى توصلتُ الى حقيقتها، فاذا هي من بقايا جامع كان هناك من العهد الفاطمي صنو رباط ابي البيان، ذكره ابن عساكر في ج2 من تاريخه “تحقيق المنجد”،  وهذا البناء الذي نتكلم عنه (المدرسة) لم يكن قبل 1860 بل بعدها، فيرجح انه انشيئ مكان هذا المسجد الخرب والمهمل منذ قرون، (ونحن نضيف بخصوص هذا الجامع الى انه كان في اصله كنيسة من جملة 16 كنيسة التي كانت موجودة في القسم الشرقي من دمشق عند إقتحام خالد للباب الشرقي سنة 635 م وتم تحويلها كلها  الى مساجد (وفق شريعة الفتح بتحويل كنائس المنطقة الشرقية الى مساجد) وقد تم ترميمه في العهد الفاطمي، كونه والمملوكي كانا من اشد العهود ظلما للمسيحيين) وفي الكنيسة رفاة الاخوة مسابكي الموارنة الشهداء في فتنة 1860 وكانوا مدفونين في كنيسة اللاتين عندما كانت كنيسة للموارنة وتمت المبادلة معهم فاخذوا كنيسة اللاتين وصارت كنيسة القديس انطونيوس البدواني للموارنة في مدخل الطريق الضيقة وصارت كنيستهم وهي على درب الحجر وباسم القديس انطونيوس البدواني للاتين والمعروفة ب”الدير الكبير” وبقي ضريح الشهداء الاخوة المسابكيين في الكنيسة اللاتينية المحكي عنها.

مركز مطرانية دمشق للموارنة

بينه وبين مركز اللاتين طريق ضيقة، اما الموارنة فيظن البعض انهم ينتسبون الى مار مارون الناسك في منطقة براد بين شمال حلب ومنطقة لواء الاسكندرون، ونبغ القديس مارون وهو من قديسي القوره شية اي في منطقة قورش او كورش وصار اسمها حارم، ومات السنة 410 م، وهو قديس ارثوذكسي حيث لم تكن بعد الطائفة المارونية قد نشأت حيث نشأت بعد قرابة قرنين وتعيد له الكنيسة الارثوذكسية في 14 شباط من كل عام ، والكنيسة المارونية المنسوبة اليه من قبل الموارنة فبالحقيقة انهم ينتسبون الى القديس يوحنا مارون الذي كان اسقف البترون في جبل لبنان، وهم سريانيو الجنس انفصلوا عن الكنيسة الارثوذكسية سنة 680 م  يسمى المونوثيليتية (من كلمة يونانية تعني “مشيئة واحدة”). قال مروجو المونوثيليتية أن المسيح له طبيعتان ولكن له مشيئة واحدة (إلهية). وتعرضوا بذلك الى الضيقات والبطش الدموي من اتباع الكنيسة السريانية اليعقوبية لخروجهم عن معتقدها وازهقوا ارواح 300 راهب من رهبان دير مار مارون) ، وفي سنة 685 م رسموا لهم اول بطريرك هو يوحنا مارون المذكور ، فنسبوا اليه، وجعل مقره في جبل لبنان وتلاه كل بطاركة الطائفة المارونية، ثم تنكروا لعقيدتهم وعادوا الى العقيدة الخلقيدونية التي كان الارثوذكس والكاثوليك يسيرون عليها ولا زالوا وذلك عام 1098l بانحيازهم الى الفرنجة في حملاتهم على المشرق وتبعوا بابا الفاتيكان واتخذوا روما البابوية مرجعيتهم ورئاستهم العليا.

وطائفة الموارنة في سورية إجمالا قليلة العدد، وبالتحديد في دمشق، ولهم كنيسة واسعة جميلة على اسم القديس انطونيوس ابي الرهبان، وامامها الى يمين الداخل مقام خشوعي اصطناعي للقديس انطونيوس المذكور تقليد الطبيعي معمول من حجارة بسيطة (خام) كلها متحجرات نباتية وصدفية مجلوبة من لبنان من وادي قاديشا، والكنيسة كانت كغيرها من الكنائس والأديار وبيوت المسيحيين وكل محلتهم تعرضت للتدمير والحرق في فتنة دمشق الطائفية في تموز 1860.

تجددت الكنيسة هي والدار الاسقفية المارونية سنة 1865 م، وفوق باب الكنيسة ( الساكف) قصيدة شعرية هي:

لبني مارون قامت بيعة……………………………….. لانتشار الحق والدين الأمين

شادها المفضال موسى كرمٍ………………………… فغدت في حسنها كطور سين

باسم مار انطونيوس قد عُرفتْ………………………. أوحد النساكِ خير العابدين

ايها الناس اليها بادروا………………………………… واعبدوا الرحمان رب العالمين

واسمعوا نظماً بتاريخ حلا…………………………… وادخلوها بسلام خاشعين

………………………………….1865………………………………………………

جامع السادات

هو يقوم على كتف دخلة الموارنة بابه من طريق الحجر، والسادات عائلة  تنتمي الى جدّ ينتهي بنسبه الهاشمي الى علي بن ابي طالب، لذلك امتازوا بلقب السادات،وباسمهم في الديار الشامية بعض المساجد منها هذا (وآخر في دمشق جادة مسجد الاقصاب طريق العمارة (منطقة مز القصب) الى سوق الهال القديم، ويقال له جامع منجك امير دمشق الذي جدده، والدخلة المقابلة له والمؤدية شمالاً الى القصاع، وتسمى جادة عاصم وقبل عاصم دخلة السادات، وفي قرية عين الفيجة في وادي نهر بردى مسجد صغير مهمل يسمى جامع السادات).

اما هذا الجامع فقد بني سنة 1087 ه الموافق لسنة 1676 م في عهد والي دمشق العثماني محمد باشا الكوبرلي، وهو عبارة عن مسجد متوسط امامه دار صغيرة، وتاريخ انشائه مكتوب على ساكف بابه:

“جدد هذا الجامع المبارك الحاج عماد ابن مصطفى سنة 1087 ه ليالي سمر وبحائطه الى جهة الجادة طالع ماء وماؤه من عين الفيجة (وهو متوقف اليوم) وبصدره شعر من ستة اسطر وسطره الاول هو التالي:

اجرى لنا ماءً فرا………………………………………تاً سائغاً يروي العطاشا

والسطر الاخير:

فانهل هنيئاً داعياً……………………………………بالنصر لابراهيم باشا

………………………سنة 1230 ه……………………………………..

وتوافق سنة 1330ه سنة 1814 م، وهذا الجامع لم يذكره ابن عساكر لأنه كان قد بني بعده، واما سنة 1087ه = 1676م فليست سنة انشائه بل سنة تجديده كما تنطق الكتابة المحفورة في ساكف بابه، وانما ذكرها الشيخ يوسف عبد الهادي الدمشقي المتوفي سنة 1503م في كتابه ” مساجد دمشق”، فاذن يكون بناؤه في اواخر العصر المملوكي وقبل الفتح العثماني لدمشق 1516م.

يضيف المؤرخ العلامة الاب ايوب سميا في مقالته ” الشارع المستقيم” مجلة النعمة العدد 16 السنة الثانية شباط 1962 ص 63 حرفيا وبين قوسين لنا:

” الاعمدة الثلاثة

نتقدم شمالاً الى امام دخلة الدحديلة يسار النازل الى باب توما (مقابل دخلة حمام البكري يسار النازل الى باب توما) ويتابع المؤرخ سميا “… ونكون قد صرنا على مقربة من باب توما، وهناك طالع ماء من عين الفيجة موقعه بين عامودين غير ظاهرين ولا احد ينتبه اليهما، وبين الواحد والآخر متران و20 سم وهما على خط واحد وهما على خط واحد، والاول يقوم عليه ركن زاوية ولا يظهر منه فوق الارض اكثر من 10 سم، ومن القليل الذي يظهر من استدارته يقدّر قطره بثمانين سم، والثاني مثله، ولكن يظهر منه فوق الارض 25 سم وهو مسدس الاضلاع، والظاهر منه هو رأسه الذي يرتكز عليه قاب القوس حيث ينتهي بزنار مستدير بارز، والوجوه الثلاثة التي تظهر منه لجهة الجادة عليها كتابة يونانية محفورة ولكنها بطول العهد والعوارض مهشمة تصعب معرفتها، وبالجهد قدرت ان احصل على ظاهرها المتقارب بحسب ترجيحي (ذيمتريوس ذفتيروس /مكتوب باليونانية /) اي ذميتريوس الثاني، وهو احد الملوك اليونانيين السوريين السلوكيين ( السلوقيين اتباع الدولة السلوقية للمؤسس سلوقوس نيكتاريوس في انطاكية) الذي جعل مركزه دمشق عوض انطاكية، حكم من سنة 94 ق.م الى سنة 88 ق.م.

منطقة حمام البكري
منطقة حمام البكري

ثم نتجه نحو باب توما فنرى الى يسارنا حيث هدمت بلدية دمشق في تشرين ثاني سنة 1961 قطعة عامود يونانية مضلعة وجدت في احد الجدران طولها 85 سم وقطرها 65 سم، وبعدها بقليل عثرتُ على كسرة عامود مستدير قد ظهرت في الهدم طولها 30 سم، وبما ان كسرها شطفاً فلا يمكن تقدير قطرها. وبما ان الظاهر من العامودين المذكورين هو رأساهما فاذا عملنا موازاة منهما شرقاً الى السور نجد رأسيهما أعلى من السور الحالي، ومن هذا يمكن لنا ان نقدر مقدار عمقهما وما تهدم وتردّم في هذه الجهة من الابنية الفخمة التي لاتزال مطمورة تحت اقدامنا.” (انتهى الاقتباس).

باب توما..هذا الحي حيث ولد التاريخ وبدأ يحبو…

النشأة والتاريخ.. حجر على حجر وسردية على سردية

يقف باب توما اليوم شاهدًا حجريًّا على ما يزيد على ألفي عام من الصراعات والتجدد، كأنه فصل دائم في ملحمة دمشقية لا تنتهي؛ إذ تعود جذور الباب إلى العهد الروماني، حين شُيّد سور دمشق الأثري، مع أروقته وأبراجه وأبوابه السبعة الشهيرة، التي كانت بمنزلة نقاط حراسة وطقوس عبور بين قلب المدينة وطرق العالم، وقد حمل الباب يومها اسمًا يونانيًّا وثنيًّا، كما كانت عادة الرومان في تسمية بوابات المدن بأسماء آلهتهم، فكان باب توما الشرقي منفذًا للقوافل التي تأتي من البادية وبلاد الرافدين نحو الأسواق الرومانية الغنية، ودرعًا أمام غارات القبائل.

ومع دخول المسيحية وانتشارها في الشام، تحولت دمشق إلى مركز مسيحي مزدهر، 

في العصر الرومي الزاهي، احتفظ الباب بأهميته التجارية والعسكرية، فقد كان معبرًا رئيسيًّا للقوافل التجارية القادمة من الشرق حاملة التوابل والحرير والحبوب، وظل في الوقت ذاته بوابة للحي المسيحي المزدهر على أطراف المدينة، تتفرع منه الأزقة إلى كنائس وأديرة كانت أشبه بجزر هادئة في بحر من الحراك السياسي.

وعند دخول المسلمين الى دمشق، عاش الحي ككل أحياء دمشق تحت حكمهم، وبقي معبراً للقوافل التجارية.

وفي العصر الأموي والعباسي، ظل الباب محتفظًا بمكانته بوابة  من شمال المدينة الى شارعها المستقيم ويتجه شرقاً للخروج منها عبر باب الشرقي، ومعبرًا للقوافل التجارية، غرباً نحو بابها الغربي ( الجابية في حوران) لكن مع انهيار الدولة العباسية وصعود الممالك الصغيرة، أصبح الباب مسرحًا لصراعات مستمرة، وتحول أحيانًا إلى ثغرة تتسلل منها جيوش الغزاة.

فالعصور الوسطى حملت لباب توما مشاهد من الرعب والتحدي، فقد شهد اجتياح المغول مرتين بقيادة هولاكو وتيمورلنك الذين دمروا المدينة ومزقوا أبوابها، ثم أعاد المماليك ترميمه مع بقية سور دمشق في القرن الثالث عشر الميلادي، فبُنِيت له أقواس حجرية جديدة وزُوِّد بأبراج دفاعية لتأمين المدينة من أي هجوم.

وفي العصر العثماني، استعاد الحي وبابه بريقهما القديم، فازدادت حركة التجارة وازدهرت صناعات دمشق التقليدية من سدي الحرير الى الحرف الفنية الدمشقية الشهيرة من النجارة وحفر ونقش الخشب، وصياغة المعادن الثمينة والمجوهرات، وتشكيل النحاس وتطعيمه، ونحت أحجار البناء والرخام وزخرفتها  وتصديف المفروشات الخشبية ونجارة موبيليا الغرف الدمشقية الشهيرة،ثم نشوء فن الموزاييك في المفروشات… وكلها مهن امتهنها المسيحيون الذين انحصر وجودهم في دمشق القديمة وعاشوا  فيها وأقاموا خانات الحرف في مناطق سكنهم من منطقة البزورية ومئذنة الشحم الى حي آيا ماريا المنسوب الى كنيسة القديسة مريم في وسطه ( القيمرية بتحريف الاسم الأصلي) واحياء باب السلامة والعمارة والجورة حتى السور الممتد من باب السلامة… وكانت قوافل الحجاج تمر عبر باب توما الى خانات هذه المنطقة ومنها حي باب توما إلى طريق الحج الشامي في الميدان العالي والقدم وبوابة الله.، وصار الحي مقصدًا للبعثات الدبلوماسية الأوروبية والمستشرقين، بعض هؤلاء كتب عن جمال الحي وكنائسه وياسمينه وهدوئه البديع.

ومع دخول الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن العشرين، كان باب توما شاهدًا على مواجهة بين المقاومين السوريين وجنود الانتداب، وامتلأت مدارسه وجدران أحيائه وحاراته بصرخات الغضب وحجارة المتاريس، ومع اشتداد أحداث الثورة السورية 1925 -1927 أصبح الحي ملاذًا لآلاف النازحين واللاجئين من حوران والمنطقة الجنوبية وبلدات جبل الشيخ، وأعيد مجدداً رسم ملامح سكانه، وقبلها بكاثة سكانه المسيحيين بفتنة دمشق الطائفية المدمرة واستشهاد نصف المكون المسيحي، وفرار الربع الى بيروت ومنها البدء بالاغتراب المسحي في العالم الجديد واوربة، وبقاء الربع كأقلية مرتاعة الى كل الع السابع  اي حتى العام 1870 حين أعيد بناء كنائسه ودوره المدمّرة والمحترقة، بدأت الهجرة المسيحية اليها من ذات اماكن اللجوء وبلدات دمشق المسيحية ووادي النصارى وحمص… وراشيا وحاصبيا ووادي التيم، وكان بعضها قد استقر في ضاحية الميدان السكنية كونها واحة امان بفضل الامير عبد القادر الجزائري ومشايخ الميدان وكبار القوم المسلمين، لكنه ظل رغم كل شيء محتفظًا بأناقته الكلاسيكية وهدوئه الغامض.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ظل حي باب توما محتفظًا بروحه الدمشقية رغم زحف الحداثة، كأن الباب يقاوم التحولات العمرانية العشوائية، متمسكًا بذاكرته. بقرع اجراس كنائسه مجدداً، واحتفالات الاعياد المسيحية وموسيقى فرقها الكشفية المحتفلة وصخب جماهيرها المحتفلة التي تقول شامنا أحلى بلد، وباب توما والقصاع أحلى الحارات، وإعادة سماع  أغاني الحرفيين المهرة واصوات عددهم الحرفية وانوال الحرير الطبيعي في خانات آيا ماريا … يعيدون تشكيل ذاكرة المهن التراثية مسيحية الأصل وصبغها مجدداً بصبغة الحداثة ودمغها بدمغة باب توما والقصاع امتدادها… 

الخاتمة

في هذه الأزقة التي طالما تنفست التاريخ، وأيقظت الحنين في قلوب العابرين، يعيش باب توما والقصاع مؤخراً على حافة الجرح، فالحي الذي كان يوماً موئلًا  ومستقراً للعراقة الشامية وللجمال ببيوتها وياسمينها، صار في حاضرنا معلقًا بين نبض لا يريد أن يخبو وانكسار يوشك أن يغلبه، فالحرب العبثية التي عصفت بدمشق لم تترك حجارة باب توما والقصاع بمنأى عن لهيبها وكم أريقت دماء ابنائهما المدنيين الأبرياء بلا طائل، وكم تدت جدران وسقوف الكنائس والبيوت، لقد حفرت في جدرانه ندوباً، وفي قلوب أهلهما قلقاً ثقيلًا لم يعتادوه.

غادر كثير من سكانهما الأصليين بيوتهم، دفعهم خوف أمني أو ضيق اقتصادي أو جرح روحي، فأقفلت أبواب كانت يومًا عامرة بالحياة، وبقي الحي يتنفس ببطء، يشكو صمت أزقته وغياب وجوهه المألوفة، والبنية التحتية تركها الإهمال للظلام والرطوبة، فتشققت الحجارة، وخنقت المياه الآسنة بعض الأزقة، وتحولت نوافير الباحات إلى أوعية للغبار.

ومع موجة العولمة الجديدة، تسرب إلى الحي شكل من “التحولات التجارية” التي مسخت بعض معالمه الأصيلة؛ من مقاه تجارية مبتذلة تتزاحم على الأرصفة، إلى مطاعم تبيع الوهم السياحي بثمن الذكرى، ومحالّ تعرض بضائع لا تمتّ لروح دمشق ولا لذاكرة المكان بصلة، كأن الواجهة التاريخية للحي غدت غلافًا لتسويق الاستهلاك، بدل أن تبقى كتابًا مفتوحًا لقراءة الجمال.

تراجع روح باب توما القديمة أمام ضغط السياحة الاستهلاكية وضجيج الحياة الحديثة جعل أهله يتساءلون بخوف دفين: كيف نحفظ هويتنا؟ كيف نصون ما تبقى من الروح، فلا تتحول بيوتنا وكنائسنا وأسواقنا إلى ديكور؟ وفي عيون الدمشقيين هنا، ترى مزيجًا عجيبًا؛ حنينًا يطفو على ألم، وتعلقًا بالأرض يجاوره خوف من أن تضيع الهوية في زحام الغربة.

ومعاناة الحي لم تعد مادية فقط، فقد امتدت لتصبح تحديًا ثقافيًّا وروحيًّاً وحضاريًّاً، فهنا تدور أسئلة وجودية عميقة مثل: كيف يصون باب توما هويته الأصيلة في وجه العولمة التجارية التي تُفرغ المكان من معناه؟ وكيف تبقى الذاكرة الجماعية نابضة في حي يخشى أن يتحول إلى واجهة سياحية باردة بلا روح؟ وكيف تبقى فسيفساء  العيش االدمشقي صامدة أمام الانقسامات الاجتماعية والتغيرات السياسية الناتجة ببعد طائفي ذميم؟ وكيف نعيد إعمار ما تهدم من بيوت وأزقة من دون أن نفقد أصالتها ودون أن نستبدل بالذاكرة الإسمنت؟

باب توما اليوم يقف كما وقف دائماً على تخوم التحدي، بين أن يكون ذاكرة حية تحفظ الشام في ذاكرتها الجماعية والجمعية، أو أن ينزلق إلى أن يكون أثرًا بعد عين، يُلتقطْ في صور الزائرين العرب والأجانب وتحسرات المغتربين العاشقين لها رغم غربتهم عنها  ثم…

إنه امتحان عسير لذلك المكان الذي علمنا أن الحجارة يمكن أن تكون روحا، وأن الأزقة يمكن أن تكون صلاة، وأن الحي يمكن أن يكون قصيدة لا تموت.

حي باب توما يقول: إن المدن الحقيقية لا تُختزلُ في أسوارها العالية ولا في أسواقها الصاخبة، بل في تفاصيلها الصامتة. في الأزقة التي شهدت أولى خطواتنا الطفولة، وفي المقاعد الحجرية التي تحمل أسرار العشاق، وفي مدارسنا التي نعيش فيها ذكريات الطفولة ونحن في العمر المسن، وفي الساحات الصغيرة التي عرفت أفراح الأعراس وجولات الكشافة، ومواكب الجنازات معاً، فالمدن الحقيقية تسكن أرواح ناسها كما يسكنون هم جدرانها، وتعيش في ظلال نوافذها كما تعيش في قصور حكامها.

باب توما  والقصاع بكل ما يحملهما من ندوب يثبت أن ذاكرة المكان وحدها من تحفظ الكيان، لا الحروب تمحوه، ولا الغربة تنزعه من وجدان ناسه، ولا التجارة تطمس معناه، فهو ذاكرة المدينة، وحارسها الأمين، ومعلمها الأول أن الحجر إن فارقته الروح صار قبراً، وإن سكنته الحكايات صارَ قصيدة.

يظل باب توما معلقاً بين صمته وصّخبه، بين ماضيهِ وحاضرهِ، بين جرحِه وأمله، كأنه قلب دمشق ذاتها، حجارة على حجارة، وذكرى فوق ذكرى، ونبض يصرّ على أن يبقى.

الخميس 13 آب 2026 

 

Scroll to Top