قبور تل ام حوران واثارها

قبور تل ام حوران وآثارها

حوران وآثارها

مدخل

تُعدّ حوران من أغنى المناطق السورية بالمواقع الأثرية، والتي تعود الى عصور تاريخية مختلفة، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ مروراً بالحضارة النبطية والآشورية والرومانية والرومية، وصولاً إلى الإسلامية، فهي بمثابة متحف طبيعي مفتوح للأوابد الأثرية والتاريخية التي مرت على سورية والمشرق عموماً.

قبور تل ام حوران

تبرز “مقبرة أم حوران” كموقع بارز تم توثيقه في الأبحاث الأثرية المبكرة. تشير الأدلة إلى أن هذه المقابر تعود إلى العصور القديمة، وتتميز بأساليب دفن نادرة تميزها عن مواقع أخرى في المنطقة

تفاصيل ومعلومات بارزة حول الموقع ونتائج الحفريات

دراسة حفريات مقبرة أم حوران

البدايات البحثية: أُجريت دراسات وحفريات أولية هامة في الموقع خلال خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1956م، تحت إشراف دائرة الآثار السورية.

اللقى والآثار: كشفت الحفريات عن آثار ومدافن عائلية تعكس الطابع الجنائزي للمجتمعات القديمة التي استوطنت حوران.

طرق الدفن: تميزت المدافن في الموقع بخصائص معمارية وطقوس جنائزية مختلفة نسبياً عن المدافن الأخرى (مثل تلك الموجودة في عمريت وتدمر)، مما يدل على التنوع الثقافي في تلك الحقبة.

الأهمية التاريخيةتعكس هذه المدافن تعاقب الحضارات على المنطقة، وتقدم دليلاً مادياً على الطقوس والممارسات التي كانت سائدة في التجمعات البشرية القديمة في سهول حوران:

كتشاف مدفن روماني في تل الحارة يروي تاريخ حوران بلغة الإغريق

قبور تل ام حوران واثارها
قبور تل ام حوران واثارها

​تمثل المكتشفات الأثرية الأخيرة في منطقة تل الحارة بمحافظة درعا (جنوب سورية) كشفاً بالغ الأهمية يعكس التنوع الثقافي والتاريخي لمنطقة حوران. العثور على شاهدة قبر بنقوش يونانية إلى جانب مجموعة متكاملة من الأثاث الجنائزي يفتح نافذة على طقوس الدفن في الفترة الرومانية المبكرة، التي شهدت تداخلاً فريداً بين الهوية المحلية والنفوذ الهلنستي الروماني. وقد تم إبلاغ مديرية الآثار بهذه القطع لتوثيقها وحمايتها.

​1. شاهدة القبر: وثيقة باللغة اليونانية

​القطعة الأبرز هي لوح من حجر البازلت الأسود المحلي، نُقشت عليه الحروف اليونانية بعمق ووضوح، وهو دليل مباشر على استخدام اللغة اليونانية (كلغة مشتركة) في الشؤون الجنائزية في المنطقة.

السطر

الحروف المقروءة (باليونانية)

التحليل اللغوي الأولي

السطر الأول

\{A T E I C A}

على الأغلب اسم المتوفاة، وينتهي بصيغة مؤنثة (\{-A}). يُرجح أن يكون اسماً محلياً (نبطياً أو عربياً) تم تدوينه بحروف يونانية (Hellenized).

السطر الخامس

\{H K E N}

يُحتمل أن يكون جزءاً من صيغة \{HKEI} أو \{HKEIN} التي تعني “يرقد هنا”، وهي عبارة شائعة في النقوش الجنائزية اليونانية.

التأريخ من النقش: النمط الحرفي يميل إلى الاستمرارية الهلنستية التي امتدت إلى العصر الروماني، مما يجعل تاريخها يترجح بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي.

​2. أثاث القبور: مؤشرات الفترة الرومانية

​المكتشفات المصاحبة لشاهدة القبر (الأثاث الجنائزي) تعزز التقدير الزمني وتكشف عن عادات الدفن

​أ. الإبريق الفخاري المُضلّع

​الوصف: إبريق صغير كروي ذو مقبض وفوهة، مصنوع من طين محلي (ظهر باللون الرمادي بعد التنظيف).

​السمة المميزة: التضليع الأفقي الكثيف (Ribbing) حول الجسم هو علامة قوية تميز الفخار المصنوع على الدولاب السريع، وهو سمة سائدة في الفترة الرومانية المتأخرة والبيزنطية المبكرة في بلاد الشام.

​الدلالة: كان يستخدم لحفظ القرابين السائلة (زيوت، عطور، أو خمور) التي يحتاجها المتوفى في العالم الآخر.

ب. تمثال الجمل الفخاري

قبور تل ام حوران واثارها
قبور تل ام حوران واثارها

​الوصف: تمثال بسيط ومُبَسَّط لجمل، يعكس أسلوب الإنتاج المحلي للقرابين.

​الدلالة: يدل على الأهمية الحيوية للجمل في اقتصاد حوران كمنطقة تقع على مفترق الطرق التجارية، أو كرمز لثروة المتوفى ومسيرته.

​ج. السوار البرونزي

​الوصف: سوار بسيط من النحاس/البرونز، ظهر عليه الزنجار الأخضر المميز.

الدلالة: يمثل ممتلكات شخصية كانت تُدفن مع المتوفى كطقس لضمان عدم فقره في الحياة الجديدة.

​خلاصة وتأكيد الفترة الزمنية

​تشير جميع الأدلة الأثرية إلى أن مدفن تل الحارة يعود على الأرجح إلى الفترة الرومانية المبكرة أو المتوسطة. هذه الحقبة هي فترة التحول التي استمر فيها الموروث اللغوي اليوناني في النقوش (ممثلاً بشاهدة القبر) بالتوازي مع انتشار الأساليب المحلية في صناعة الفخار (المُمَثَّلة بالتضليع على الإبريق).

​يمثل هذا الاكتشاف إضافة قيمة لسجلاتنا الأثرية، مؤكداً المكانة الفريدة لحوران كمركز حضاري يمزج بين الهوية السامية والجذور الكلاسيكية.

قبور تل ام حوران وآثارها

العثور على مكتشفات القبور

من المكتشفات القيمة التي اكتشفها بعض الفلاحين في حوران (مثل ادلب وحاه ودير الزور ومنطقة سهول حلب والمدن المنسية…) في ستينيات القرن الماضي، الذين ألفوا ( وحتى الآن) القيام بالتنقيبات السرية في مواسم الَمحْلْ أشياء أثرية ثمينة جداً ليقوموا ببعضها خلسة لتجار الآثار والمستشرقين الاجانب . وقد قامت (وقتها) تبعاً لذلك “المديرية العامة للآثار والمتاحف” بوضع اليد على موقع قبور تل ام حوران، وتم التعرف على الفلاحين المكتشفين للموقع وأُرغموا على ارشاد الآثاريين الى مكانه وهو، تل ام حوران الواقع بين قريتي نوى وجاسم من حوران.

وكان وقتها ان أرسلت المديرية العامة للآثار والمتاحف الى الموقع المذكور بعثة من منقبي الآثار المختصين، فقامت بتنقيبات واسعة هناك خلال شهرين، والتقطت من مائتي قبر او أكثر عدداً كبيراً من الأشياء الأثرية الثمينة، عُرضت جميعها في معرض المكتشفات الاثرية لسنتي 1954-1955 المنظم في “المتحف الوطني بدمشق”.

قبور تل ام حوران واثارها
قبور تل ام حوران واثارها

الا ان أثمن هذه المكتشفات، كانت الأشياء التي التقطها الفلاحون اثناء تنقيباتهم السرية. وهي خوذتان برونزيتان، وقناع حصان، وعدد من السيوف والخناجر والسهام، وتمثال صغير مينيرفا، وبقايا لدرع مؤلف من حراشف برونزية وازرار واقراص مطعمة بالفضة وبعض الحقق (ج.حُقْ) الزجاجية. وقد وجدوها على بلاطات قبر محفور على عمق خمسة امتار من ذروة التل، ويتألف هذا القبر من طابقين، وُضِّعَ في السفلي منهما تابوت المتوفي الخشبي الذي تأكل في الأرض، ولم يبق منه الا بعض مقابضه البرونزية.

ولوحظ ان هذه المكتشفات الاثرية قد شُوهَتْ عمداً، فطُويتْ جوانب الخوذتين على بعضهما، وثنيت نصلات السيوف والخناجر، وحُطِّمَتْ السهام. والظاهر ان الذين دفنوا صاحبها اتلفوا حوائجه حزناً عليه!!! او انهم افقدوها إمكانية الاستفادة منها. وهي على جمال رائع، وصنعة متقنة جداً. والظن انها كانت لمحارب سوري مشهور، قاد احد الجيوش الرومانية في اول القرن الثاني الميلادي، وخاض حروباً شعواء ضد اقوام البارثيين اجداد الفرس، وانتصر عليهم، ونال مرتبة الخلود. وقد تم استنتاج ذلك من دراسة الأشياء المتقدمة.

في الواقع ان الخوذة الأولى تزن نحو كيلو غرامين ويبلغ ارتفاعها ٢٥ سم وتختص بعدد من المشاهد الفاخرة المحفورة على سطحها الخارجي، والتي تم افراد مكان خاص لها بين الاثار العالمية المشهورة. وكان صاحبها يضعها على رأسه لدى الاحتفالات العسكرية الهامة، وتتألف من قطعتين: الأولى تمثل الرأس، والثانية قناع الوجه.

وشكل قطعة الرأس بيضوي، وتتألف من صفحة برونزية محاطة باطار معدني، ووجهها الخارجي مزين بمجموعة من المشاهد البارزة المنسقة على نظام بديع للغاية. ويُرى في وسط هذه المشاهد جذع اله الشمس. وتتناثر الاشعة الشمسية حول رأسه وتنحدر خصلات شعره الكثيفة على كتفيه. وتدل صورته هذه على المكانة السامية التي بلغتها ديانة الشمس في سورية خلال القرون الميلادية الأولى، وخاصة في بعلبك التي شيدت فيها منشآت دينية ضخمة. وترى تحت هذه الصورة، صورة تمثل ربة الظفر وهي ترفع يدها لتتوج محارباً رومانياً ملتحياً يستند ذراعه الأيمن على رمح طويل، وذراعه الايسر على سيف في قرابه (غمده). وهو متسربل بدرع له صفحات برونزية. ولا ريب ان هذا المحارب الذي يتلقى التاج من يد ربة الظفر كان قائداً هاماً، وان الغاية من تمثيله هنا تمجيد احد اعماله المظفرة تحت رعاية اله الشمس. وقد اكمل الفنان هذه الفكرة بوضعه نسرين كبيرين الى يمين الظافر ويساره. ولا يخفى ان النسر يعد طائر إله الشمس المفضل ورمزه الذي يعرف به عند السلوقيين والرومان.

ويشاهد على الجدارين الجانبيين لهذا القسم من الخوذة مشهدان متماثلان. يُرى في كل واحد منهما رجل ملتحٍ وعارٍ، يحمل ببده  اليمنى رمحاً ويمسك بيده اليسرى أعنة جيادٍ، تجر العربة  التي اعتلاها، وفوق رأسه بُسطََ رداؤه على شكل سحابة. والظاهر ان الفنان أراد ان يمَّثل القائد المظفرـ كما اعتاد الرومان تمثيل الأباطرة والأبطال، وهم يتحولون الى آلهة، ويصعدون الى السماء على عربة الشمس الى مقر الخالدين.

قبور تل ام حوران واثارها
قبور تل ام حوران واثارها

اما قناع الخوذة فيمثل تقاطيع وجه صاحبها. وهي تقاطيع واقعية يتبدى فيها وجه مثلث الشكل وانف مستقيم وفم صغير، وشاربان ولحية كثة ووجنتان بارزتان، وما اشبهها بتقاطيع الرجال التدمريين التي تتبدى في مئات من الصور المشاهدة في الواح المدافن التدمرية التي عثر عليها في مقابر وادي القبور وغيرها.

وتشبه الخوذة الثانية الخوذة الأولى وهي تزن نحو كيلو وثلاثة ارباع الكغ ومصنوعة مثلها من البرونز، ولها نفس الشكل وبذات الحجم والأبعاد. كما انها مزينة أيضاً بمشاهد بارزة. ممايجعل أي امرئ يحكم من نظرة واحدة يلقيها على الخوذتين انهما من صنع فنان واحد. الا انه لا يوجد قناع للخوذة الثانية، وقد استعيض عنه باستطالتين جانبيتين مثلثتين.  وتتألف مشاهد الخوذة الثانية من اشخاص أصغر ابعاداً من اشخاص الخوذة الأولى. وهم يتحركون ضمن مواضيع اقل مساحة واكثر كثافة من المواضيع السابقة. ويلاحظ ايضاً ان غاية الفنان من صنع الخوذة الثانية تمجيد صاحبها والتنويه بما قام به من اعمال.

ويشاهد في ذروتها وجه الغورغونيون وهو صورة كان يعاذ بها. ويظهر تحتها نسر ( رمز شمسي آخر) يبسط جناحيه ويهيمن على مشهد تقديم اضحية. ويتألف هذا الشهد الأخير من ستة اشخاص، الوسيطان منهما متدثران بردائين طويلين، ويحيطان بمذبح ويلقيان في ناره بخوراً حسب عادة رومانية درج عليهما عظماء الرومان لدى تقديمهم الشكر للآلهة.

ثم يأتي من كل طرف قائد روماني ممسكاً رمحاً طويلاً، وبعده ربة نصر لها جناحان كبيران، ويلاحظ ان ربة النصر اليسرى تضع اكليلاً على رأس القائد الواقف حذاءها. ويشبه هذا المشهد بعض المشاهد المتمثلة على عمود تراجان القائم الى اليوم في روما.

ويرى على جداري الخوذة الثانية الخلفيين مشهد معركة حامية الوطيس بين الرومان والبارثيين. ويمكن عدّْ اثني عشر محارباً يتقاتلون ، ويعرف كل منهم بألبسة واسلحة قومهْ وبينهم أربعة رومان يتقاتلون وينتصرون على ثمانية محاربين بارثيين ممثلين في فوضى ظاهرة وقد تمزقتْ صفوفهم. بحيث ان المشهد يمثل اللحظة التي سبقت النصر النهائي، وعلى الرغم من جمال التأليف في هذه المعركة، وتوازن خطوطها وانسجامها فإن الفنان الذي نحتها جعلها تجري على شاكلة المعارك التي اعتاد الفنانون اليونانيون والرومانيون تمثيلها منذ عهد الاسكندر على اقواس النصر والأعمدة التذكارية وغيرها، فيجعلون في وسطها فارساً منتصراً يدوس بسنابك جواده عدواً مغلوباً على أمره. ولا يشاهد فيها أي تفصيل يستدل منه على زمان ومكان وقوعها. ومع هذا فانها ذكرى لانتصار احرزه الرومان بفضل الرجل الذي صُنعت له الخوذتان وان هذا الانتصار كان جزءاً من الحروب الطويلة التي جرت بين الرومان والبارثيين لدى صنع هاتين الخوذتين.

وقد تأكد لخبراء الآثار على اثر تنظيف هذه الخوذة ونزع طبقة الأوكسيد  والصدأ عنها انه توجد على جانبها كتابة لاتينية تذكر ان ( ماكتوريوس بارباروس) قد صنعها. وعلى هذا فان الفنان المذكور هو الذي صنع الخوذتين للتشابه الواضح بينهما.

قبور تل ام حوران واثارها
قبور تل ام حوران واثارها

ويحق لنا ان نتساءل من هو هذا الرجل؟

ان لقب (بارباروس- البربري) كان معروفاً  في عصر الرومان، ويطلق عادة على كل من هو غير يوناني او روماني الأصل. اما اسم ماكتوريوس فليس رومانياً. والظن انه سامي او عربي  ومشتق من فعل (قطر) او انه كأسماء مقعطر او مختار او مكثور او مكثار من فعل (كثر) التي كانت شائعة في الجاهلية وفي صدر الإسلام.

ومهما يكن فقد كان (ماكتوريوس بارباريوس) فناناً سورياً من صناع معدن البرونز الذين اتقنوا هذه الصنعة وابلغوها الأوج من الكمال في القرن الأول الميلادي وما بعده. ومن آثار هؤلاء الفنانين (خوذة حمص) المشهورة المعروضة في المتحف الوطني بدمشق، وعدد كبير من التماثيل والاشياء البرونزية الأخرى المعروضة في هذا المتحف. ويظهر ان (ماكتوريوس) كان مشهوراً لأنه سمح لنفسه ان يحفر اسمه على خوذة قائد مشهور. ولا بد ان يكون كذلك لأن المشاهد التي مثّلها على الخوذتين جميلة جداً ومحفورة بمهارة وموزعة على السطوح المحدبة توزيعاً منطقياً، ما يدل على ان الفنان الذي تصورها ونفذها، كان يعرف كيف يختار مواضيعه ويمثل هذه المواضيع بشكل حسن جداً.

اما القائد الذي صنعت له الخوذتان والذي دفن في ذروة تل ام نوى فانه كان ولا ريب رجلاً  سورياً من هذه المنطقة، مشهوراً في عصره الذي تدل كل الدلائل انه في آخر القرن الأول الميلادي وأول القرن الثاني، وانه نشأ في نوى، ومات فيها، وانه برع في مهنة السلاح، وبرز في الحروب التي قامت بين الجيش الامبراطوري الروماني وبين البارثيين الفرس. ولا يمكن ان تكون هذه الحروب الا الحروب التي اعلنها تراجان على ملك البارثيين(خسرو) التي دامت بين سنتي 114-117 م ، متوخياً توسيع مساحة الإمبراطورية الرومانية، وإضفاء أمجاد جديدة عليها. فأوجد المقاطعة العربية بعد ان قضى على استقلال بلاد الانباط، والحق تدمر بالأمبراطورية الرومانية، ثم هاجم دولة البارثيين محاولاً فتح أرمينيا وبلاد الرافدين. ولابد انه التحق بجيشه آنذاك عدد من الأمراء والأنباط وحاربوا معه. ويدلنا على ذلك ان تقاطيع وجه قناع الخوذتين تدل بشكل واضح جداً على ان صاحبها كان اميراً شرقياً من سورية.

قبور تل ام حوران واثارها
قبور تل ام حوران واثارها