الخطوط الحديدية السورية
تمهيد
لقد كان المسافر قبل انشاء السكك الحديدية يقطع المسافة بين دمشق وحمص على ظهر الدواب والجمال بخمسة ايام وبين دمشق وحماه بسبعة ايام ، وبيد دمشق وحلب باثني عشر يوماً وبين دمشق وبيروت بأربعة ايام وبيندمشق والقدس باثني عشر يوماً وبين دمشق والقاهرة بخمسة وعشرين يوماً وبين دمشق وبغداد بأربعين يوماً.
استمر انشاء السكك الحديدية في بلادنا الذي سبق انشاء الطرق بأكثر من ثلاثين عاماً قدخفض مدة السفر تخفيضاً محسوساً، ويكفي ان نذكر على سبيل المثال ان المسافر بالسكة الحديدية بين دمشق وحلب كان يقطع هذه المسافة باثني عشرة ساعة بدلاً من اثني عشر يوماً على الدواب.

تاريخ انشاء هذه الخطوط
لشبكة الخطوط الحديدية السورية حكايات طويلة تتشابك مع تاريخنا الحديث
خط بيروت – دمشق الحديدي شريان لم يكتمل(1)
يكشف التفاصيل رياض نجيب فيكاني نقلاً عن مذكرات والده، وكان مرافقاً لحاكم لبنان جمال باشا عام 1914 . يقول: بدأ التفكير جدياً بمد شبكة للمركبات تؤمن المواصلات من بيروت إلى متصرفية جبل لبنان في بداية ستينات القرن التاسع عشر . إلا أن فكرة إنشاء طريق تصل بيروت بدمشق لم تبت فعلياً إلا عندما ازدهرت المبادلات التجارية بين المدينتين .
ويكشف فيكاني عن المذكرات نفسها، أن الكونت ادمون دو برتوي، وهو ضابط سابق في البحرية الفرنسية انتقل للعيش في بيروت، كان السباق لطرح مشروع إنشاء خط سكة حديد يربط بين الشام وبيروت، فنجح في مسعاه بعد حصوله عام 1875 على رخصة من الإدارة العثمانية لشق الطريق، وبخياله الخصب أدرك أهمية بيروت كمركز تجاري مهم على ساحل المتوسط للتصدير والاستيراد . واستكمالاً لمشروعه الحيوي، دخل في مفاوضات مع شركة النقل الإمبراطورية العثمانية ليبني مشروع مرفأ جديد لبيروت عام ،1889 إلا أن الآستانة رفضت إعطاء الامتياز لأجنبي، فنال رخصة إنشاء المرفأ يوسف مطران، وهو رجل أعمال من بعلبك كان تمكن أيضاً من نيل رخصة بإنشاء سكة الحديد بين دمشق وحوران . وسرعان ما تبين أن مطران كان سمساراً إذ باع الرخصة في العام نفسه إلى الشركة الفرنسية التي تسلمت إدارة المرفأ، وبذلك أصبحت بيروت عام 1888 عاصمة اقتصادية لمتصرفية جبل لبنان وبوابة لبلاد الشام .
وفي عام ،1890 طرح المهندس الفرنسي إدوارد كوز فكرة جعل طرابلس رأساً لسكة حديد تربط المدينة بالساحل السوري، وافق حاكم طرابلس على الاقتراح وطرحه بدوره على وجهاء المدينة الذين اتفقوا فيما بينهم لتمويل المشروع، الذي نال موافقة الإدارة العثمانية في أوائل القرن العشرين .
في الوقت نفسه اقترح الرحالة البريطاني لورنس اوليفانت إنشاء سكة تربط حيفا بدمشق . أدرك أعيان بيروت ومعهم دو برتوي أن هذا المشروع سوف ينقل تجارة القمح الآتي من جبال حوران، أحد أهم المصادر لمرفأ بيروت، إلى مرفأ حيفا . وبحنكة كبيرة، تمكن الوفد البيروتي أثناء اجتماع مع الوالي العثماني، إقناعه بأن خط حيفا – دمشق يمر بأراض تابعة للسلطنة، ما يجعل البريطانيين معتدين على أملاك الباب العالي، فكان أن أجبرت الآستانة البريطانيين على التوقف عن العمل .
نجح برتوي في مسعاه، ولم يعد ينقصه لتنفيذه إلا إيجاد الموارد المالية لإطلاق أعمال بناء السكة . وبعد اجتماع مع كبار تجار بيروت في أوائل شباط ،1890 وافق حسن بيهم أحد كبار وجهائهم على تمويل المشروع وتقدم بطلب إلى السلطات التي أعطت موافقتها في 17حزيران 1891 . أنشأ بيهم “الشركة المُغفلة العثمانية لخط حديد بيروت – دمشق، والتزم مد خط حديد يربط بين بيروت ودمشق مع استثمار لمدة 99 سنة . ونتيجة لذلك أضحى الخطان الأساسيان: بيروت – دمشق ودمشق – حوران بيد متعهدين من بيروت وبعلبك هما حسن بيهم ويوسف مطران .
وفي أيار 1893 وافقت السلطنة العثمانية على أن يقوم دو برتوي بتمديد خط حديد يربط دمشق بالفرات . ومنح يوسف مطران امتياز بناء واستثمار خط حديد يصل دمشق – حمص – حلب بمدينة البيرة التركية . وافتتح الخط رسمياً سنة 1895 بالتزامن مع الاحتفال بعيد مولد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني .
ظلت أمور سكة الخط الحديدي على هذه الحال حتى السادس من حزيران ،1956 حين استردت الدولة اللبنانية الخطوط والتمديدات من خلال الشركة الجديدة “سكك الحديد اللبنانية” . وفي 14 نيسان، جرى إنشاء مصلحة سكة حديد الدولة اللبنانية والنقل المشترك لبيروت وضواحيها . وعدّل اسمها فيما بعد لتصبح “مصلحة السكة الحديد والنقل المشترك” تخضع لوصاية وزارة الأشغال العامة والنقل ولرقابة مجلس الخدمة المدنية ووزارة المال .
نبذة عن تاريخ إنشاء الخطوط الحديدية السورية
اولاً خط دمشق ـ مزيريب/ وخط بيروت ـ دمشق(2)

في عام. 1888 حصل احد وجهاء مدينة بعلبك المدعو يوسف حبيب مطران على امتياز لانشاء خط حديدي على البخار من دمشق الى مزيريب في الجنوب بطول مائة وثلاثة كيلومترات وفي 7 حزيران 1891 حصل احد وجهاء بيروت المدعو حسن بيهم على امتياز لانشاء خط حديدي بين بيروت ودمشق (اعلاه) بطول مائة وسبعة واربعين كيلومتراً.
وقد أنشأ كل من هذين الشخصين شركة لاستثمار امتيازه من مساهمين افرنسيين ثم اندمجت الشركتان مع بعضهما باسم (شركة الخطوط الحديدية العثمانية الاقتصادية بين دمشق وبيروت وحوران في سورية). وهي شركة افرنسية وصدق هذا الاندماج بفرمان سلطاني بتاريخ الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني من عام 1891 وقد دخلت كمساهم في هذا المشروع ( الشركة الامبراطورية العثمانية لطريق بيروت – دمشق) التي كان لها امتياز طريق الديليجانس بين بيروت ودمشق وبالعكس وهي شركة افرنسية ايضاً.
لقد دشن خط دمشق – ومزيريب في الثامن عشر من شهر تموزمن عام الف وثمانمائة واربعة وتسعين واصبح بامكان المسافر اجتياز هذه المسافة البالغة مائة وثلاثة كيلومترات في ثلاث ساعات بينما كان يتطلب هذا السفر مدة يومين ونصف على ظهر الدواب.
وكان هذا الخط يمر على القرى الآتية: محطة الميدان (القدم) – داريا – صحنايا – الكسوة – خان دنون – غباغب – الصنمين – القنية – القتيبة- شيخ مسكين – ابطع – داعل – طفس – مزيريب. وبعد ان تم انشاء الخط الحديدي الحجازي الذي يصل في الاراضي السورية بين دمشق ودرعا، لم يعد من لزوم لخط دمشق – مزيريب، لذلك توقفت الشركة الافرنسية عن استثمار هذا الخط قبيل الحرب العالمية الاولى ومن ثم ازيلت قضبان هذا الخط خلال تلك الحرب ولم يُعَدْ إصلاحه.
اما خط دمشق – بيروت فقد بوشر باستثماره في الثالث من شهر آبمن عام 1895 وقطع اول قطار المسافة البالغة 107كم في حوالي تسع ساعات لم يكن بالامكان تخفيض هذا الزمن بسبب استعمال المسنن في قسم من الارض اللبنانية بطول اثنين واربعين كيلومتراً والصعود الى ارتفاع يقرب من الف وخمسمائة متر في ظهر البيدر وتوجد في هذا الخط ثمانية وعشرون محطة يقف فيها القطار.
ان هذين الخطين اي خط دمشق – مزيريب وخط دمشق – بيروت هما من الخطوط الضيقة اذ ان عرضهما بين القضبان يبلغ 1,05 متراً. وعلى الرغم من العيوب الموجودة في تخطيط الخط الحديدي بين بيروت ودمشق فلم يجر اي اصلاح او تعديل عليه ، لذلك كان من الصعب الصمود تجاه مزاحمة السيارات لا سيما فيما يتعلق بالركاب لذلك توقف الخط عن نقل الركاب بين دمشق وبيروت، وبقي نقل الركاب فقط في القسم السوري بين دمشق وسرغايا، ويقتصر نشاط الخ
ط بكامله على نقل البضائع فقط. ولتحسين مردود هذا الخط لابد من استعمال قاطرات الديزل وهناك جرت مفاوضات بين الادارتين السورية واللبنانية بهذا الشأن وستمر نقل البضائع حتى توقف الخط اواخر القرن 20.
ثانيا: خط رياق – حماه – حلب
كان المتعهد ذاته يوسف حبيب مطران قد استحصل في الثالث من حزيران من عام 1893على امتياز لانشاء خط حديدي بعرض اعتيادي بين القضبان قدره 1,435 متراً ، يربط دمشق بحمص وحماه وحلب وبيروجيك على نهر الفرات، ثم تنازل عن هذا الامتياز الى “شركة الخطوط الحديدية العثمانية الاقتصادية بين بيروت ودمشق وحوران في سورية” لقاء مبلغ يزيد عن المائة الف ليرة عثمانية ذهب واصبح اسم الشركة “الشركة العثمانية لسكك حديد بيروت – دمشق – حوران – وبيروجيك على الفرات” وقد تعرضت هذه الشركة الى صعوبات مالية جعلتها تتوقف عن اعمالها وتستحصل من الباب العالي على ملحقين لامتيازها كان الملحق الثاني منهما بتاريخ الثامن والعشرين من شهر ايار من عام 1900 وبموجب هذا الملحق الاخير تمكنت الشركة من الحصول على ضمانة كيلومترية قدرها خمسة عشر الف فرنك افرنسي ذهب، واصبح اسمها نهائياً ” الشركة العثمانية لخط حديد شام – حماه وتمديداتها”.
لقد بوشر باستتثمار خط رياق – حماه في اول آذار من عام 1903 كما دشن الخط بين حماه وحلب في الخامس من شهر تشرين الاول من عام 1906.
ثالثاً: خط حمص – طرابلس
استحصلت شركة شام- حماه تمديداته في السابع من شهر تشرين الاول من عام 1909على امتياز لمد خط حديدي بعرض اعتيادي، بين حمص وطرابلس بطول مائة كيلومتر تقريباً وقد بوشر باستثمار هذا الخط في اليوم الاول من شهر حزيران من عام 1911 وبذلك اتصل الخط الحديدي بين رياق وحلب بالبحر الابيض المتوسط عن طريق مرفأ طرابلس وقد منحت هذه الشركة ايضاً امتيازاً لانشاء ميناء صغيرة في طرابلس معروف باسم ميناء المواعين.
رابعاً: الخط الحديدي الحجازي
يبدأ تاريخ انشاء الخط في ايلول من عام 1900 عندما اعلن السلطان عبد الحميد عزمه على انشاء خط تلغرافي وخط حديدي لربط دمشق بالأراضي المقدسة في الحجاز، وتم هذا الاعلان خلال الاعياد التي اقيمت بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاعتلائه العرش العثماني، وكانت الغاية الأساسية من انشاء الخط الحديدي تسهيل حج المسلمين من جميع بلاد الشرق الأدنى والاوسط حتى المدينة المنورة ومكة المكرمة، واعتبر السلطان ان هذا هو حلمه القديم واعتزم مع مستشاريه أن يكون مشروعا عثمانيا إسلاميا في تمويله وإدارته من دون رأس مال أجنبي. ولذا فقد افتتحت الاكتتابات للتبرع لهذا المشروع في سائر انحاء الامبراطورية العثمانية وفي جميع البلاد الاسلامية، وكذلك وضعت ضرائب اضافية وطوابع خاصة لجمع الاموال اللازمة لانشاء هذا الخط.
فكرة المشروع
سمي خط سكة حديد الحجاز على اسم المنطقة الواقعة غرب شبه الجزيرة العربية، حيث تقع المدينتان المقدستان مكة والمدينة، وعرف في السجلات العثمانية باسم “خط شمندوفير الحجاز” أو خط حديد الحجاز الحميدي، وفي وثائق دار الأرشيف العثماني باسم “حجاز تيمور يولي”. بينما سمته مراجع تاريخية “طريق الحرير الحديدي” بسبب تأثيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحيوي على المنطقة خلال فترة تشغيله.
تعود فكرة إنشاء هذا الخط إلى مجموعة من المقترحات قدمها مهندسون من مختلف الجنسيات، ففي عام 1864 قدم “تشارلز زامبل” المهندس الأميركي من أصل ألماني، مقترحا لربط دمشق بالبحر الأحمر، وذلك في عهد السلطان عبد العزيز.
وعام 1872 قدم المهندس الألماني “ويلهام فون برسيل” مقترحا يهدف إلى ربط القسم الآسيوي من الدولة العثمانية، وفي عام 1874 قدم الملازم أحمد رشيد مقترحا لمد خط من الشام إلى مكة ومنها إلى جدة.
وفي عام 1878، قدم الإنجليزي “إلفينستون دارلمبل”، فكرة لإنشاء خط من حيفا أو عكا يخترق وسط الجزيرة العربية ويتصل بالكويت ومنها خط فرعي إلى البصرة. إلا أن التكلفة العالية للمشروع، كانت مانعا أساسيا للشروع في تنفيذ أي من هذه المقترحات.
بقي المشروع طي الكتمان ثم تجدد الاهتمام به حين قدّم وزيره في الأشغال العامة حسن فهمي باشا عام 1880 لائحة مشروع مفصل لخط حديدي يربط الأناضول بالجزيرة العربية، ينطلق من أزمير مرورا بقونية وحلب وينتهي في بغداد ومن دمشق إلى الأراضي المقدسة، لكن الأحوال المالية كانت عائقا حال دون تنفيذه.
عام 1884 قدم والي الحجاز عثمان نوري تصورا عن أهمية إنشاء خط في أراضي الحجاز في صد أي اعتداءات خارجية على المنطقة ثم جدد مقترحا بخط بين مكة وجدة عام 1892 استعان فيه بمذكرة قدمها الضابط سليمان شفيق ووالده المعين في أمانة سر الحج، تشرح الأهمية الإستراتيجية لإنشاء خطوط حديدية، في حال إغلاق قناة السويس من قبل الإنجليز أو نشوب صراع بين الدولتين.
وشهدت نهاية عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر إحياء الفكرة من جديد على يد رجل الدولة الدمشقي أحمد عزت باشا العابد، حين قدم عام 1892 خطة تفصيلية لمشروع أقل تكلفة مما قُدم، أرفقها بشرح فوائده الأمنية والسياسية والدينية والخدمية والاقتصادية.
كان عزت باشا على اطلاع بالمشاريع المقترحة سابقا، عندما كان يشغل منصب مدير الأوقاف في جدة وبيّن أهمية إنشاء خط حديدي بخاري من الشام أو من مكان آخر مناسب إلى الحجاز، ليكون طريق الحجاج سهلا وآمنا، ويقال إن هذه الفكرة حظيت بتأييد المستشار العسكري للسلطان فأحالها على الفريق محمد شاكر باشا، رئيس الأركان الحربية والذي أنشأ رسما للخط المقترح وتقديراته المالية والفنية.
حلم قديم وخط حديدي جديد (3)

في 30 تشرين الأول 1897 قدم أحمد مختار باشا المعتمد المميز في مصر عريضة للسلطان نبه فيها على خطورة التدخل الإنجليزي في أفريقيا والبحر الأحمر واليمن، والتهديد الذي تتعرض له المناطق المقدسة في الحجاز، واقترح إنشاء خط يربط دمشق بالسويس، وقونية في الأناضول بدمشق.
وكان مجلس الوكلاء حينها قد ناقش هذه العريضة في كانون الأول 1898 ووافق على أهمية المشروع المقترح، لكنهم أجلوا دراسته إلى وقت لاحق.
وترجح بعض المصادر أن الصحفي الهندي “محمد إن شاء الله” بلور فكرة إنشاء خط من دمشق إلى المدينة المنورة في إطارها الصحفي وقاد الدعاية لها في مختلف صحف العالم الإسلامي.
وكان تحقيق هذه الفكرة إحدى أمنيات السلطان التي تحدث عنها في مذكراته عام 1898، وبعد عامين تبنى تنفيذ المشروع الذي وصفه بـ”حلمه القديم”، انطلاقا من سعيه لتعزيز التضامن الإسلامي، ودعم قوة الدولة وقدرتها الإستراتيجية.
عدّ ذلك الأمر طموحا ضخما يطرح تحديا ماليا وهندسيا، إذ شكك كثير من رجال الدولة في قدرة السلطان على تنفيذ هذا المشروع المعجز، كما قال أكثر المهندسين والجغرافيين بتعذر إنجازه.
كانت تكلفة الإنشاء المتوقعة في حدود 4 ملايين ليرة إذا امتد حتى مكة المكرمة، و3.5 ملايين ليرة إذا اقتصر على المدينة المنورة (أي ما بين 15% و20% من الميزانية) بينما كانت الدولة تعاني عجزا كبيرا وتواجه صعوبات مالية مع الديون العمومية.
وسط الظروف المادية الصعبة واعتراضات الدول الغربية وحملات سخرية وتهكم من نجاح المشروع، بدأ تنفيذ إنشاء الخط بعد دراسة كل خيارات تمويله، وكان في مقدمتها قرض من البنك الزراعي العثماني مقسطا على مدى 8 سنوات قيمته تقارب نصف مليون ليرة. واعتمدت الدولة العثمانية في حينه على ثلاثة مصادر رئيسة للتمويل هي
موارد رسمية ثابتة: من ضرائب خاصة ضمنت 250 ألف ليرة سنويا، وإعانات مفروضة من طوابع البريد ومخصصات الحج مقدارها 150 ألف ليرة سنويا، بالإضافة إلى عائدات مبيعات جلود الأضاحي وغيرها، كما أوقفت عليه أراض ومشروعات أهمها ينابيع الحمة المعدنية ومرفأ حيفا.
تبرعات من ملوك وأمراء وهيئات وأفراد: بدأت بتبرع السلطان بحوالي 320 ألف ليرة تركية، وهو ما يعادل ربع إجمالي تكلفة المشروع، ثم الأسرة الحاكمة وكبار رجال الدولة العثمانية والموظفين وعامة الشعب.
وجاءت تبرعات من شاه إيران بما يعادل 50 ألفا وأمير الكويت 500 ليرة وسلطان المغرب 750 فرنكا وأمير بخارى 400 فرنك وسلطان المكلا 20 ألف روبية، كما تبرع خديوي مصر عباس حلمي بكمية من مواد الإنشاء والبناء والخشب، وأمير حيدر آباد بإنشاء محطة المدينة المنورة.
تبرعات الأفراد والهيئات من شتى بقاع العالم الإسلامي: إذ أرسل مسلمو ناتال في جنوب أفريقيا ألف ليرة، ومسلمو سنغافورة 4 آلاف جنيه إسترليني، ومن مسلمي الهند وصل تبرع بقيمة 150 ألف ليرة.
بلغ مجموع التبرعات 760 ألف ليرة عثمانية، أي 17 مليون فرنك، ما يعادل ثلث المبلغ المطلوب لإنجاز الخط، وهو ما عده المؤرخ جيمس نيكلسون إنجازا ملحوظا يشهد لنجاحه 6 مجلدات من محفوظات دار الأرشيف العثماني في إسطنبول، تتضمن أسماء أكثر من 20 ألف متبرع.
بينما استحدثت بموجب مرسوم سلطاني صدر عام 1901 ميداليات باسم الخط (حميدية حجاز تيمويولي مداليه سي) وأوسمة ورتب وألقاب لتكريم المتبرعين والمساهمين بالجهد الجسدي والفكري والمالي في المشروع، حتى إن أحد الرعايا النمساويين دفع حوالي 2100 ليرة ذهبية للحصول على لقب باشا، كما كانت تُمنح للعاملين ساعة جيب نحاسية طُبع عليها صورة محرّك بخاري.
كان أمير الكويت ممن ورد ذكرهم في دفاتر الميداليات الممنوحة للمتبرعين المحفوظة في دار الأرشيف، إلى جانب أسماء من كل دول العالم الإسلامي وعسكريين في كل ولايات الدولة.
أعمال الإنشاء والإدارة
في أيار 1900 أصدر السلطان “إدارة شاهانية” بإنشاء لجنتين للإشراف على تنفيذ المشروع، الأولى برئاسته ومقرها في إسطنبول وعين عزت باشا رئيسا للخط، والثانية للتنفيذ برئاسة والي سوريا ومقرها دمشق، بينما أسندت الإدارة العامة إلى اللواء كاظم باشا صهر السلطان لتنسيق أعمال الإنشاء، وعهد إلى المهندس مختار بك بمهمة مسح عام في المنطقة لتحديد مسار الخط، وعهد بالإدارة الفنية إلى المهندس الألماني “هنريك أوغست مايسنر” وصادق باشا المؤيد العظم مساعدا له.
كان مايسنر مشرفا على المهندسين ومسؤولا عن أعمال الإنشاء مقابل 200 فرنك مصروف مع زيادة 100 فرنك في الراتب شهريا حتى عام 1909، وعمل تحت إشرافه 43 مهندسا من جنسيات مختلفة: 17 مهندسا عثمانيا و12 ألمانيا و5 فرنسيين ونمساويين وبلجيكي ويوناني. أما أعمال الإنشاء فقام بها جنود الجيش العثماني، وبلغ عددهم حتى عام 1908 نحو 7500 رجل.

مراحل الإنجاز
تم تشييد الخط على ثلاث مراحل رئيسة، شملت الأولى مسح الأرض التي يمر بها الطريق لتقدير الكلفة المالية، والثانية تحديد معالم سير الخط وارتفاعاته، والثالثة في التنفيذ الفني الذي تجسد في 3 خطوات إنشائية
– الأولى تسوية الأرض التي يمر بها الخط.
– الثانية إعداد الخط الترابي وإنشاء الجسور والأنفاق.
– الثالثة وضع القضبان الحديدية في مساراتها الصحيحة.
اتبع الخط الحجازي المسار والاتجاه الذي سلكته قوافل الحج منذ القدم (طريق الحج الشامي) مع بعض التعديلات البسيطة لأسباب فنية، وأنجز على خمس مراحل بمعدل حوالي 182 كيلومترا كل عام.
بدأ العمل يوم 1 أيلول 1900 بإنشاء خط برقي بإدارة الفريق الأول صادق باشا المؤيد العظم، واضطلع الوالي آنذاك الوزير حسين ناظم باشا بتيسير وصول الأدوات البرقية إلى المدن والبلدات التي يمر عبرها بمساعدة العشائر الأردنية.
دُشِّنَ القسم الاول من الخط الواقع بين دمشق ودرعا بطول 123 كم في الاول من شهر ايلول 1903 وبعد شهر واحد دُشِّن قسم آخر من الخط بين درعا وعمان بطول100 كم
وصل القطار إلى مدينة عمان 1903، وكان إنشاء التلغراف من دمشق إلى المدينة عبر عمان بطول 1303 كيلومترات، ضمن سرعة الاتصالات وربط أجزاء الدولة بزمن قياسي. وبعدها بدأ التنفيذ الفعلي للخط من محطة مزيريب وافتتح القسم الأول دمشق- درعا في أيلول 1903.وبعده بشهر وصل إلى عمّان كما اسلفنا، ثم إلى معان عام 1904 والمسافة بين دمشق ومعان بلغت 450 كم، ومن عمان أقيمت إدارة أعمال شرعت في نقل الركاب وشحن البضائع يوم 1 أيلول 1905 حيث تم افتتاح الخط الفرعي الذي ربط درعا بـ حيفا بطول 124 كم، مما وصل السكة بالبحر الأبيض المتوسط.واستخدمت عائداتها في تمويل ما تبقى من السكة جنوبا.
ثم وصل الخط إلى مدائن صالح (العلا حاليا) عام 1906، مع خط فرعي إلى حيفا بفلسطين في مرحلة رابعة، ووصل إلى المدينة المنورة في محطته الأخيرة عام 1908 على بُعد 250 ميلا من مكة المكرمة، حيث اكتمل الخط رسمياً بوصوله إلى المدينة المنورة في 31 آب .
حينها أمر السلطان أن يُمَدَّ اللباد (الصوف) على آخر 30 كيلومترا من الخط، والذي كان يتم غسله بماء الورد كل يوم احتراما وتقديسا لتلك الأراضي المباركة وأنشأ هناك مسجد العنبرية (بلا منبر ولا تؤدى فيه الجمعة).
واخيراً في شهر ايلول من عام 1908 وصل الخط الحديدي الحجازي الى المدينة المنورة فأقيمت الزينات والحفلات بهذه المناسبة وكان لهذا النجاح الصدى العظيم في جميع البلاد الاسلامية، وكان بنية السلطان عبد الحميد ان يترأس بنفسه حفلات تدشين الخط الحديدي بين دمشق والمدينة المنورة، وقد ابرق برقية خاصة الى شريف مكة حسين الهاشمي عندما انتهى انشاء الخط البرقي يبلغه فيها عن عزمه على الحضور الى المدينة المنورة والقيام بفريضة الحج وتدشين الخط الحديدي الا ان الموقف السياسي في ذلك الحين في الامبراطورية العثمانية لم يسمح له بذلك بعد ان ازداد نفوذ حزب “الاتراك الشباب” او “تركيا الفتاة” والمسماة لاحقاً “جمعية الاتحاد والترقي” هذا الحزب الطوراني الذي اسقط السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش بعد بضعة أشهر في عام 1909.
اختلفت المصادر التاريخية في تقدير طول السكة ما بين 1465 كيلومترا و1322 كيلومترا، ولكن تتفق المصادر على انه بلغ طول الخط بين دمشق والمدينة الف واربعمائة كيلومتر، وتوقفت الاعمال في المدينة ولم تكمل حتى مكة، وفي عام 1909 انشئ القسم الواقع بين درعا وبصرى الشام بطول 33 كم، وقد انشيء هذا الخط
بعرض ضيق وهو نفس عرض خط دمشق -بيروت اي مائة وخمسة سنتيمترات.
وشمل الخط الحديدي الحجازي من دمشق وحتى المدينة المنورة 40 محطة تفصل بينها مسافة 20 كيلومترا، وتُقدر المدن والمراكز السكنية الواقعة على مسار خط الحجاز بنحو 50 مدينة ومركزا، كما تضمن الخط 2666 جسرا حجريا وجسورا للمشاة و250 رصيفا و7 جسور حديدية و9 أنفاق و7 أحواض و37 صهريجا ومستشفى في تبوك ومعان وورشة صغيرة في حيفا ودرعا ومسبك، وورشة أنابيب في حيفا ومخازن عديدة على طول مسار الخط ومركزا لصيانة المقطورات.
انطلاق أول قطار
بعد ما يقارب 8 سنوات من العمل ومواجهة المعوقات الداخلية والخارجية، البشرية والفنية والطبيعية والمالية تم تدشين الخط الحجازي، ووصل أول قطار من دمشق إلى المدينة المنورة قريبا من درب الحاج الشامي التاريخية في 23 أغسطس/آب 1908، وعلى متنه مندوب الدولة العثمانية وصحفيون محليون وأجانب وضيوف.
بينما أرجئ الاحتفال الرسمي إلى 25 شعبان 1326هـ الموافق 1 أيلول ليصادف ذكرى تولي السلطان العرش، وحضر الحفل آنذاك 30 ألف مدعو وممثلون عن الصحف الأجنبية.
وجاء في مجلة المقتطف المصرية أن المهندس مختار بك حملته الجموع مع جواد باشا على الأكتاف احتفاء بهما خلال مراسم هذا الاحتفال، وذكرت مراجع أخرى أن عزت باشا كان حينها قد عزل من وظيفته وأرسل إلى المنفى بعد الانقلاب الدستوري على السلطان، فلم يذكر أحد اسمه في الاحتفالات.
بعد حفل التدشين انتظمت رحلات 15 قاطرة بين دمشق والمدينة 3 مرات أسبوعيا، تستغرق الواحدة منها 56 ساعة بالحساب الرسمي، و7 سفرات من حيفا إلى دمشق تستغرق كل منها 12 ساعة.
وبدأ تبادل البضائع وانتقال الركاب يوميا بين حيفا ودمشق، وفي موسم الحج خُصصت 3 قطارات للعمل وكان الخديوي عباس حلمي الثاني قد استخدم القطار لأداء فريضة الحج عام 1910.
كانت حركة القطار ومواقفه منظمة حسب أوقات الصلوات الخمس، وتحولت إحدى قاطراته إلى مسجد متنقل وعُين له إمام للصلاة وأصبح “المحمل النبوي الشريف” أو “الصرة السلطانية” التي اعتاد سلاطين بني عثمان إرسالها مرفقة بالهدايا إلى الأراضي المقدسة، تأتي عبر القطار بدل الطريق البحري سابقا.
كان من المقرر أن يستكمل مشروع الخط إلى مكة المكرمة إلا أن الشريف حسين بن علي، الذي تولى إمارة الحجاز في ذلك العام عرقل مساعي إتمامه على الرغم من المزايا التي عرضتها عليه الدولة.
فبقي السفر حينها من المدينة إلى مكة عبر القوافل كما كان في السابق، وبقي الحجاج القادمون بحرا إلى جدة يقطعون الطريق إلى مكة والمدينة على الجمال، وحجاج العراق يأتون إلى الديار المقدسة عبر الصحراء.
خدمات متعددة
كان خط حديد الحجاز بديلا عن طريق البر لقوافل الحجاج، إذ اختصر مدة السفر من 40 يوما إلى 4 أيام فقط مقابل 3.50 جنيهات إسترلينية، ووفر لهم طريقا آمنا من غارات البدو التي كانت تستهلك من خزينة الدولة 150 ألف ليرة ذهبية، إضافة إلى 60 ألف ليرة ذهبية لتأمين هذا الطريق.
كما أحدث تحولا اجتماعيا في المناطق التي كان يقطعها من خلال بناء المحطات، فشجع على استقرار القبائل والتجمعات البدوية وعزز تطوير الزراعة وتنشيط التجارة في ذلك الوقت، وأسهم في تزايد أعداد الرحالة والمستكشفين الذين جعلوا الحجاز ضمن نتاجهم الفكري وأفردوا لها فصولا في مؤلفاتهم.
كان من مظاهر العمران إضاءة المدينة المنورة بالكهرباء لأول مرة وإقامة المباني الكبيرة التي تطل على ميدان المحطة، وتحولت حيفا إلى ميناء إقليمي ومدينة تجارية وتكونت معالم أحياء عمان الأولى غرب السكة، ومن بين السمات المهمة للمشروع الجسور العشرة في عمان، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم.
من جهة أخرى، شكّل إنشاء الخط التجسيد العملي والأهم لفكرة الجامعة الإسلامية، وأسهم في إظهار الدولة العثمانية بأنها ما زالت تحافظ على قوتها المالية وقدرتها التقنية والهندسية.
وكانت الدولة قد استفادت عسكريا من الخط لسهولة وصول القوات العثمانية لجنوب الجزيرة العربية وإمكانية تصنيع أدوات عسكرية في “معمل القدم” لصالح هذه القوات، وأصبح وسيلة مهمة للمواصلات مع شبه الجزيرة العربية لا سيما لتعزيز القوات المرابطة في اليمن والحجاز خلال الحرب العالمية الأولى.
كما كان الخط صاحب الفضل في صمود القوات العثمانية في جنوبي فلسطين نحو عامين في وجه القوات البريطانية وكذا مقاومتها لقوات “الثورة العربية” نحو 3 سنوات.
معارضة ومواقف عدائية
عارضت القبائل البدوية مد الخط الحديدي الحجازي، وأطلقت على قطاراته اسم (عبدان) وشنت غارات عنيفة ضد الجنود والمنشآت، وتم التغلب على ذلك بواسطة المنح والهبات وخلع شيوخ القبائل وتشغيل أفرادها وأفراد العشائر في الأعمال الإنشائية.
كما اتخذت بريطانيا وفرنسا مواقف عدائية تجاه المشروع لأنه يتعارض مع مصالحهما في المنطقة. وسعت لفرض القيود على إنشائه ووضع العقبات أمام عملية التبرع في مستعمراتها ثم وضع خطط لمشاريع مناوئة حتى لا يتم تشغيله لأهميته ومكانته العسكرية.
وكانت بريطانيا وراء تخريب الخط الحجازي، إذ حرض مسؤولوهم البدو على تدمير الجسور ونزع القضبان الحديدية ونسف القطارات. وفي عام 1917 انضم الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس، المعروف بلقب “لورانس العرب” إلى “الثوار العرب” وقاد الهجمات على القطار الحجازي بقاذفات أفضت إلى تدميره.
وذكرت مراجع تاريخية أن لورانس أعطى قطعة من الذهب لقطاع الطرق البدو مقابل كل قضيب يفكك ويدمر على السكك الحديدية من معان إلى المدينة المنورة.
بقايا الخط ومحاولات تصليحه
استخدم القطار من المدينة إلى دمشق لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى أواخر سنة 1919، وكان الأمير علي بن الحسين قد استقله حينها أثناء زيارته لأخيه فيصل في دمشق.
في 18 آب 1921 أصدرت الحكومة العثمانية قانونا بإلحاق الخط بنظارة الأوقاف في أنقرة باعتباره وقفا إسلاميا وقسمت ريعه بين عمارة الحرمين الشريفين وخدمات تيسير الحج.
عام 1924 تم تقسيم الخط في مؤتمر لوزان بين الدول التي يمر بأراضيها (قوات الانتداب الفرنسية في سوريا والبريطانية في الأردن وملك نجد والحجاز) وأيدت عصبة الأمم في العام التالي هذا القرار.
عام 1935 حددت مداولات الدول المعنية (السعودية، سوريا، وفلسطين) خلال مؤتمر حيفا كلفة صيانة الخط وإعادة تسييره في 100 ألف و92 جنيها إسترلينيا، وظل الحوار قائما حول آليات الدفع وتحديد نسبة كل دولة إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 فتعطلت كل مساعي إعادة تسيير الخط.
عام 1955 عقد اجتماع آخر في الرياض بين الأطراف الثلاثة، ثم تجددت الفكرة عام 1978، إلا أن هذه المبادرات لم تر النور، وحتى الآن لم يتم التوصل إلى نقطة البدء بالعمل.
لم يتبق من آثار خط سكة الحديد الحجازي سوى منشآت قديمة وأطلال مباني المحطات وآثار سكة متروكة للاندثار وقاطرات متوقفة، حتى إن عربة السلطان بقاطراتها الثلاث التي يزيد عمرها على 110 أعوام استثمرت كمطعم ومقهى وكافتيريا.

سكة الحجاز بلغة الأرقام
عام 1909 استخدم 19 ألفا و965 حاجا القطار الحجازي وارتفع عام 1912 إلى 30 ألفا وإلى 300 ألف عام 1914.
ما بين 1909-1913 نقل القطار مليونا و311 ألفا و907 من المسافرين العسكريين والمدنيين (967 ألفا و845 مدنيا، 344 ألفا و62 عسكريا).
ارتفع عدد السكان في المدينة المنورة من 20 ألفا عند افتتاح الخط إلى 80 ألفا عند بداية الحرب العالمية الأولى، وانتقل في حيفا من 15 ألفا عام 1905 إلى 23 ألفا عام 1914.
بين عامي 1903 و1912 بلغ مكسب منطقة حوران من تصدير قمحها أكثر من نصف البضائع المنقولة على خط السكك الحديدية بين دمشق وحيفا.
بلغت موارد الخط قبل الحرب العالمية الأولى بعد تنزيل كل النفقات مبلغ 32 ألفا و768 ليرة عثمانية ذهبية؛ أي أنه حقق فائضا في ميزانيته على الرغم من أن تشغيله اقتصاديا كان لمدة 6 سنوات فقط قبل الحرب.
بلغت الإيرادات سنة 1908 مبلغ 174 ألفا و512 ليرة عثمانية و188 ألفا و692 ليرة عثمانية سنة 1909، ثم ارتفعت سنة 1910 إلى 260 ألفا و890 ليرة عثمانية.
إضافة إلى العمران والازدهار اللذين صنعهما، حقق المشروع أرباحا مالية بلغت عام 1913 ما يقارب 82 ألف جنيه إسترليني.
نقل 91 مليونا و626 ألفا و316 طنا من المواد الغذائية على الخط سنة 1909، وارتفعت الكميات المنقولة في 1910 إلى 112 مليونا و7 آلاف و112 طنا من المواد الصناعية والغذائية.
قالوا عن خط سكة الحجاز
علي الطنطاوي: امتدّ انتظاره دهرا والحمل به عمرا، حملَته أمه 8 سنوات من سنة 1901 إلى سنة 1908 وعاش بعدما وُلد 10 سنين من سنة 1908 إلى سنة 1918، ثم أصابته علّة مزمنة، فلا هو حيّ فيُرجى ولا ميت فيُنسى، الخط ممدود ولكن لا يمشي عليه قطار والمحطات قائمة ولكن لا يقف عليها مسافر.
كانت فيها مواقف الوداع والاستقبال تشهد الآلام والآمال، وكان فيها الناس من كل بلد وكل شعب فأصبحت لا غاد عليها ولا رائح منها ولا مودّع أسيان ولا مُستقبِل فرحان.
محمد شعبان صوان: إن السكة أصبحت رمزا للتجزئة العربية وللضرر الفادح الذي ينتج عن تخريبها، إذ تكمن في وجودها المصلحة المشتركة والروابط التي من شأنها أن تفرض إصلاح السكة وتشغيلها.
الباحث البريطاني جيمس نيكلسون يقول عن السكة: إن إنشاءها كان حكاية للتحمل والإصرار جعلتها الحرارة والظروف القاسية وعداوة القبائل، ملحمة”.. ويقول عن السلطان: إن انهماكه الشخصي ودعمه الثابت عاملان أساسيان وراء إنجاح المشروع، ويفسران لنا كثيرا النجاح النهائي لما بدا في البداية خطة بعيدة الاحتمال جدا وخيالية.
وصف الأميركي جاسترو، الذي عاصر إنشاء السكة جمع المال من مسلمي العالم بأنه مثال مدهش للمكانة المميزة التي ما زال وسيظل الحج إلى مكة يحتفظ بها عند المسلمين.
قال عنه الملحق العسكري الفرنسي: إن إحدى النقاط المثيرة في هذا المشروع هو غياب الاختلاس بين الطبقة العليا من اللجنة المشرفة، كل المال المجموع ذهب إلى هدفه المناسب، وقد نظر الأعضاء إلى الإنشاء بصفته واجبا دينيا.
الحرب العالمية الأولى
توقفت الرحلات تماماً في الجزء الجنوبي (السعودية) بينما استمرت أجزاء أخرى بالعمل لأغراض تجارية وشحن الفوسفات.
لا تزال مؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني قائمة حتى اليوم، وتتواجد في سورية و السعودية مبانٍ تاريخية ومحطات ومتاحف تضم القطارات القديمة (مثل محطة الحجاز الجميلة جدا بدمشق) كمعلم تاريخي وسياحي

خامساً: الاقسام السورية من خط حديد بغداد
في 3 كانون الاول من عام 1891 منحت الشركة الالمانية المعروفة باسم “الشركة العثمانية لخطوط حديد الاناضول” رخصة لدراسة خط حديدي باتجاه بغداد بطول 1600 كم، وفي 21 كانون الاول 1902 وقع وزير الاشغال العامة العثماني مع هذه الشركة اتفاقية منح بموجبها امتياز لانشاء خط حديدي بين قونيه وبغداد مع امتداد الى الخليج العربي. وكان حلم الامبراطور الالماني غليوم الثاني في ذلك الحين ايصال برلين باسطنبول وبغداد ومن ثم بالخليج العربي بخط حديدي. لذا تمكن من الحصول على امتياز نهائي للشركة الالمانية التي اتخذت اسماً جديداً لها وهو
“الشركة الامبراطورية العثمانية لخط حديد بغداد” وقد تألف اول مجلس ادارة للشركة من 27 عضواً منهم احد عشر المانياً وثمانية افرنسيين واربعة عثمانيين وسويسريان ونمساوي واحد وايطالي واحد.
وفي عشية الحرب العالمية الاولى اي في الثاني من آب 1914 لم يكن خط حديد بغداد قد أُنجِزَ بعد، وخلال تلك الحرب لم تتوقف اعمال الانشاء وتم تمديد الخط حتى بلدة نصيبين في الجزيرة السورية العليا (اليوم في الاراضي التركية). الا ان تفكك الامبراطورية العثمانية بعد هزيمة الجيوش الالمانية والتركية في عام 1918 ادى الى تعطل قسم كبير من هذه الخطوط، وقد أُصلحت معظمها في السنوات التي تلت تلك الحرب، وان قسماً كبيراً من الجسر الحديدي على نهر الفرات في جرابلس هُدم اثناء الحرب ولم يُعَدْ انشاؤه الا في نيسان 1927.
اما القسم الواقع بين تل زيوان (القامشلي) وبين تل كوتشك على الحدود العراقية (تل كوجر: اليعربية) بطول 72 كم فلم يُنجز الا في عام 1935 من حصة سورية في المصالح المشتركة في ذلك الحين. ويمكن اعتبار هذا التاريخ انجاز الاقسام السورية من خط حديد بغداد.
هذه هي حكاية انشاء الخطوط الحديدية في سورية، الا ان الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال آلت على نفسها انهاء استثمار هذه الخطوط من قبل الشركات الاجنبية لذلك فقد استلمت الحكومة السورية ادارة الخط الحديدي الحجازي في الاول من آذار عام 1945 من سلطات الانتداب الفرنسي اذ كان هذا المرفق مع المصارف والجمارك والمرافئ وادارة حصر التبغ والتباك ( الريجي) تتبع الى المفوضية الفرنسية العليا مع مواردها المالية.
وتسلمت الحكومة السورية ادارة الاقسام السورية من خط حديد بغداد في الاول من تموز 1948 ، واستلمت ادارة خطوط شركة شام حماه وتمديداتها في اول يوم من عام 1956.وبذلك اصبحت الخطوط الحديدية السورية في سورية مستثمرة من الدولة السورية كمرفق عام.
وفي زمن الوحدة بين سورية ومصر تم انشاء خط حديدي بطول 764 كم بين اللاذقية وحلب والقامشلي اي مايعادل 90% من مجموع طول شبكة الخطوط الحديدية السورية، يبلغ طول الخط المذكور 764 كم منها 532 كم من حلب الى اللاذقية. ومحطاته الكبرى في اللاذقية وحلب ودير الزور. اما المحطات الكبيرة في جسر الشغور ومسكنه والرقة والحسكة والقامشلي، واذا اضفنا اليها المحطات الثانوية يكون مجموعها 74 محطة، اي بمتوسط محطة واحدة لكل 10 كم من المسافة وذلك لتسهيل اعمال نقل البضائع، وبلغت التكاليف 400 مليون ليرة سورية وتولت الحكومة السوفيتية اجراء الدراسات الفنية وتقديم جميع التجهيزات الميكانيكية اللازمة للانشاء وتقديم القضبان الحديدية يقتصر واقع الخطوط الحديدية في سورية اليوم على تشغيل اجزاء محددة لنقل البضائع والمشتقات النفطية، مع عودة تجريبية خجولة لبعض خطوط الركاب. ومن أصل شبكة بطول 2800 كم، يعمل اليوم حوالي 1000 كم فقط، بينما القسم الأكبر خارج الخدمة بسبب الأضرار. التي لحقت بهذا المرفق الحيوي منذ 2012.
تتوزع حالة الخطوط السورية بين التشغيل والتوقف على النحو التالي
الخطوط العاملة (في مجالي نقل الركاب والبضائع)
الخطوط باتجاه دول الجوار: الخطوط الحديدية الممتدة نحو تركيا والخط الحديدي الحجازي التاريخي الممتد نحو الأردن متوقفة تماماً وبحاجة إلى إعادة تأهيل
سورية.. مساع لتأهيل سكك الحديد وخطة لإحياء قطار الحجاز(4)
يجري بين سورية وتركيا حالياً تعاون تقني لإعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية في سورية، وعن إحياء الخط الحديدي الحجازي، ضمن تحرك يهدف إلى تعزيز دور الخطوط الحديدية في اقتصادات دول الإقليم.
ويوفر تأهيل الشبكة وربطها بالسكة الحديدية التركية، (وفق وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو)، ممرا إستراتيجيا للركاب والبضائع، كما يدعم -على صعيد آخر- جهود سورية في إعادة إعمار ما هدمته الحرب.
وترجح مصادر تركية أن تبدأ المرحلة الأولى من المشروع، الذي تتراوح كلفته بين 50 إلى 60 مليون يورو (57.11 مليون دولار – 68.54 مليون دولار)، بتأهيل خط سكة الحديد التي تصل محطة ميدان أكبس الحدودية بمدينة حلب جنوبا (أُنشئت عام 1908 ضمن مشروع قطار الشرق السريع الذي كان يربط برلين ببغداد المحكي عنه اعلاه)، إذ دمرت الحرب نحو 50 كيلومترا منه، بينما لا تزال بقية الأجزاء موجودة حتى العاصمة دمشق.
ويقول خبراء إن إعادة تأهيل الشبكة، إلى جانب إحياء مشروع الخط الحديدي الحجازي، من شأنه، بعد تحديث شبكات النقل القديمة، أن يعيد دمج سورية في المنظومة الإقليمية، وأن يشكل نواة لربط سككي إقليمي جديد، يتوقع الخبراء أن تنضم إليه دول عربية مجاورة.
منطقة إقليمية واحدة
تعرضت شبكة الخطوط الحديدية السورية التي يبلغ طولها نحو 2552 كيلومترا لأضرار كبيرة خلال الحرب التي استمرت قرابة 14 عاما منذ عام 2011.
وأوضحت مصادر في وزارة النقل السورية -لصحيفة “الحرية” السورية (حكومية)- أن العمل جار /منذ سقوط النظام 2024/ لترميم الخطوط القائمة وصيانتها، إلى جانب صيانة العربات المحركة والمتحركة، في ظل إمكانات ضئيلة وشح في المواد الأساسية.
وأكد مدير عام الخطوط الحديدية أسامة حداد أن المديرية تعمل على وضع خطة لإعادة السكك الحديدية للعمل، من خلال الربط السككي مع شبكة الخطوط الحديدية التركية، عبر مرحلتين، تشمل الأولى (محور حلب – المسلمية – الراعي) والثانية (محور المسلمية – ميدان أكبس) الحدودية.
وشهدت الأشهر الأولى من مرحلة ما بعد الأسد ثلاثة اجتماعات بين مسؤولي السكك الحديدية في تركيا وسورية كان آخرها في أيار الماضي، جرى خلالها تقييم وضع الخطوط وأوضاع الجسور السككية والمحطات التي تعرضت للضرر، واحتياجات إعادة تأهيلها.

وقال حداد -في تصريح عقب جولة تفقدية لبعض الخطوط رفقة الجانب التركي- إن “الضرر الإجمالي الذي تعرضت له الخطوط والجسور والمحطات يفوق نسبة 60%، في حين لا يتجاوز ما تبقى من الشبكة عددا محدودا من الخطوط القابلة للتشغيل الجزئي يبلغ طولها نحو 1050 كيلومترا”.
وتنتمي تركيا وسورية إلى منطقة إقليمية واحدة، وفق خريطة الاتحاد الدولي للخطوط الحديدية المؤلفة من 6 مناطق، ويرى حداد أن إعادة الربط السككي معها من شأنه ما يلي:
فتح آفاق واسعة لفرص العمل المحلية.
ربط المناطق الشرقية، حيث تتركز الموارد والثروات بالشبكة الوطنية
ربط مناطق الإنتاج الكثيف المتنوع شمال سورية بالشبكة الدولية.
اما بخصوص اعادة احياء الخط الحديدي الحجازي
بُذلت جهودٌ كبيرة منذ منتصف القرن الماضي لإعادة تشغيله، وكان من أبرزها مؤتمر الرياض الذي ضم سورية والأردن والسعودية عام 1955، كما جرى لاحقا تشكيل هيئة عليا لإدارة الخط، تتألف من وزراء المواصلات في الدول الثلاث، أعلنت عام 1978 اتفاق حكوماتها على إنشاء خط حديدي عريض، نظرا لضيق الخط القديم، وقيام كل دولة بتنفيذ القسم الواقع داخل أراضيها، كما أعيدت دراسة جدوى إحياء الخط عام 2008، لكن اللجان المشتركة من الدول الثلاث لم تتوصل إلى قرار حاسم في هذا الشأن.
في سياق متصل، أعلنت تركيا عام 2011 خطة لإعادة تشغيل الخط، تضمنت إعادة تأهيل مسار السكة في تركيا وسورية والأردن، وإقامة خط قطار سريع يربط بينها، تستغرق رحلته من إسطنبول إلى مكة نحو 24 ساعة، يعمل على نقل أكثر من مليوني راكب سنويا.
ورغم تجاوب الجانب السوري آنذاك على خلفية سعيه إلى تحديث شبكة سكة الحديد الوطنية بهدف ربط دمشق بأوربة عن طريق تركيا، ومع الخليج العربي عن طريق الأردن، فإن الازمة السورية 2011 حتى الان حالت دون تنفيذ الخطة.
رؤية متقدمة
والدراسات الفنية التي أجرتها لجان مختصة في سورية والاردن على واقع الخط الحديدي الحجازي تبيّن حاجته إلى تعديلات هيكلية تؤهله ليكون ضمن المواصفات السككية العالمية، فضلا عن حاجته لترميم وصيانة نحو 40% منه بسبب الأضرار التي لحقت به أثناء الحرب.
وتسعى مؤسسة الخط الحديدي الحجازي السورية، من جهتها، إلى إعادة تأهيل الخط، في مرحلة أولى، كما تتطلع إلى تحويله إلى خط دولي عابر للحدود، بمساعدة الجارتين تركيا والمملكة الأردنية، وقد أعلنت عمّان فينيسان 2025 استكمال أعمال الكشف الفني لمسار الخط داخل أراضيها، تمهيدا لإطلاق رحلات سياحية نحو الداخل السوري، في إطار رؤية شاملة لإحياء أحد أبرز المشاريع التاريخية في المنطقة.
وتنسق عمّان مع دمشق لضمان الجاهزية الكاملة للمسار، وفق تصريح لمدير مؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني، زاهي خليل الذي قال لوكالة الأنباء الأردنية إن تفعيل الخط يأتي ضمن خطة لتنشيط السياحة، وتعزيز الروابط الثقافية والاقتصادية بين الأردن وسورية.
وأبدى الجانب التركي -وفق مدير عام مؤسسة الخطوط الحديدية السورية أسامة حداد- نشاطا وتفاعلا غير مسبوقين لدعم الحكومة السورية لإعادة تأهيل الشبكة، كما نقل عنه استعداده لتقديم خبراء وفنيين ومعلومات تقنية من أجل تسريع عملية التأهيل.
ويتميز التعاون المشترك -وفق حداد- بأهمية إستراتيجية في ظل تنشيط الحركة التجارية والسياحية، ليس فقط بالنسبة لسورية وتركيا، بل مع دول الجوار كذلك، في وقت تعاني فيه المنطقة من تحديات اقتصادية معقدة، كما يعوّل الجانبان على إعادة تشغيل هذا الربط، ليكون محورا لتعزيز التبادل والتواصل واستعادة أواصر الصلة التي ربطت الشعبين لعقود طويلة.
ويحتاج الربط السككي، الذي تتطلع إليه سورية مع دول الجوار إلى برنامج للإصلاح الإداري تتبناه المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، من أجل تطوير مهامها وأنشطتها وإمكاناتها البشرية والمادية، وكذلك تطوير شبكتها وتجهيزاتها. وإن تحديث الخطوط وفق المواصفات المعتمدة من قبل الاتحاد الدولي سيزيد من سرعة النقل، وتحسين نوعية خدمات نقل الركاب والبضائع، مما يساعد على الربط الدولي السككي عبر محورين للنقل:
– من دول أوروبا إلى المرافئ السورية، وعبر سورية والعراق وصولا إلى الخليج العربي.
– عبر تركيا إلى سورية والأردن، وغيرهما من الدول العربية.

وتتصل الشبكة الحديدية السورية شمالا بالسكك الأوروبية عبر تركيا، وغربا بالموانئ السورية اللبنانية، وشرقا بالعراق في نقطة واحدة تقع في الشمال الشرقي، والعمل جار على تحقيق ربط آخر بالعراق في منطقة القائم – البوكمال.
الربط بين الشمال والجنوب
وعلاوة على وجود مشاريع وطنية وإقليمية سككية في دول الخليج العربي والسعودية، يرى الخبير في شؤون النقل والمواصلات حسام الخجا وجود فرصة مناسبة لربط هذه الدول بالمشاريع التي يجري الإعداد لها بالتعاون مع سوريا وتركيا والأردن، خاصة أن سورية باتت اليوم وجهة استثمارية لشركات كثير من هذه الدول. وأن الربط السككي الإقليمي عبر خطوط دولية سيعزز التبادل التجاري البيني، نظرا لسهولة النقل وفعاليته، وانخفاض تكلفته، وسرعة وصوله، مشيرا إلى النقل بالسكك الحديدية أقل كلفة بنسبة 30% من تكلفة وسائل النقل الأخرى، وأقل بنسبة 60% في المتوسط في ما يتعلق باستهلاك الطاقة.
حواشي البحث
1-(الخليج) البير الخوري “فجر صراعات بين العثمانيين والغرب” 29كانون الثاني 2015
2- المهندس انيس شباط الامين العام لوزارة المواصلات السورية، مجلة النعمة البطريركية العدد 11 – السنة الثانية – ايلول 1961 ” على هامش مشروع انشاء خط حديدي بين اللاذقية وحلب والقامشلي”.
3- (الجزيرة) “سكة حديد الحجاز… المشروع الذي بناه السلطان عبد الحميد واسهم فيه العالم الاسلامي”
4-المصدر ذاته بتصرف وتعديل.
